نماذج الديمقراطية   
الجمعة 1428/5/2 هـ - الموافق 18/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:00 (مكة المكرمة)، 11:00 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يقدم هذا الكتاب دراسة للديمقراطية باعتبارها نظاما للحكم تتخذه الشعوب والمجتمعات على نحو متزايد، ويلقي الضوء على نماذج الديمقراطية والنظريات والأفكار السياسية والفكرية التي ساهم أصحابها في رفد وتشكيل النماذج الديمقراطية.

ويعرض أربعة نماذج للديمقراطية هي: الكلاسيكية الإثينية، والديمقراطية الجمهورية، والديمقراطية الليبرالية، والديمقراطية المباشرة.

والمؤلف هو ديفد هيل أستاذ الفلسفة بالجامعة المفتوحة في لندن.

تاريخ الديمقراطية
-الكتاب: نماذج الديمقراطية
-المؤلف: ديفد هيلد
-
ترجمة: فاضل جتكر
-عدد الصفحات: 271
-الناشر:
معهد الدراسات الإستراتيجية، العراق
-
الطبعة: الأولى/2006
تعتقد جميع دول العالم اليوم أنها ديمقراطية، ورغم أن عددا من الدول اليوم قد تكون ديمقراطية فإن تاريخ مؤسساتها السياسية يكشف مدى هزال وهشاشة الترتيبات الديمقراطية فيها، ويكشف تاريخ أوروبا في القرن العشرين أن الديمقراطية صيغة حكم استثنائية الصعوبة إيجادا وصيانة.

وكادت الفاشية النازية والستالينية أن تستأصلها من جذورها. لقد خرجت الديمقراطية من أرحام صراعات اجتماعية بالغة الحدة، وكثيرا ما كان يضحى بها في مثل هذه الصراعات.

ودخلت كلمة الديمقراطية اللغة الإنجليزية في القرن السادس عشر عبر كلمة ديمقراطي الفرنسية، ولكن جذورها تعود إلى الإغريقية، وتعني حرفيا حكم الشعب، أي أنها صيغة للحكم تكون فيها السلطة للشعب بديلا من الملوك والطبقات الأرستقراطية.

ولكن تبقى ثمة أسئلة كثيرة: من الذين يمكن اعتبارهم "الشعب"؟ ما نوع المشاركة المتصورة لهؤلاء؟ ما الشروط التي من شأنها أن تفضي إلى المشاركة؟ هل يمكن لموانع المشاركة وحوافزها، لخسائر المشاركة وأرباحها أن تكون متساوية؟ وما مدى اتساع أو ضيق الأفق المرسوم للحكم؟ وما معنى الحكم ومجالاته؟ هل ينطوي تعبير الحكم على لزوم الطاعة؟ وما وضع الإلزام لأحكام الشعب والمعارضة؟ ما الأدوار المتاحة لغير المشاركين؟ متى تكون الأنظمة مخولة اللجوء إلى القسر ضد بعض مواطنيها أو ضد أولئك الباقين خارج دائرة الحكم الشرعي؟

رغم أن التصور الديمقراطي بالغ القدم فقد أفل نجم هذه الأفكار، وبدأ البعث الديمقراطي مصاحبا للنهضة الأوروبية أواخر القرن السادس عشر أثناء نضال النزعة الليبرالية ضد الطغيان والدولة الاستبدادية، وأعيدت صياغة فكرة الديمقراطية في أواخر القرن الثامن عشر، وتشكلت في القرن العشرين أربعة نماذج من الديمقراطية: النخبة التنافسية، والتعددية، والديمقراطية القانونية، وديمقراطية المشاركة.

وعلى مستوى الفكر النظري للديمقراطية، فقد بدأت أخلاقية إرشادية، ولكنها تحولت في العصر الحديث خاصة مع ظهور هوبز وشومبتر إلى الفصل بين الأخلاق والسياسة.

فالتحليل السياسي في رأي هوبز علم مدني قائم على مبادئ واضحة واستنتاجات مدعمة بمحاكمات دقيقة، وبتقدم العلوم الاجتماعية خاصة الإدارة وعلم الاجتماع في أواخر القرن التاسع عشر بدأت دراسة الديمقراطية تستند إلى البحث العلمي، ولكن العلم لم ينتصر على الفلسفة في كل المجالات.

الديمقراطية الكلاسيكية والجمهورية
"
من السمات الأساسية للديمقراطية في أثينا في القرن الخامس ق.م مشاركة المواطنين مباشرة في وظائف تشريعية وقضائية، وأن جميع المواطنين يتمتعون بسلطة سيادية، وتشمل السلطة السيادية جميع الشؤون المدنية المشتركة
"
تبلورت الديمقراطية في أثينا اليونانية حوالي القرن الخامس قبل الميلاد من خلال سلسلة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أفضت إلى أنظمة سياسية مدنية ونشوء حركة فلسفية عملية، وتتلخص مبادئها في أن جميع المواطنين يتمتعون بالمساواة السياسية كي يكونوا
أحرارا حاكمين ومحكومين بالتتابع.

ومن سماتها الأساسية: مشاركة المواطنين مباشرة في وظائف تشريعية وقضائية، وأن جميع المواطنين يتمتعون بسلطة سيادية، وتشمل السلطة السيادية جميع الشؤون المدنية المشتركة.

ويتم اختيار مرشحي الوظائف العامة بالاقتراع أو القرعة أو المناوبة، ولا توجد فروق في الامتيازات بين المواطنين العاديين وبين موظفي الإدارة، ولا يجوز شغل المناصب باستثناء الوظائف الحربية لأكثر من دورتين من قبل الفرد نفسه، وتكون فترات الخدمة قصيرة ومقابل أجر.

وكان هذا النظام السياسي قد تشكل في بيئة معينة لعلها تشكل شرطا لنحاجه، ومن سماتها أنها تكون في دول صغيرة ذات خلفية زراعية تعطي قدرا من الاستقلالية ومستوى المعيشة المتقدم والقدرة على المشاركة للمواطنين، ويكون اقتصادها قائما على العبودية وإسناد أعمال المنازل إلى النساء مما يتيح للمواطنين التفرغ للواجبات العامة.

ثم أفل نجم الديمقراطية الأثينية ربما بسبب صعود الإمبراطوريات والدول القوية والأنظمة العسكرية، ولأسباب داخلية أيضا منها مصاعب إدارة الاقتصاد القائم على العبيد مع تجارة موسعة ونظام إقليمي، وبدأت أثينا تواجه صعوبات أيضا في إدارة قواتها العسكرية القائمة على المرتزقة.

وبصعود المسيحية في أوروبا أفل نجم المواطن الفعال أو الإنسان السياسي الذي لا يتأكد كيانه إلا عبر الفعل السياسي، ليحل مكانه الإنسان المؤمن لينتقل مصدر الحكمة والسلطة من المواطن أو الفيلسوف (سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم من رواد ومنظري الحضارة والديمقراطية الإغريقية) إلى ممثلين للعالم الآخر، فالنظرة المسيحية إلى العالم قلبت منطق الفعل السياسي من المدينة إلى إطار لاهوتي.

وتشكلت نظرة إلى المجتمع مرسومة من السماء وخالية من فكرة السلطة السياسية العلمانية، ولم يكن ثمة أي بديل نظري "نظرية سياسية" لمواقف البابا والإمبراطور.

وظلت هذه الإمبراطورية التيوقراطية (الدينية) أو المقدسة سائدة في أوروبا إلى أوائل القرن التاسع عشر رغم أن اللقب الإمبراطوري الروماني كان قد سقط في القرن الخامس الميلادي، ولكنه أضفي بمباركة البابا على ملوك فرنسا بدءا من شارلمان وكذلك على ملوك ألمانيا.

ولكن النزعة الجمهورية بدأت تنتعش مع حلول القرن الثاني عشر الميلادي، مثل مجتمعات وجمهوريات المدن في إيطاليا الشمالية، ويمكن تعقب الفكر الجمهوري النهضوي في كتابات مفكرين مثل برونتو لاوي (ت 1294) وبطليموس لوقا (ت 1237).

ويعتبر مكيافيلي (1469 – 1527) المنظّر الأول لسياسة الدولة الحديثة، حيث ربط الدعوة إلى أشكال من الحكم الانتخابي والسياسة القائمة على المشاركة بآفاق الرخاء والمجد المدنيين، وحاول أيضا استكشاف السبل المفضية إلى احتمال إقامة توازن سليم بين صلاحيات أو سلطات الدولة من جهة وصلاحيات المواطن من الجهة المقابلة.

وتبلورت نزعة جمهورية قائمة على المشاركة السياسية وحكم المواطنين وتوازن القوة بين الشعب والملك عبر الدستور وتعزيز حريات الاجتماع والتعبير وسيادة القانون، وهو نظام تشكل في بيئة قائمة على المدن ومجتمعات الحرفيين والتجار وإقصاء النساء والعمال وصراع حاد بين الروابط والاتحادات السياسية.

ويعتبر جان جاك روسو أهم منظّر لهذا النظام السياسي في القرن الثامن عشر، وفي كتابه "العقد الاجتماعي 1762" قدم نموذجا جديدا للنزعة الجمهورية يقوم على المساواة السياسية والحرية وفصل الوظائف التنفيذية عن الوظائف القضائية واللجوء إلى رأي الأغلبية أو الإجماع.

الديمقراطية الليبرالية
"
الديمقراطية الليبرالية تقوم على فلسفة أن المواطنين بحاجة إلى الحماية من الحكام، وحماية بعضهم من بعض، وهذه الحماية تضمن اتباع الحكام لخطط متفقة مع مصالح المواطنين، وتؤول السيادة في آخر المطاف إلى الشعب
"
نشأ الفكر الليبرالي في بيئة معقدة من الأحداث والتحولات، الصراعات بين الملوك والأمراء، وتغييرات التكنولوجيا، وانتشار علاقات التجارة، وحركات التمرد الفلاحية، وترسخ أنظمة حكم ملكية قومية، والتأثير المتزايد لثقافة النهضة، والصراعات الدينية، والصراع بين الكنيسة والدولة، وحركات الإصلاح الديني.

وبدأت المدرسة الليبرالية القائمة على الدفاع عن قيم حرية الاختيار، والعقل والتسامح في مواجهة الطغيان تظهر في مواجهة المدرسة الجمهورية، ومن روادها: توماس هوبز (1588 – 1679) وجون لوك ( 1632 – 1704) ودو مونتسكيو (1689 – 1755).

وتقوم الديمقراطية الليبرالية على فلسفة أن المواطنين بحاجة إلى الحماية من الحكام، وحماية بعضهم من بعض، وهذه الحماية تضمن اتباع الحكام لخطط متفقة مع مصالح المواطنين، وتؤول السيادة في آخر المطاف إلى الشعب، غير أنها تضفى على ممثلين يستطيعون شرعا ممارسة وظائف الدولة.

وتشكل الانتخابات الدورية المنتظمة والاقتراع السري والتنافس بين الكتل والأحزاب وحكم الأكثرية قواعد تأسيسية لترسيخ مبدأ محاسبة الحكام، ويجب أن تكون سلطات الدولة مقيدة بالقوانين وموزعة بين الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وفصل الدولة عن المجتمع المدني.

بمعنى أن مجال فعل الدولة يكون محصورا على نحو محكم بإيجاد الإطار الذي يتيح للمواطنين فرصة متابعة حياتهم الخاصة بعيدا عن أخطار العنف، والتدخل السياسي غير المرغوب فيه، ومركزية النزعة الدستورية لضمان التحرر من المعاملة المتعسفة، والمساواة أمام القانون والحريات السياسية، وحق التعبير والاجتماع والانتخاب.

وهي ديمقراطية تتشكل في بيئة قائمة على المجتمع المدني المستقل سياسيا والملكيات الخاصة واقتصاد السوق التنافسي وحدود إقليمية موسعة للدولة القومية.

ثم طورت الديمقراطية الليبرالية نفسها من مفهوم الحماية إلى التنمية، وذلك على أساس الفردية والتمايز الاجتماعي والتعددية وإزالة العوائق التي تحول دون مشاركة المرأة في الحياة السياسية، فالمشاركة السياسية ليست ضرورية فقط لحماية الأفراد، بل ولإيجاد كتلة مواطنين مطلعة ملتزمة ومتطورة.

وتقوم هذه الديمقراطية على سيادة شعبية مع حق الانتخاب العام والحكم التمثيلي والضوابط الدستورية لضمان فرض حدود على سلطة الدولة وترسيخ الحقوق الفردية وخاصة حرية الفكر والشعور والذوق والنقاش والنشر، ورسم حدود واضحة بين المجلس البرلماني والجهاز البيروقراطي العام، ومشاركة المواطنين في مختلف فروع الحكم.

وتتشكل هذه الديمقراطية في بيئة قائمة على المجتمع المدني المستقل، واقتصاد السوق القائم على المنافسة، والتحرير السياسي للمرأة، ومنظومة دول قومية ذات علاقات متطورة بينها.

لقد ظلت الديمقراطية منذ العصور القديمة إلى القرن السابع عشر مقترنة إلى حد كبير بجمع المواطنين في جمعيات أو أمكنة عامة، ثم بدأت بعد ذلك تعبر عن حق المواطنين في المشاركة في تقرير مصير الإرادة الجماعية عن طريق ممثلين منتخبين.

وأحدثت نظرية الديمقراطية انقلابا جذريا في منطلقات الفكر الديمقراطية المرجعية: الحدود العملية التي تفرضها أي كتلة مواطنين كبيرة على الديمقراطية، الأمر الذي كان بؤرة الكثير من الاهتمام النقدي المعادي للديمقراطية، حيث أزيلت عمليا.

"
الديمقراطية الليبرالية التمثيلية لم تترسخ مضمونا في الغرب ولم يتم تبنيها مبدئيا على أنها نموذج مناسب من نماذج الحكم خارج حدود القرن إلا في العقود الختامية للقرن العشرين
"
وأصبحت الديمقراطية التمثيلية بوصفها حكما مسؤولا وقابلا للمحاسبة، حكما مرشحا للاستقرار على مساحات شاسعة وعبر امتدادات زمنية طويلة، وتبعا لذلك فإن نظرية الحكم الشعبي وممارستها خرجتا من دائرة اقترانهما التقليدي بالدول والمدن الصغيرة إلى مجال الدول القومية.

وكانت مسألة حق انتخاب عام وشامل موضوعا لنضالات واسعة تعرضت لقمع عنيف، وظل الإنجاز الديمقراطي معرضا للعطب والهشاشة بسبب إنكار هذا الحق على جماعات معينة، مثل الأميركان من ذوي أصول أفريقية في الولايات المتحدة حتى ستينيات القرن العشرين.

ولكن الديمقراطية ترسخت بامتياز عبر الفكر الليبرالي وإمكانية مشاركة أكثر المواطنين وحصول النساء على حق الممارسة السياسية، وتمثلت أخيرا هذه الإنجازات في منظومة سياسية قائمة على الحكم المنتخب انتخابا حرا نزيها لكل مواطن فيه صوت مكافئ، وحق الانتخاب لجميع المواطنين بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين أو الطبقة، وحرية الإعلام والمعارضة، واستقلال المجتمع المدني، وحق تشكيل الروابط والأحزاب وجماعات المصالح.

هذه الديمقراطية التمثيلية بالمفهوم السابق كانت ظاهرة تخص القرن العشرين، وحتى أواخره فالديمقراطية الليبرالية التمثيلية لم تترسخ مضمونا في الغرب ولم يتم تبنيها مبدئيا على أنها نموذج مناسب من نماذج الحكم خارج حدود القرن إلا في العقود الختامية للقرن العشرين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة