شيفرة دافنتشي   
الاثنين 14/12/1425 هـ - الموافق 24/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:16 (مكة المكرمة)، 14:16 (غرينتش)

عرض/ إبراهيم غرايبة

تحاول هذه الرواية التي أثارت جدلا واسعا في الوسط المسيحي الكاثوليكي أدى إلى وقف توزيعها في بعض الدول العربية مثل لبنان والأردن أن تكشف عن التأثيرات والتفاعلات بين الأديان السابقة للمسيحية والمسيحية، وتراجع مقولات مقدسة ومقبولة دينيا لتردها إلى أحداث وتحولات وصراعات تاريخية ودينية، كأن المؤلف استخدم الرواية حيلة ليعرض أفكارا تناقض العقيدة المسيحية على نحو جوهري، وربما أرادها رواية ممتعة تنتشر بين الناس بدلا من كتاب تاريخي علمي لا تقرؤه إلا النخب، ولكن النسخة العربية للرواية أفسدتها الترجمة الرديئة التي لا تليق بدار نشر محترمة ولا برواية مهمة.

 

- العنوان: شيفرة دافنتشي

- المؤلف: دان براون

- المترجم: سمة محمد عبدربه

- عدد الصفحات: 494

- الناشر: الدار العربية للعلوم - بيروت

- الطبعة الأولى: 2004

البحث عن الحقيقة

تدور الرواية حول مجموعة من الشخصيات، هم جاك سونيير (شخصية رمزية غير حقيقية) مدير متحف اللوفر الذي يقتل في أول مشهد بالمسرح، وتبدأ الأحداث تتصاعد، فتستدعي الشرطة القضائية البروفيسور روبرت لانغدون المتخصص في تاريخ الأديان، وتشتبه به لأن سونيير كان قد كتب اسمه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

 

وتستدعي الشرطة أيضا صوفي نوفو خبيرة الشيفرة في الشرطة الفرنسية لتستعين بها في تحليل عبارة كتبها سونيير، ويتبين أنها حفيدة سونيير، وتدرك فورا أن جدها أراد منها أن تستعين بـ"لانغدون" للبحث عن سر مهم.

 

يهرب لانغدون من اللوفر بمساعدة صوفي بعد أن تحصل بواسطة الشيفرة على مفتاح لحسابه في بنك زيوريخ السويسري، ويستخرجان من ودائع البنك صندوقا أودعه سونييير يعتقد أنه يؤدي إلى حجر العقد، وهو صندوق يحوي وثائق وأسرارا مهمة وتاريخية تعود إلى جمعية سيون الدينية، وهي جمعية سرية تأسست عام 1099.

 

تقوم جمعية دينية أخرى "أوبوس داي" وهي جمعية كاثوليكية متشددة بقتل سونيير رئيس جمعية سيون ومساعديه الثلاثة الكبار في الجمعية من أجل الحصول على حجر العقد ووثائق فرسان الهيكل التي يحتفظون بها منذ آلاف السنين، وهي تعود إلى الملك سليمان وكانت محفوظة في الهيكل المنسوب إليه, إضافة إلى وثائق أخرى تعود إلى أديان تقدس الآلهة الأنثى وآلهة الخصب والعطاء التي عرفت لدى اليونانيين والفينيقيين والهنود ثم امتدت إلى اليهودية والمسيحية.

 

يهرب لانغدون الذي يجد الأدلة الظرفية تحيط به إلى صديقه السير "لاي تيبينغ" وهو مؤرخ ونبيل بريطاني يقضي سنوات طويلة في البحث في تاريخ فرسان الهيكل ومحاولة الحصول على وثائقهم وآثارهم، ويهربون بطائرة تيبينغ الخاصة إلى بريطانيا.

 

"
يظهر أنه لا توجد وثائق وأسرار ولا كأس مقدسة وأنها جميعها طقوس ورموز مستمدة من الأديان السابقة ومتداخلة مع المسيحية يؤمن بها فرسان الهيكل وجمعية سيون
"
ويتبين في النهاية أن تيبينغ هو المخرج الأساسي للمسرحية، وأنه يستدرج رئيس جمعية "أوبوس داي" المتشددة لتلاحق أخوية سيون، وتقتل رؤساءها من أجل الحصول على وثائق فرسان الهيكل لعلها تعطيهم قوة ونفوذا لدى الفاتيكان، أو على الأقل تمنع الفاتيكان من إبعاد الجمعية عن مظلة الفاتيكان، فقد ضاق البابا ذرعا بالجمعية وتشددها وإساءاتها للديانة المسيحية.

 

وقد استغل تيبينغ تطرف الجمعية ولهفتها لحل مشكلتها مع الفاتيكان ليستدرجها لتساعده في البحث عن فرسان الهيكل دون مسؤولية تقع عليه، ويظهر أنه لا توجد وثائق وأسرار ولا كأس مقدسة، وأنها جميعها طقوس ورموز مستمدة من الأديان السابقة ومتداخلة مع المسيحية يؤمن بها فرسان الهيكل وجمعية سيون.

 

فرسان الهيكل وأخوية سيون

تأسست جمعية سيون الدينية عام 1099، وقد كشفت مكتبة باريس الوطنية عام 1975 عن مخطوطات ووثائق سرية كشفت عن أسماء كثير من أعضاء هذه الجمعية، ومنهم ليوناردو دافنشي وإسحق نيوتن وفيكتور هوغو وساندرو بوتيشلي.

 

يعتقد "السيونيون" إن صحت التسمية أن المسيحية دخلت في منعطف تاريخي عندما تنصر الامبراطور قسطنطين، وأدخل في مجمع "نيقية" المشهور الذي عقد عام 332 م تعديلات جوهرية وخطيرة على المسيحية، مخالفة لسياقها وانتمائها الأصلي لسلسلة الديانات والرسل، ومن ذلك ألوهية المسيح.

 

فقد كان المسيح -باعتقادهم- رجلا عاديا تزوج من مريم المجدلية، وأنجب منها بنتا سميت "سارة" وأن ذريتها الملكية باعتبار أن المسيح من ذرية داود وسليمان باقية حتى اليوم، وفي مرحلة من الاضطهاد والملاحقة جرى إخفاء ألوهية الأسرة الملكية المنتسبة إلى المسيح.

 

وكان من أهم وظائف أعضاء جمعية سيون حماية هذه الأسرة والحفاظ عليها، وكان سونيير مدير متحف اللوفر آخر رئيس للجمعية، وهو من السلالة الملكية، وقد تعرضت أسرته لحادث سير مدبر، ما اضطره أن يخفي أحد أحفاده مع جدته (زوجة سونير) ويشيع خبر وفاتهما.

 

بعد مجمع نيقية بدأ الإمبراطور قسطنطين وأنصاره من المسيحيين (الجدد) إعادة صياغة للأفكار والمعتقدات، ومنها حمل تشهير حولت الأنثى المقدسة التي كانت أساس الديانة السابقة إلى شيطان مريد، ومحيت تماما جميع آثار الآلهة الأنثى، واستخدمت الكنيسة طرقا ووسائل مرعبة لتحقيق ما وصفته بإعادة الوثنيين إلى جادة الحق وطريق الصواب، ورسخت في هذا السياق مقولة النساء الساحرات والشريرات، وإغواء حواء لآدم، وأحرق على مدى 300 عام خمسة ملايين امرأة.

 

وتحولت طقوس الاتحاد بين الرجل والمرأة أو الجنس المقدس التي يقال إنها كانت تجري في هيكل سليمان إلى عمل مشين، وحلت الرهبنة قيمة روحية عليا معتبرة أن أي علاقة بين الرجل والمرأة رجس من عمل الشيطان، وأصبحت الأم الأرض عالما للرجل.

 

"
المسيحية دخلت في منعطف تاريخي عندما تنصر الإمبراطور قسطنطين وأدخل في مجمع نيقية الذي عقد عام 332م تعديلات جوهرية وخطيرة على المسيحية مخالفة لسياقها وانتمائها الأصلي لسلسلة الديانات والرسل ومن ذلك ألوهية المسيح
"
ويقال إن الملك غودوفرا كان من سلالة المسيح، وأنشأ جمعية أخوية سيون في القرن الحادي عشر الميلادي للحفاظ على العائلة الملكية، وحماية أسرارها، وأثناء الحروب الصليبية أسست الأخوية فرقة مقاتلة سميت "فرسان الهيكل" وقد وجدت هذه المجموعة في القدس وثائق سرية مدفونة تحت أنقاض معبد هيرودوت، الذي أقيم على أنقاض هيكل سليمان، وحسب اعتقادهم كانت تلك الوثائق تثبت سر غودفروا، كما أنها كانت خطيرة بمحتواها إلى الحد الذي جعل الكنيسة مستعدة لفعل أي شيء للحصول عليها.

 

كان أعضاء الأخوية يعلمون بوجود هذه الوثائق، فأنشؤوا فرقة "فرسان الهيكل" واختلط تاريخ هذه الفرقة بالكثير من القصص والأساطير والروايات، وكانوا يعملون ويتحركون أثناء الحروب الصليبية على أساس أنهم يقومون بحماية الحجاج، وفي الواقع كان هدفهم الحقيقي هو البحث عن وثائق الهيكل، التي يقال إنهم عثروا عليها، بعدما طلبوا أن يسمح لهم بالإقامة في الإسطبلات الموجودة تحت أنقاض المعبد، حيث يوجد ما يعتبر في الديانة اليهودية "قدس الأقداس".

 

وبعد حوالي عشر سنوات من البحث المتواصل وجدوا الكنز الذي يبحثون عنه، ونقلوه إلى أوروبا.

 

وقد ابتز الفرسان بهذه الوثائق الفاتيكان، واشترت الكنيسة صمتهم، حتى إن البابا إينوست الثاني أصدر في خطوة لم يسبق لها مثيل أمرا رسميا بابويا يقضي بمنح فرسان الهيكل سلطة غير محدودة، وأعلن أن لهم قوانينهم الخاصة بهم, وأنهم قوة عسكرية تتمتع بالاستقلال الذاتي التام بعيدا عن أي تدخل من الملوك والأساقفة، أي أنهم مستقلون دينيا وسياسيا.

 

وبفضل هذه السلطة المطلقة التي منحت لفرسان الهيكل توسعوا في القوة والممتلكات والكنائس والقلاع، حتى إنهم كانوا يمدون الملوك المفلسين بالقروض مع الفوائد، وبذلك كانوا نواة نظام البنوك الحديثة، حتى إن الأمراء كانوا يودعون الذهب في أي كنيسة للفرسان، ويسحبونه من أي كنيسة أخرى، مع احتساب فائدة بالطبع، وبذلك لم يكن قادة الحملات الصليبية والقوافل التجارية مضطرين للمغامرة بحمل الذهب معهم والتعرض للسلب والسطو.

 

وفي القرن الرابع عشر أصبح فرسان الهيكل قوة عظمى، ما دفع البابا كليمانت الخامس للعمل على وضع حد لهم، فأصدر أوامر سرية مختومة على ألا تفتح إلا في يوم الثالث عشر من أكتوبر/ تشرين الأول 1307.

 

وبالتنسيق مع ملك فرنسا فيليب الرابع قام بسحق قوات الفرسان، وتعرضوا للتعذيب والقتل، وحملة تشهير واسعة تولاها الفاتيكان تقوم على أنهم كفار ومنحرفون ومهرطقون، وأن الرب طلب من البابا كليمانت أن يطهر الأرض منهم.

 

ولكن البابا لم يتمكن من القضاء على فرسان الهيكل، ولا الحصول على الوثائق السرية التي بحوزتهم، فقد تحولوا إلى مجموعة سرية، وقاموا بتهريب الوثائق على متن إحدى سفنهم إلى مكان سري، وظلت هذه الوثائق هدفا لعمليات بحث طويلة ومعقدة.

 

"
الإنجيل بنظر السيونية كتاب تاريخي يسجل الأحداث والحكم المروية، وقد أضيف إليه ونقص منه على مدى الزمن
"
الوثنية المسيحية

إن السيونية تبدو مزيجا من الوثنية والمسيحية فهي تؤمن بالمسيح وتعتقد بأتباعه، وتعتقد أيضا ببشريته وبالمعتقدات السابقة للمسيحية (وكثير منها في العهد القديم) فالإنجيل بنظرها هو كتاب تاريخي يسجل الأحداث والحكم المروية، وقد أضيف إليه ونقص منه على مدى الزمن، ولم تعد ثمة نسخة محددة متفق عليها للإنجيل.

 

ويسوع المسيح كان شخصية تاريخية ذات تأثير مذهل، ألهم الملايين وابتكر فلسفات جديدة، وكان يمتلك حقا شرعيا للمطالبة بعرش ملك اليهود، باعتباره ينحدر من سلالة الملك داود والملك سليمان.

 

وكان قسطنطين -حسب اعتقاد السيونية والمسيحية العربية أيضا- وثنيا، ولم يتنصر، بل إنه لم يتعمد إلا وهو على سرير الموت عندما كان أضعف من أن يعترض على ذلك، وكان الدين الرسمي في عهده هو عبادة الشمس، وكان قسطنطين كبير كهنتها، لكن لسوء حظه كان هناك اهتياج ديني متزايد يجتاح روما، إذ تضاعف أتباع المسيحية على نحو مذهل، وبدأ المسيحيون والوثنيون يتصارعون إلى درجة تهديد الإمبراطورية الرومانية بالانقسام.

 

رأى قسطنطين أنه يجب اتخاذ قرار حاسم، فقرر عام 325 توحيد الإمبراطورية تحت لواء دين واحد هو المسيحية، وكان اختيار المسيحية براغماتيا أو رهانا على الورقة الرابحة، لكنه أنشأ دينا هجينا مقبولا من الطرفين، وذلك بدمج الرموز والطقوس الوثنية والمسيحية معا.

 

وأصبحت أقراص الشمس المصرية هالات تحيط برؤوس القديسين الكاثوليكيين، والرموز التصويرية لإيزيس وهي تحضن طفلها الرضيع المعجزة "حورس" هو مادونا (مريم) تحتضن المسيح الرضيع، وتاج الأسقف والمذبح والمناولة كلها طقوس مستمدة مباشرة من أديان قديمة وثنية غامضة، وتاريخ ميلاد المسيح 25 ديسمبر/ كانون الأول هو أيضا تاريخ ميلاد أوزيريس وأدونيس وكريشنا، وحتى يوم العطلة الأسبوعية الأحد هو يوم عابدي الشمس أيضا (sun day، أي يوم الشمس).

 

وحتى انعقاد مجمع نيقية كان المسيح في نظر أتباعه يعد بشرا فانيا، واعتمدت فكرة "ابن الرب" بالتصويت في المجمع، وقد نجحت بفارق ضئيل في الأصوات، إذ كانت فكرة ألوهية المسيح ضرورية للسلطة السياسية والدينية لزيادة هيمنتها وسلطتها.

 

وكانت السلطة تحتاج في تكريس هذه العقيدة إلى أن تخفي تاريخا ممتدا إلى أكثر من ثلاثة قرون، تاريخا ممتلئا بالوثائق والشهادات والمعتقدات تسجل حياة المسيح وإنسانيته، وكانت أهم لحظة في تاريخ المسيحية عندما أمر قسطنطين بإنجيل جديد أبطل الأناجيل السابقة التي تتحدث عن إنسانية المسيح، بل إنها جمعت وحرقت وحرمت قراءتها.

 

وتعد وثائق البحر الميت التي اكتشفت عام 1950 دليلا مخالفا لأناجيل قسطنطين، فقد تحدثت تلك الوثائق عن كهنوت المسيح بمصطلحات إنسانية تماما، وهي تلقي الضوء على فبركات تاريخية تؤكد أن الإنجيل قد أعد ونقح على أيدي رجال ذوي أهداف سياسية.

 

"
كان المسيح في نظر أتباعه بشرا فانيا، واعتمدت فكرة ابن الرب بالتصويت في المجمع وقد نجحت بفارق ضئيل في الأصوات
"
إن تأثير الأديان والمعتقدات على بعضها وامتداداتها تبدو واضحة في جميع الأديان، فهي بطبيعتها متممة بعضها من بعض، والأديان والمعتقدات المخالفة للأديان السماوية نشأت على الأغلب أو تطورت من أديان سماوية.

 

وفي القرآن إشارة لتأثير الأديان خاصة معتقدات الخصب والعطاء على بني إسرائيل، مثل عبادة بعل إله الخصب والعطاء عند الفينيقيين، وقد تحول بعض بني إسرائيل لعبادته، فكان إلياس الرسول يخاطب قومه كما في القرآن "وإن الياس لمن المرسلين، إذ قال لقومه ألا تتقون، أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين"، وربما يكون سفر نشيد الإنشاد في العهد القديم  المنسوب إلى سليمان هو من امتدادات وتأثير الأديان السابقة التي تقدس الخصب والأنثى.

 

والرواية موضوع العرض كانت محاولة لفهم تأثير المسيحية على ديانات كانت سائدة وتأثير هذه الديانات والمعتقدات على فئات وطوائف مسيحية فنشأت طوائف تمزج بين المسيحية والأديان السابقة، كما في حالة فرسان الهيكل وأخوية سيون، وقد بقيت المسيحية العربية فترة طويلة بعد نيقية تؤمن بالتوحيد وترفض عقيدة التثليث.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة