تفسير العجز الديمقراطي في الوطن العربي   
الاثنين 1432/5/9 هـ - الموافق 11/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:06 (مكة المكرمة)، 13:06 (غرينتش)

عرض/ حسين عبد العزيز
على الرغم من النمو الاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي، تتسم معظم الأنظمة السياسية العربية بأشكال متفاوتة من الأوتوقراطية أو العجز الديمقراطي.

ويهدف هذا الكتاب إلى تحديد العوامل الرئيسية التي تقف وراء هذه الظاهرة، وهو يتبنى طريقة ثنائية تجمع بين التحليل الكمي والنوعي من ناحية، ودراسة عابرة للبلدان، تستند في ذلك إلى مفهوم موسع للحداثة.

العجز من منظور الثقافة السياسية
بلغ منهج الثقافة السياسية ذروة إشكاليته عند تطبيقه في النطاق العربي/الإسلامي، ضمن سياق كلام الثقافة، وهي أطروحة تتضمن أن لكل ثقافة جوهرها الملموس، ومن ثم يفسر تفصيلاتها السياسية نتيجة لذلك الجوهر، وترد هذه الأطروحة في نسختين: الأولى، تنظر إلى شعوب ما قبل الحداثة على أنها شعوب تنتظر التحديث، والثانية، ترى هذه الشعوب معادية للحداثة.

- الكتاب: تفسير العجز الديمقراطي في الوطن العربي
- المؤلف: إبراهيم البدوي/سمير المقدسي
- الصفحات: 495
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2011

ومع ذلك تنظر النسختان إلى الثقافة، وخاصة الإسلامية باعتبارها بلا تاريخ وبلا سياسة، وتعرف الأطروحة الأكثر تشذيبا المشكلة من خلال إجراء مقارنة بين "عالم الجهاد" و"عالم ماكدونالد"، الأول "معادٍ للحداثة" والثاني "ذو نزعة استهلاكية" يسعى وراء الربح، وبين الاثنين تناقض كبير، فعالم ماكدونالد هو تتويج طبيعي لعملية التحديث، في حين "يرمز عالم الجهاد إلى الخصوصية العقائدية العنيفة".

لقد جذبت هذه النظريات الكثير من المفكرين العرب، فهشام شرابي يرجع الاستبداد العربي إلى الأبوية الراسخة في المجتمعات العربية، ونجد وجهات نظر مماثلة عند خلدون النقيب الذي يوظف مفهوم القبيلة لتوضيح الفكرة نفسها، ويذهب حسن حنفي إلى أن المشكلات التي تواجهها المجتمعات العربية تعود إلى الجذور المترسبة في موروثنا.

يرفض الكتاب هذه النظريات وغيرها التي ترى أن الاستبداد في الوطن العربي هو انعكاس للتفضيلات الثقافية للمنطقة، ولو كان الأمر كذلك لما احتاجت النظم العربية إلى العنف الشديد من أجل المحافظة على سلطتها.

إن العجز الديمقراطي مرتبط بالخيارات السياسية الواعية للنظم السياسية التي هندست أنماطا من الاستقطاب، من شأنها أن تجعل طرقها الاستبدادية كما لون أنها آخر معقل ضد التفكك التام لبلدانها.

حالات دراسية لبلدان عربية
ـ دعائم نظام الحكم الأوتوقراطي في الأردن
تبين بيانات مؤشر نظام الحكم أن الدرجة التي منحت للحكم خلال الفترة ما بين 46 و1950 هي درجة متدنية، حيث استمر حكم الملك عبد الله كحكم فردي، على الرغم من الاستقلال الرسمي للدولة وتدشين آليات معينة لتمثيل الشعب.

وفي عام 1951 حدث تحسن ملحوظ في المشهد السياسي، حيث تدنى الحكم الفردي مع انتخاب أول برلمان ومنح التمثيل العادل والمتساوي لكلتا ضفتي نهر الأردن، وازداد هذا التحسن بحلول عام 1952 حيث تم سن دستور ليبرالي كان الأساس للانتخابات البرلمانية الحرة.

ويرى الكتاب أن هذا التقدم لم يستمر طويلا، ففي منتصف الخمسينيات حدث تراجع في مؤشر نظام الحكم، على الرغم من أن البرلمان الأردني المنتخب عام 1956 كان ثمرة أكثر الانتخابات حرية وربما ديمقراطية، ويعود ذلك إلى حدوث قلاقل إقليمية دفعت النظام الأردني إلى مبادلة الديمقراطية بالاستقرار.

وجاءت مرحلة الستينيات كامتداد طبيعي للمرحلة السابقة، حيث عطلت حرب 67 عملية التطور الليبرالي، وشجعت الحكومة على الحد من الحريات الديمقراطية القليلة الباقية

وفي ثمانينيات القرن الماضي، حصل تحسن طفيف في مؤشر نظام الحكم، حيث أقر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات، وفي عام 89 أعلن الملك حسين فك الصلات الإدارية مع الضفة الغربية، وهي خطوة بدت غير دستورية في نظر كثير من الأردنيين، وقام عدد من الأحزاب الوطنية بالتشكيك في دستورية القرار وجميع الإجراءات القانونية التي تلته، وكانت النتيجة حل مجلس النواب بقرار ملكي.

ومع بداية التسعينيات بدت مؤشرات نظام الحكم في التقدم، لكنها لم تعبر حاجز الصفر باتجاه الحكم الموجب، أي المنطقة الديمقراطية.

"
أبدى الملك حسين درجة من التجاوب مع المعتقدات الديمقراطية، والحريات المدنية وحقوق الإنسان تتناسب مع درجة الاستقرار السائدة في المنطقة
"
لقد أبدى الملك حسين درجة من التجاوب مع المعتقدات الديمقراطية، والحريات المدنية وحقوق الإنسان تتناسب مع درجة الاستقرار السائدة في المنطقة.

ويقف الكتاب هنا على ملاحظة مهمة، وهي أن عوامل الثقافة أو الإسلام لم تقم بأي دور ظلامي في تشجيع الحياة السياسية الديمقراطية، على العكس، فإن غياب التقدم الديمقراطي الحقيقي يرتبط بقدرة المملكة على إعاقة الإصلاحات، وفي السنوات السبع الأخيرة جرب النظام عددا من الإستراتيجيات لإضعاف حركة المواطنين وتعاضدهم، كرفع شعار "الأردن أولا"، وهي حملة قادت إلى نزع الشرعية عن أي احتجاج للتضامن مع الجيران الفلسطينيين.

ـ دعائم الحكم الأوتوقراطي في سوريا
كان اقتصاد سوريا متطورا نسبيا بعد الاستقلال، وبعد ذلك وحتى منتصف السبعينيات حققت الدولة مستويات غير مسبوقة في النمو الاقتصادي، وبحلول نهاية السبعينيات تحول الاقتصاد من قاعدته الزراعية التقليدية إلى اقتصاد يقوم على النشاطات التجارية والخدمية والصناعية.

لكن في منتصف الثمانينيات، فقد النموذج السوري حيويته في أعقاب الهبوط السريع في أسعار النفط، وتدني عائدات التصدير، والجفاف الذي ضرب الإنتاج الزراعي، وهبوط تحويلات العاملين.

وفي التسعينيات بدأت الدولة بإصلاح الاقتصاد عبر لبرلة القطاع الزراعي، وخصخصة مجموعة من النشاطات كانت تحتكرها الدولة، وقد عبّد ذلك الطريق أمام التنمية الاقتصادية الواسعة والتراكم الرأسمالي الهام، إلا أن الاقتصاد بدأ في نهاية التسعينيات يشهد تقلبات حادة، حيث بدأت مستويات المعيشة في التدهور، وأصبحت مستويات البطالة أكثر ارتفاعا.

ويؤكد الكتاب هنا أن ولاء مجتمع الأعمال السوري للنظام عاق خطوات الإصلاح الاقتصادي، عبر مشاركته مع أعضاء مؤثرين من النظام في النشاطات المدرة للريع، الأمر الذي جسد تأييد ذلك المجتمع للنظام الأوتوقراطي.

ومن الناحية السياسية، كان الوزراء وكبار المسؤولين يتم ترشيحهم من قبل الرئيس نفسه، ومنحهم سلطات تنفيذية محدودة، وتقترح القيادة القـُطرية لحزب البعث والدوائر الأخرى للنظام الحاكم مرشحين للمناصب الحكومية والوظائف المدنية الكبرى.

"
قاد احتكار الحزب الحاكم في سوريا جميع القرارات الأساسية للقطاع العام إلى قيام منهجية فساد منظمة، وأتاح لعدد من صانعي القرار الاستفادة من مراكزهم في الكسب غير المشروع
"
ومع الزمن قاد احتكار الحزب الحاكم جميع القرارات الأساسية للقطاع العام إلى قيام منهجية فساد منظمة، وأتاح لعدد من صانعي القرار الاستفادة من مراكزهم في الكسب غير المشروع، وبسبب معاناة الجيش والنظام القضائي، فقد ضعفا أمام مؤثرات الفساد.

وقد أشار الرئيس حافظ الأسد في خطابه عام 1999 إلى تخفيف محدود في النهج الأوتوقراطي، إذ أكد أهمية المسؤولية في سياق النظام الديمقراطي الشعبي، كما لا حظ أيضا أن توسيع دائرة القرار وحرية التعبير والمشاركة العامة سيسهل العملية الديمقراطية.

ومع ذلك يؤكد الكتاب أن وضع سوريا من الناحية الديمقراطية سيئ جدا وفقا لمؤشر نظام الحكم، ومن الجدير ذكره أن النظام السوري لا يعارض الإصلاح الاقتصادي والسياسي، ولكن موقفه هو أن مثل هذه الإصلاحات لا بد من أن تتم بصورة تدريجية يمكن التنبؤ بنتائجها، بحيث لا تقود إلى أي خسارة في السيطرة السياسية.

ـ نظم الحكم الأوتوقراطية في الخليج
تمتلك بلدان الخليج أعلى مستوى معيشي في الوطن العربي، ومع ذلك فهي أكثر النظم أوتوقراطية، حيث لم تؤد التنمية الاقتصادية إلى قيام أي ضغوط اجتماعية للسير في عملية الدمقرطة، ولم تتغير طبيعة العلاقة بين الحكام والمواطنين.

لقد تم استعمال الإيرادات النفطية لشراء رضا وجهاء القبائل القديمة، لا سيما في السعودية، كما استفاد الحكام من هذه الإيرادات في شراء الولاء السياسي، عبر برامج للرفاه المعيشي.

ومع ذلك، فإن فهم طبيعة نظام الحكم الأوتوقراطي في الخليج تتطلب الذهاب إلى أبعد من النفط.

"
في السعودية تحالفت المجموعات الدينية مع آل سعود لفرض نظام ديني أوتوقراطي، وفي الكويت كان على الحكام -بسبب حاجتهم إلى دعم التجار المالي- أن يتخلوا عن بعض سلطتهم لهم
"
يرى الكتاب أن جذور نظام الحكم الأوتوقراطي تعود إلى السنوات التكوينية لبلدان الخليج، فكلما كانت هذه البلدان أقرب إلى الهند البريطانية، كان احتمال تدخل بريطانيا في شؤونها أكبر لتأمين مصالحها الاقتصادية (عمان، الإمارات، قطر، البحرين)، فيما كانت الكويت والسعودية أقل عرضة للتأثير البريطاني، ففي السعودية تحالفت المجموعات الدينية مع آل سعود لفرض نظام ديني أوتوقراطي، وفي الكويت كان على الحكام بسبب حاجتهم إلى دعم التجار المالي أن يتخلوا عن بعض سلطتهم لهم، وهو ما توج بتأسيس البرلمان في وقت مبكر عام 1938.

وحين ننظر إلى هذه البلدان نجد بعض الاختلاف في مؤشرات نظام الحكم، فالكويت حققت تقدما مقارنة بباقي دول الخليج، فالسعودية والإمارات وقطر لم تشهد أي تغيير في أوضاعها السياسية منذ 43 سنة، والبحرين وعمان لم تغير مؤسساتها السياسية إلا بعد عام 1990، ولكن في الكويت فقط قادت المحاولات الديمقراطية منذ منتصف السبعينيات إلى نظم أقل أوتوقراطية.

ـ الجزائر: الديمقراطية والتنمية في ظل الصفقة الاستبدادية
الجزائر دولة ريعية تأتي معظم ثرواتها من النفط والغاز، والسيطرة على مؤسسات الدولة تعني السيطرة على هذه الثروة.

تختلف التجربة الجزائرية في التحول الديمقراطي عن مثيلاتها في البلدان العربية، إذ جرب الجزائريون حكما استعماريا فرنسيا حرم الجماهير من التطور والتنمية لأكثر من قرن.

وبعد الاستقلال تعزز الاستبداد مع حكم بومدين (65ـ1978) الذي ركز على تنفيذ خطة اجتماعية/اقتصادية طموحة قام تمويلها على الريع النفطي والدين الخارجي.

ورغم النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية القوية، فإن الإدارة السياسية والاقتصادية البيروقراطية، والتركيز على الصناعة الثقيلة، سببا عجزا ضخما في أسواق السلع الاستهلاكية والسكن.

وحاول الرئيس الشاذلي بن جديد (79ـ1992) إصلاح الاقتصاد والتخفيف من سيطرة الدولة، لكن هبوط أسعار النفط عام 1986 وتفاقم الدين الخارجي عملا على وقف الآلة الاقتصادية.

تطور السخط الشعبي، حيث نزل الشباب إلى الشوارع وحطموا الممتلكات العامة، وأدت هذه الأحداث إلى تنظيم انتخابات جديدة، نجح عبرها الإسلاميون، الأمر الذي دفع الجيش إلى التدخل ووقف العملية السياسية عام 1992، وأطلق هذا القرار عشر سنوات من الصراع الأهلي.

"
لا يمكن اعتبار الجزائر شكلا للاستبداد، ومع ذلك يمكن القول إن الديمقراطية الإجرائية في الجزائر لم تعكس حصول تحسينات في الحقوق السياسية
"
وعلى الرغم من الصعوبات المطولة للتنمية الاقتصادية، فإن إعادة توزيع الثروة غير العادلة أبقت على مستويات الفقر، وزاد من ذلك هيمنة الشباب في المجتمع وما رافقه من أزمة حادة في مجال السكن والتشغيل.

بلغت حرية التعبير درجة عالية، مع أن حكم القانون وأداء الحكومة هما أهم العقبات أمام الحرية، لا يمكن اعتبار الجزائر شكلا للاستبداد، ومع ذلك يمكن القول إن الديمقراطية الإجرائية في الجزائر لم تعكس حصول تحسينات في الحقوق السياسية.

وتتعلق الجوانب الأخرى من الإصلاحات السياسية بالمستوى الضعيف جدا للمؤسسات السياسية والاقتصادية، وتدهور الحكم، وفي هذه البيئة غير المستقرة، فإن الإصلاحات الليبرالية وتقلص هيمنة الحكومة ساهما في إضعاف المؤسسات وفي المحافظة على الدمقرطة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة