في ضيافة كتائب القذافي   
الأربعاء 28/4/1433 هـ - الموافق 21/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:58 (مكة المكرمة)، 12:58 (غرينتش)

عرض/ حسين جلعاد

اختار الصحفي الموريتاني أحمد فال بن الدين أن يدخل قلوب القراء العرب بأيسر الطرق للتعبير عن مأساة جمعته وزملاءه لطفي المسعودي وكامل التلوع وعمار الحمدان حين عاشوا محنة القبض عليهم من قبل مليشيات واحد من أعتى نظم الدكتاتورية همجية وبؤسا، إنها قصة اختطاف فريق الجزيرة في ليبيا في مارس/آذار ٢٠١١ حين كان نظام معمر القذافي يخوض فصله الأخير في هزلية الحكم وتراجيديا الدم.

في كتابه "في ضيافة القذافي" يستقدم أحمد فال الأدب إلى عالم الصحافة. إنه يحدثنا عن قصة الاختطاف وتفاصيل الاعتقال ثم ظروف الإفراج لاحقا وملابساته، ولكن بأسلوب روائي. لنقل إن بن الدين قد كتب القصة الصحفية بقلم الأديب. ونحن هنا إزاء تجربة فريدة فعلا وإن خالطها أحيانا استخدام تعابير منزلقة من قراءات الكاتب خصوصا في تجربة الأدب العربي قديمه وحديثه.

-الكتاب: في ضيافة كتائب القذافي
-المؤلف: أحمد فال بن الدين
-عدد الصفحات: ٢٥٦
- النَّاشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر, بيروت
- الطبعة: الأولى/ فبراير 2012

أسلوب أدبي
عرف الشعر بأنه ديوان العرب، وعرفت الرواية بوصفها منتجا أوروبيا، لكن هذا تنميط قسري، فالحكاية والسرد جزء أصلي من موروث العرب وخصوصا في التراث الشفوي، وهنا استطاع بن الدين أن يأخذ بشغاف القارئ منذ اللحظة الأولى لكتابه هذا.

إنه صحفي يروي لنا حكاية الاعتقال، لكنه في الوقت نفسه راو حذق يبني حكايته ويزن عباراته بميزان من ذهب. فاستطاع أن يقدم حادثة صحفية تجري في عالم الثورات في قالب روائي حافظ فيه على بناء درامي مشوق.

يختار بن الدين أن يبدأ السرد من أقسى اللحظات توترا، إنها لحظة تكون القلوب في الحناجر، صحفي معتقل معصوب العينين يعرض على ضابط التحقيق في نظام اشتهر بالتصفيات الجسدية والإخفاء القسري لمعارضيه. وفي الحوار بين الجلاد وضحيته سيمنحنا الكاتب جرعة عالية من التشويق، فمن جهة يبرق لنا بحبكة الحكاية، ومن جهة أخرى سيلزمنا أن لا نترك الكتاب حتى آخر نفس في الصفحة الأخيرة. وهذا بمقاييس الكتابة والدراما نجاح عظيم.

وبعد هذا الاستهلال القصصي، يلجأ الكاتب إلى استعادة الحكاية عبر تقنية الاستذكار أو "فلاش باك" فيعود بنا إلى أيامه الصحفية في غرفة أخبار الجزيرة، والتي تبدأ هنا لحظة انطلاق شرارة الثورات العربية حين أحرق شاب تونسي نفسه ليطلق جسده قطار التاريخ، ثم يعرج الكاتب بعدها على قراره ولنقل أمنيته في أن ينقل ما يجري من أحداث في الثورة الليبية آنذاك.

تعدد المسارات
يبني بن الدين سرده على تعدد المسارات في الحكاية، فمن جهة هناك خط رآه هو شخصيا بدءا من قرار الجزيرة بإرساله مرورا بلقائه الثوار في مدينة الزاوية ثم اعتقاله، ومن جهة أخرى هناك خط قصصي آخر، يجري خارج الزنزانة فيصور لنا كيف تعيش والدته وأهله تفاصيل اعتقاله، علاوة على ما يجري في الجزيرة نفسها وخصوصا ما يتعلق بتفاعل القصة الصحفية ومتابعة قصة الاعتقال ومساعي الإفراج.

وجد بن الدين نفسه أمام اختبار القيم الإنسانية والمهنية، فمن جهة عليه أن يراعي موضوعية الإعلامي لكنه من جهة أخرى عليه أن يذكّر الثوار أنفسهم بمراعاة الشروط الإنسانية في التعامل مع أسراهم

والأكثر تشويقا أيضاً أن ينقل بن الدين حكاية اتصال هاتفي بين القذافي والرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز وذلك في سياق الجهود التي بذلت للإفراج عن الصحفي الموريتاني، وهنا أيضاً نلمح الدور الأدبي في التخييل الروائي وكذا في استقصاء الصحفي وروايته حدثا لم يعشه ولم يكن شاهدا عليه خصوصا أنه يجري في أعلى مستويات القرار في حين أن الصحفي نفسه قابع في ظلام زنازين العقيد.

وإذا اتفقنا أن الكتاب أدبي لجهة بنائه وسرديته، فإنه في هذا الجانب جزء من أدب السجون، لكنه أيضاً شهادة صحفية على جزء من التاريخ العربي في تعامل الأنظمة العربية مع حرية الإعلام واستقلاليته. فالراوي هنا صحفي ينطلق من رؤية تبشر بإعلام ينقل الحقيقة وصاحب رسالة وموقف في مسألة تحرر الشعوب من طغيان الاستعمار الداخلي، وفق ما يقول بن الدين حين تقوده تأملاته في الزنزانة وهو يتذكر حظه الأغبر الذي أدخله إلى مغارة الغول المظلمة.

في خضم الأحداث المتلاحقة في وقت يحصد رصاص القذافي رؤوس الثوار، يجد ولد الدين نفسه أمام اختبار القيم الإنسانية والمهنية، فمن جهة عليه أن يراعي موضوعية الإعلامي لكنه من جهة أخرى لا ينسى أن يذكر الثوار أنفسهم بضرورة مراعاة الشروط الإنسانية في التعامل مع أسراهم من عصابات القذافي. إنه خيط دقيق بين أن تنقل الأحداث فتكون جزءا منها بحكم وجودك الزماني والمكاني، وبين أن تؤثر في مجريات يومياتها.

كما أن الزمن السرمدي الرخو في ظلام الزنزانة سيكون مرآة متعددة الأوجه كي يتأمل السجين حياته وقيمه ومسار التاريخ البشري، هناك سينصت الكائن عميقا لصوته الداخلي الذي عادة ما تزاحمه تفاصيل الحياة اليومية. للسجين صوتان: سقف الزنزانة الخانق، وأجنحة الفكر الذي لا يحبسه أعتى الجلادين ما دامت الروح بين الجنبين.

صوت العالم
في تأملاته وهو معتقل، يلتقط أحمد فال بن الدين لحظة التغيير الجماعي أنه محروم من سماع صوت العالم الخارجي ومغيب عنه قسرا، لكنه قادر على سماع صوت التاريخ حين يقول: "لقد غيرت الجُمع والجوامع وجهَ العالم العربي"، مشيرا إلى موعد الثوار العرب الأسبوعي في الخروج على حكام فاسدين ومسترسلا فيما يلي من صفحات في تحليل ذلك.

وهو في مواقع أخرى، يستعيد قصصا رآها تختزل على نحو رمزي قصة الشعوب التي انفجر عجزها التاريخي فحطمت قيودها فيقول: "شاهدت مشاهد تشعرك بأن الحرب فرضت فرضا على الليبيين. إذ شاهدت في بهو الفندق شابا يحمل قاذفة "آر بي جي" لكنه لا يعرف كيف يطلق القذيفة فوقف أحد الشباب على عجل واصفا له بسرعة كيف يثبت السلاح على كتفه. كان مشهدا مصمما بالمعاني، لم أتمالك أن صورته بالكاميرا الصغيرة التي كانت بيدي".

وفي موقع آخر تتسع تأملات المعتقل لتنظر في معطيات علم النفس الاجتماعي وتأثير التحولات الكبرى في القيم السياسية، فيرصد كيف تحول وضع المواطن التونسي من تفصيل هامشي لا يعبأ به نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي إلى غاية تسعى دولة الثورة لنيل رضاه والحفاظ على إنسانيته وذلك كما ظهر في تعامل تونس مع أزمة الإفراج عن مواطنها الصحفي لطفي المسعودي.

الكتاب تمجيد للحياة حتى لو حلكت أيامها، وهو أيضاً نص يعلي من شأن الكتابة في زمن الصرع التكنولوجي

لقد أراد أحمد فال أن يحدثنا عن قصة مدينة الزاوية والسبق الصحفي للجزيرة إبان الثورة الليبية لكنه نجح أيضاً في أخذنا إلى خفايا النفس البشرية بموازاة التوقف عند محطة ساخنة من فصول تاريخنا المعاصر الذي ما زالت الشعوب تكتبه حتى هذه اللحظة. كما أن هذه التجربة نغم جديد في تجربة قناة الجزيرة الشاهدة والحاضرة في قلب الأحداث الجارية.

إن كتاب "في ضيافة كتائب القذافي" تمجيد للحياة حتى لو حلكت أيامها، وهو أيضاً نص يعلي من شأن الكتابة في زمن الصرع التكنولوجي، وقد لا أبالغ إذا قلت إن الكتاب شهادة ميلاد لروائي موريتاني شاب، على الأقل لجهة الوعي الشديد بأهمية السرد والحبكة والتشويق. وهذا رافد حيوي في لغة الإعلام وأسلوبيته.

هناك قصص في الكتاب لا يمكن تلخيصها في عجالة صحفية، كما في قصة الأم عائشة بنت عمار التي لا يستطيع القارئ أن لا يغمض عينيه حانيا رأسه وهي تستقبل هاتف ابنها المغيب لحظة الإفراج عنه، فلا تجد "أمنا عائشة" من الفعل والكلام إلا السجود لله. والصمت هنا أبلغ من الكلام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة