سلطة الإقصاء الشامل   
الثلاثاء 30/7/1433 هـ - الموافق 19/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:59 (مكة المكرمة)، 10:59 (غرينتش)

عرض/ حسين عبد العزيز

يتناول الكتاب مواضيع شتى، من الصعب تبويبها ووضعها تحت لافتات جاهزة، فبعضها يركز على أساليب السيطرة (الزراعة والاقتصاد والحركة)، والبعض الآخر يتمحور حول التحولات العميقة في طريقة التحكم في المناطق المحتلة مثل التحوّل إلى العنف المكشوف، وسياسة الاغتيالات، والتحول إلى البيروقراطية الكولونيالية، والتحول من الاحتلال إلى سياسة الفصل.

نظام العنف
تم تطبيق تركيبتين من علاقات القوة في الأراضي المحتلة: تركيبة يخضع فيها الفلسطينيون بشكل ظاهر للمحتل، وتتميز هذه التركيبة بانتشار ولا مركزية نقاط التماس بين الجانبين، أما التركيبة الثانية فتتميز بوجود جهود ترمي إلى جعل أي تماس بين الجانبين مركزا وضمن الحد الأدنى.
وبموجب اتفاق أوسلو يجب الفصل بين الطرفين، لكن إسرائيل استمرت في زيادة عدد نقاط التماس، ولدى تقسيم الأراضي إلى A.B.C دخلت مصفوفة تحكم جديدة حيز التنفيذ، وهي التفتيت أو الشرذمة.

-الكتاب: سلطة الإقصاء الشامل تشريح الحكم الإسرائيلي
-المؤلف: ساري حنفي وعدي أوفير وميخال غيفوني
-الصفحات: 799
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, لبنان
-الطبعة: الأولى/ 2012

ومع انتفاضة الأقصى عام 2000 تحولت تركيبة الفصل إلى حرب صحيحة أصبحت على أثرها جميع خطوط الفصل خاضعة لمنطق عسكري، والتعبير المستخدم لوصف هذا الشكل من الهيمنة هو ضبط منطقة الصراع التي يقوم المحتل عبرها بسحق الفلسطيني دون أن يصل ذلك إلى مرحلة التدمير الكامل، لقد أصبح تفتيت الحيز المكاني والحد من حرية التنقل الوسيلة الرئيسية للسيطرة داخل الأراضي المحتلة، وهذا الأمر فرض إعادة ترتيب الحيز المكاني.

يرى الباحثون أن الفترة الزمنية اللازمة لتطبيق العنف والتعليمات المتغيرة للاستمرار بشأن إطلاق النار تمكن الفلسطينيين من توقع حالات انفجار العنف أمرا صعبا، فقد كانت القوات الإسرائيلية منتشرة في جميع المناطق كما في حالة حرب، لكن من دون أن تكون هناك حرب، فالحرب نفسها معلقة، كانت هناك عمليات عسكرية واعتقالات عنيفة وغارات عرضية على الأحياء السكنية، وحالات قتل مستهدفة.

يعتبر تعليق الحرب من النتائج الرئيسية للعنف الملجوم، فهو يؤخر الحركة أو يمنعها، ويخلق طوابير انتظار، ويؤدي إلى تأجيل الأنشطة اليومية، ويجبر الأشخاص على التخلف في المكان غير المناسب وفي الوقت غير المناسب، وبذلك يؤدي العنف الملجوم إلى إعاقة مسار الأمور وتعقيد الحياة وإيقاع الفوضى في عملية انتقاء الخيارات والإطاحة بالمخططات وتعطيل التفكير السليم والإصابة بالجراح والابتلاء واحتجاز النساء في حالة مخاض على الحواجز أو رفض منح تصريح مرور للمرضى.

إن معظم حالات التدمير في الأراضي المحتلة: تفجير الأبنية، حفر الخنادق، وضع العقبات، إغلاق الآبار، أدخلت تغييرا شاملا على موطن الفلسطينيين وهذه لم تكن ناجمة عن انفجار خارج عن السيطرة للعنف، بل كانت حصيلة استخدام مدروس للأدوات قُصد به تدمير الأبنية والأشياء والفضاء من دون التأثير بالبشر بصورة مباشرة. إنها عملية الترحيل الصامت.

مقدمة لجغرافية الكارثة
تنتشر المستوطنات في جميع أنحاء الضفة الغربية، وغالبا ما تكون موجودة في قلب المراكز السكانية العربية، حيث أنشئت مستوطنات في مواقع قريبة من التجمعات الفلسطينية، الأمر الذي يعوق إمكان أي توسع عمراني فلسطيني في المستقبل.

لقرب المستوطنات من الطرق الرئيسية أهمية بالغة، فالطريق رقم 60 هو الشريان الرئيسي الذي يربط شمال الضفة بجنوبها، وكان الهدف من نشر المستوطنات على طول هذا المحور هو تمكين الإسرائيليين من السيطرة على الطريق الرئيسي، وإعاقة إمكانية البناء الفلسطيني.

تعتبر مستوطنة معاليه أدوميم مثالا على أهمية موقع المستوطنة، إذ لا تزيد مساحة بلدية هذه المستوطنة عن 8% من مساحة الضفة، ولكن موقعها قرب الطريق المتجهة من الغرب إلى الشرق الذي يصل القدس بأريحا يقطع الضفة الغربية أفقيا إلى قسمين منفصلين.

تنتشر المستوطنات في جميع أنحاء الضفة الغربية، وغالبا ما تكون موجودة في قلب المراكز السكانية العربية، الأمر الذي يعوق إمكان أي توسع عمراني فلسطيني في المستقبل

تطبق إسرائيل أسلوبا لتعيين الحدود معاكسا تماما للأسلوب المطبق في التجمعات السكانية الفلسطينية، ففي حين لا تتجاوز مساحة البلدية في التجمعات الفلسطينية مساحة البناء الفعلية، نجد أن مساحة البلدية في المستوطنات أكبر عشرات المرات من مساحة البناء.

إضافة إلى ما تقدم، كان يجري إنشاء الطرق على أساس مبدأ إنشاء العوائق في قلب المراكز السكانية الفلسطينية، كان الهدف من الطرق الإسرائيلية بخلاف الهدف العام للطرق -الربط بين أشخاص موجودين في مواقع مختلفة- هو تحقيق عكس ذلك بالنسبة للفلسطينيين، فقد كان يجري تخطيط بعض تلك الطرق بحيث تشكل عوائق مادية تحد من التوسع العمراني، ومنذ الانتفاضة الثانية لجأت إسرائيل إلى منع الفلسطينيين من استخدام الجزء الأكبر من طرق الضفة التي قمستها إلى ثلاث طرق:

ـ الطرق التي يمنع فيها مرور الفلسطينيين ويسمح للإسرائيليين بالعبور (الطرق المعقمة).
ــ الطرق الممنوعة جزئيا، وتضم الطرق التي يسمح فيها للفلسطيني في العبور إذا كان يحمل ترخيصا.
ـ الطرق التي يسمح فيها للفلسطينيين بالعبور، وهي الطرق التي لا يمكن بلوغها إلا عبر حواجز تفتيش مزودة بالجنود.

وينبغي أن تضاف إلى هذه الممارسات، الأعمال التي يرتكبها المستوطنون الذين يكملون ممارسات الدولة الإسرائيلية ولكن بأسلوب أقل انضباطا، حيث يقومون بنقل الدفاع إلى خارج المستوطنات والطرق ووضعه داخل الحيز المكاني الفلسطيني المتقلص، وهكذا تخلق آلية متكاملة: يستغل المستوطنون الإجراءات الأمنية التي يعلنها الجيش لتوسيع المنطقة التي يسيطرون عليها، وهذا بدوره يفضي إلى توسيع المنطقة الخاضعة للإجراءات الأمنية.

الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال
قدمت مجموعة من المستشارين الاقتصاديين للحكومة الإسرائيلية غداة حرب 67 اقتراحا يقضي بخلق تكامل اقتصادي بين الإسرائيلين والفلسطينيين، لأنه سيعود بمنافع قصوى لكلا الطرفين، لكن الحكومة الإسرائيلية رفضت الاقتراح خشية أن يضر هذا التكامل بالعمال الإسرائيليين، وإلى هروب رأس المال باتجاه موارد وعمالة أرخص كلفة في الضفة والقطاع، وأن يلحق ضررا بالتنمية المحلية للقطاع اليهودي.

قرر الجيش بدلا من ذلك، دمج الاقتصاد الفلسطيني ضمن الاقتصاد الإسرائيلي، بما يسهل أقصى درجة من الدمج الجغرافي للأراضي، ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى تبعية إسرائيلية للعمالة الفلسطينية.

ويرى المؤلف أن وجود بنية اقتصادية رفضت الاعتماد على عمالة السكان الأصليين للأرض أحد العوامل الرئيسية حالت دون انخراط إسرائيل في تجربة من نوع الفصل العنصري في جنوب أفريقيا أو التجربة الكولونيالية في زيمبابوي.

كان الاقتصاد الإسرائيلي كولونياليا بحيث جعل من الاقتصاد الفلسطيني تابعا للقوانين الإسرائيلية وحال دون إيجاد أسس لإقامة اقتصاد فلسطيني

قبل عام 48 كانت نسبة تقل عن 30% من القطاع اليهودي تعتمد على العمالة العربية، وبعد 48 صار العرب مواطني إسرائيل يمثلون 15 ـ 20% من القوة العاملة الإسرائيلية، وكان العمال الفلسطينيون في الضفة والقطاع يشكلون نحو 35% من العمال المستخدمين في قطاع البناء الإسرائيلي، واعتبارا من عام 67 أصبح تمثيلهم لا يتجاوز 7% من كامل القوة العاملة داخل إسرائيل.

كان الاقتصاد الإسرائيلي كولونياليا بحيث جعل من الاقتصاد الفلسطيني تابعا للقوانين الإسرائيلية وحال دون إيجاد أسس لإقامة اقتصاد فلسطيني، لقد اعتمد اقتصاد الاحتلال على أربع دعامات:

ـ سياسة اقتصادية تسترشد بفكرة إرضاء الشعب الفلسطيني اقتصاديا مع السيطرة على الأرض، والحيلولة دون حصول منافسة من البضائع أو عوامل الإنتاج الفلسطينية.

ـ دمج الاقتصاد الفلسطيني ضمن الاقتصاد الإسرائيلي من خلال إيجاد اتحاد جمركي أحادي الجانب يسمح للمنتجات الإسرائيلية بحرية الوصول إلى السوق الفلسطينية، ويحد في الوقت نفسه من دخول البضائع الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلية، وقد مكن هذا النظام إسرائيل من جباية عائدات التعريفات الملائمة على البضائع المتوجهة إلى المناطق الفلسطينية.

ـ التقييد النقدي والمالي عبر تحديد تدفق رأس المال والاستثمارات من إسرائيل إلى السوق الفلسطينية، وفرض ضرائب باهظة على الشعب الفلسطيني.

ـ تعزيز تدفق العمال الفلسطينيين إلى إسرائيل في الوقت الذي كان فيه الجيش الإسرائيلي يمنع العمال أو رجال الأعمال الإسرائيليين من العمل داخل الأراضي الفلسطينية.

تدمير مجتمع المخاطرة
أكثر تداعيات الانتفاضة الثانية هو مأساوية دمار الضمانات الاجتماعية الحيوية، حيث قامت إسرائيل بفرض قيود صارمة على حركة التنقل وتدمير البنى التحتية الفلسطينية، وإحداث كارثة اقتصادية في الأراضي الفلسطينية.

تفاقمت الأحوال بعد الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي أطلق عليه اسم الدرع الواقي عام 2001 حيث أعيد احتلال الضفة وفقد الكيان الفلسطيني الوليد السيادة المحدودة التي حصل عليها، وفي هذه المرحلة تدهورت منظومة الرعاية الصحية تدهورا خطيرا.

واجه الشعب الفلسطيني تزايدا في حاجات الرعاية الصحية، إذ تدهور الوضع الصحي للشعب نتيجة العنف المباشر والانتكاس العام للشروط المعيشية.

استنادا إلى مصادر البنك الدولي، كان أكثر من 9% من الأطفال الفلسطينيين في الأراضي المحتلة مصابين بحالة من سوء التغذية حادة، كما قدرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن 40% تقريبا من الفلسطينيين يعانون فقدان الأمن الغذائي، كما ارتفع عدد المواليد الموتى بمعدل 58% بسبب سوء رعاية الحامل، وازداد عدد الأطفال المصابين بالإسهال الحاد المعدي ازديادا كبيرا نتيجة تدهور نوعية ماء الشرب والصرف الصحي.

منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، جهدت إسرائيل في السيطرة على الفلسطينيين عن طريق إنتاج حالة القلق الدائم وعدم الأمان، وقد أدى هذا الدمار العنيف للبنى التحتية للوجود الفلسطيني إلى تمكين حماس على الأرض

ووفقا للتقارير الطبية الفلسطينية حدث انخفاض في معدل التلقيح ضد الأمراض، لا سيما في المناطق البعيدة، إضافة إلى تقلص الخدمات الوقائية مثل اللقاح ضد التهاب الكبد B على سبيل المثال، كما أثر الصراع تأثيرا مدمرا في إمكانية توفير خدمات الرعاية الصحية، وبحسب جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، كانت حصيلة أربع سنوات من الانتفاضة ما يزيد على ثلاثين ألف مصاب.

وهكذا توجب على خدمات الرعاية الصحية الفلسطينية المتداعية أساسا أن تتكيف مع أعداد كبيرة من المرضى الإضافيين الذين نجمت احتياجاتهم الطبية بصورة مباشرة عن الصراع.

وتكشف البيانات التي تم جمعها أن 28% من العائلات التي كانت بحاجة إلى خدمات علاجية لم تحصل على الرعاية الصحية بسبب عدم توفر الدواء، وقالت نسبة 32% من العائلات إنها لم تكن تملك المال، في حين لم تتمكن نسبة 26% من الوصول إلى مركز الرعاية الصحية.

تقود هذه المقدمات بحسب المؤلف إلى استنتاج مفاده أن المنطق الذي يحكم الاحتلال الإسرائيلي تغير بمرور الزمن، ففي حين حاولت إسرائيل خلال العقدين الأولين من الاحتلال إدارة شؤون الفلسطينيين من خلال توفير شكل ما من أشكال الأمان ضد المحن التي قد يحملها المستقبل، فإنها ومنذ اندلاع الانتفاضة الثانية، جهدت في السيطرة على الفلسطينيين عن طريق إنتاج حالة القلق الدائم وعدم الأمان، وقد أدى هذا الدمار العنيف للبنى التحتية للوجود الفلسطيني إلى تمكين حماس على الأرض.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة