العالم مسطح   
الأربعاء 1427/3/14 هـ - الموافق 12/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 0:55 (مكة المكرمة)، 21:55 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض فريدمان في كتابه هذا أبعاد العالم الجديد الذي يتشكل على نحو مسطح يفرض طريقة جديدة في التفكير مختلفة عما كان في الماضي.

فلم يعد مجال المنافسة مقتصرا على البلدان المتقدمة، بل اتسع ليشمل البلدان الصغيرة التي باتت الآن قادرة على دخول حيز المنافسة واللعب مع الكبار، بل والتغلب عليهم إذا أحسنت استخدام أدوات هذا العالم المسطح.

- الكتاب: العالم مسطح
- المؤلف: توماس فريدمان
- المترجم: عمر الأيوبي
- عدد الصفحات: 511
- الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت
- الطبعة: الأولى/2006

كيف تسطح العالم؟
يتحدث المؤلف عن ثلاث موجات من العولمة، في الموجة الأولى كانت الدول هي القوة المحركة، وفي الثانية كانت الشركات، وفي الثالثة التي بدأت في السنوات القليلة الأخيرة كانت القوة الجديدة مكونة من الأفراد، إذ يمكن أن يشارك وينافس فيها اليوم أي شخص.

فأنت تجد اليوم مئات الآلاف من عقود المحاسبة للشركات الأميركية تتم في الهند، ومخططات لتصميم البيوت اليابانية تعد في الصين، ومخططات لأنظمة التدفئة والتبريد في العمارات الخليجية تعد في الهند.

وهناك أعداد هائلة من المشاريع والمجتمعات قائمة على تقديم خدمات لجهات أخرى بعيدة يتم تأمينها عبر شبكة الإنترنت، وتعد نظام الحجز لشركات طيران مجموعات من ربات البيوت، ويسوق مندوبون السلعَ والمنتجات من أي مكان وإلى أي مكان في العالم عبر شبكة الإنترنت.

ويشارك الجندي في الميدان مع القائد الأعلى في المركز والضباط والمحللين في مختلف الوحدات، في التشاور وتبادل المعلومات بالنص والصوت والصورة عبر شبكات الاتصال.

وهناك عشرة أحداث وقوى في رأي المؤلف ساهمت في تسطيح العالم، أولها هدم جدار برلين يوم 9/11/1989، وثانيها عندما أتيحت الإنترنت وأنظمة البريد والتصفح عبر الشبكة العنكبوتية يوم 9/8/1995، وثالثها تطبيق برامج تدفق العمل التي تحول الأعمال والتطبيقات المختلفة إلى أنظمة حاسوبية وشبكية أيضا.

الرابع كان تطوير أدوات البحث والتحرير والتعاون والمحادثة والنشر عبر الشبكة، من خلال المواقع العملاقة والصغيرة للبحث والإعلان والنشر والتسويق والمعرفة.

أما الخامس فتبادل المعرفة والبرامج مجانا أو بأسعار رمزية، وهي الظاهرة التي يمكن تسميتها "المصادر المفتوحة" التي توفر المعلومات والموسوعات والبرامج والخدمات.

والسادس هو تلزيم الأعمال إلى الخارج الذي يتيح تنظيم الأعمال والعقود والخدمات من خلال الشبكة، أما السابع فهو نقل الأعمال من بلد إلى آخر بسهولة وبخاصة مع دخول الصين إلى السوق العالمي وانضمامها إلى منظمة التجارة العالمية.

الثامن هو سلاسل التوريد، والتاسع هو إتاحة الخدمات (مثل الصيانة) من مصادرها في أي وقت وفي أي مكان.

أما العاشر والأخير فجلب المعلومات عبر مواقع ومحركات البحث مثل غوغل، وياهو، وإم إس إن، وإمكانية الاتصال والعمل بين الأجهزة نفسها "الذكاء الصناعي".

وبالطبع فإن هذه جميعا عوامل للتسطيح كانت موجودة في التسعينيات وقبل ذلك أيضا بكثير، ولكنها تجذرت وأنشأت تداعيات وتطبيقات لانهائية، وأنشأ الزمن ساحة عالمية مرتبطة بالإنترنت تسمح لصيغ عدة بالتعاون والتشارك في العمل والمعرفة دون اعتبار للجغرافيا والمسافات، وربما اللغات في المستقبل القريب.

"
في المرحلة القادمة سيبدع الجيل القادم الذي نشأ في منظومة المعلومات هذه، ولذلك فإن تطوير الاقتصاد والحياة لن يتم عبر المسؤولين والحكومات ولكن عبر شبكة من الأفراد
"
وتفاعلت العوامل والتطورات وتقاربت على نحو يجعل المشاركة أمرا ممكنا لعدد كبير من الناس، لم يكن معظمهم قبل فترة قريبة متاحا له مثل هذه المشاركة.

فلا يكفي لزيادة الإنتاج وتطوير العمل معرفة واستخدام الحواسيب وأنظمة الاتصال والمعلوماتية، ولكن يجب أن ترافقها منظومة من المهارات والثقافة الجديدة التي توظفها وتدمجها في السعي البشري الدائم نحو الأفضل.

وفي المرحلة القادمة سيبدع الجيل القادم الذي نشأ في هذه المنظومة، ولذلك فإن تطوير الاقتصاد والحياة لن يتم عبر المسؤولين والحكومات ولكن عبر شبكة من الأفراد.

وحتى مجموعة الدول الثماني ستتراجع أهميتها لصالح الأفراد الذين يكيفون أنفسهم بسرعة مع التقنية أكثر مما تفعل الدول والمؤسسات.

في مواجهة التسطح
يفرض العالم المسطح على الدول بما فيها الولايات المتحدة الأميركية والدول المتقدمة، تحديات جديدة لتكون قادرة على البقاء في السوق والتنافس.

وهذه الدول تحتاج جميعها أن تواصل إنتاج عمال معرفة قادرين على إنتاج سلع قائمة على أفكار يمكن أن تباع عالميا، وبوسعهم شغل وظائف المعرفة التي ستستحدث في الاقتصاد العالمي.

تحتاج الدول أن تعيد بناء اقتصادها ومؤهلات مواطنيها لتكون مميزة ومطلوبة، لا أن تدافع عن فرصهم أمام التنافس العالمي، فذلك لن يجدي نفعا.

ويحتاج الأفراد إلى أن يطوروا قدراتهم ومهاراتهم وفقا لتطور السوق نفسه، وإلا فإن أهميتهم تقل بالنسبة للمؤسسات التي يعملون فيها وبالنسبة للسوق، وقد يؤدي ذلك إلى مرونة أوسع في نشر العمالة ورأس المال وأنظمة التوظيف والتسريح (هل لقوانين العمل الجديدة والأزمات المصاحبة لها كما يحدث في فرنسا على سبيل المثال علاقة بهذه التحولات؟).

وتبدو الولايات المتحدة الأميركية وفق هذا المنظور تعاني من أزمة، إذ ما زالت تبدو عظيمة على الورق، وخصوصا إذا نظرنا إلى الخلف، أو قورنت بالهند والصين اليوم لا غدا، ولكن هل تستثمر في المستقبل وتهيئ الأميركيين كما يجب للسباق المنتظر؟ يقول المؤلف إن الإجابة هي لا.

لقد بدأ المجتمع الأميركي ينحدر في التسعينيات عندما شب الجيل الأميركي الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، إذ ولد ازدهار تكنولوجيا المعلومات انطباعا لدى كثير من الأميركيين بأن في وسعهم الإثراء دون الاستثمار في العمل الجاد.

وكان من حسن حظهم أن الاقتصاد الأميركي كان هو الأفضل وبلا منافسة تقريبا لمدة أربعين عاما بعد الحرب، وقد أدى ذلك إلى ميل مفرط للاستهلاك.

وعندما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول كانت ثمة فرصة لإعادة بناء الأمة الأميركية باتجاه الإصلاح، ولكن ذلك لم يحدث.

كانت الولايات المتحدة تعوض النقص الكبير في الكفاءات العلمية بفتح المجال لهجرة العقول إليها، ولكن تسطح العالم اليوم وتواصله يسهل كثيرا على الأجانب الابتكار دون أن يكون عليهم اللجوء إلى الهجرة، كما أن بإمكانهم اليوم إنجاز أعمال على مستوى عالمي لشركات عالمية بأجور عالية دون أن يضطروا لمغادرة بلادهم.

ويبدو التعليم التقني في الصين يسير بخطى تؤدي به إلى التفوق على التعليم في الولايات المتحدة، وقد انخفضت الأبحاث العلمية التي ينشرها الأميركان بنسبة 10% منذ عام 1992، وانخفضت المساهمة الأميركية في أهم الدوريات الفيزيائية من 61% عام 1983 إلى 29% عام 2003.

وارتفعت حصة اليابان من براءات الاختراع العالمية من 12% إلى 21%، وفي المقابل فقد هبطت حصة الولايات المتحدة من 60% إلى 52%.

ويشكل الأجانب وبخاصة الآسيويون نسبة عالية تزيد على النصف من خريجي الجامعات الأميركية في المجالات العلمية والتقنية.

"
تحتاج الدول جميعها اليوم إلى تفحص قاس وصادق للذات وإلى أن ترى نفسها على حقيقتها، لأن التطور عملية طوعية وليست تلقائية، وهي تحتاج إلى قرار إيجابي لاتخاذ خطوات صحيحة تبدأ بمعرفة الذات وفحصها
"
وتبدو الصين سيدة هذا المشهد، فهي الشريك الأكبر في السوق العالمي، وقد بدأت تزيح المكسيك وكندا من سوق التصدير إلى الولايات المتحدة، بل وتغرق أسواقهما أيضا.

حتى تماثيل العذراء وفوانيس رمضان والمسابح التي تمثل إٌقبالا تقليديا من فئة معينة وفي أماكن معينة أصبحت مستوردة من الصين.

وتبدو المنافسة بين الصين ومصر تتجاوز السوق العالمي والاستيراد والتصدير ومزايا قناة السويس والقرب من أوروبا، وفي إزاحة الصناعات والأسواق التقليدية التي كانت تبدو مصرية بامتياز.

تحتاج الدول جميعها اليوم إلى تفحص قاس وصادق للذات، وإلى أن ترى نفسها على حقيقتها، لأن التطور عملية تطوعية وليست تلقائية، وهي تحتاج إلى قرار إيجابي لاتخاذ الخطوات الصحيحة، لكنها تبدأ بمعرفة الذات وفحصها.

كيف يبدو العالم عندما تحول إلى مسطح؟ يبدو مدينة تشغل أوروبا فيها مؤسسة لكبار السن تقوم عليها ممرضات تركيات، والولايات المتحدة مجتمعا محاطا بالأسوار يحتاج المرور من بوابته إلى اجتياز حاجز الكشف عن المعادن، ولكن في الجهة الخلفية من السور فتحات صغيرة يعبر منها العمال المكسيكيون والمهاجرون النشطون.

وأميركا اللاتينية تمثل قسم اللهو والتسكع في المدينة، وينام الجميع حتى الضحى، ولن تجد فيه سوى بعض الشركات التشيلية.

وسيكون الحي العربي موحشا يخشى الأجانب الاقتراب منه باستثناء بضعة شوارع تزدهر فيها محطات الوقود، وستكون الهند والصين وشرق آسيا هي الجانب الحيوي والنشط من المدينة، حيث الأسواق الكبيرة والمدارس المتقدمة، والخدمات الممتازة، وأما أفريقيا فستكون مكانا مغلقا إلا عن الأطباء والممرضين.

والأمر نفسه يبدو بالنسبة للشركات، فلم يعد التنافس مقصورا على الشركات العملاقة، ولكن الشركات الصغيرة أصبحت قادرة على التحرك مثل الكبار والعمالقة، فتستطيع شركة صغيرة أن تعمل وتنشط في السوق العالمي في جميع أنحاء العالم كما لو أنها شركة متعددة الجنسيات.

بل إن شركة أردنية صغيرة مثل أرامكس للخدمات البريدية استطاعت أن تحل محل شركة عملاقة مثل إيربورن، فقد تمكنت من قيادة شبكة من الشركات التي تعمل في مجال الشحن وتسليم الطرود في جميع أنحاء العالم، وأن تطور نظاما شبكيا وحاسوبيا لإدارة وتنظيم هذا النشاط العالمي من عمان.

وكل ما احتاجه هذا النظام القائم على الشبكة هو برنامج تصفح، وكلمة مرور إلى شبكة أرامكس ليتيح للشركاء الدخول إلى نظام إدارة عالمي للشحن.

وتحتاج الشركات الكبرى أيضا أن تتصرف مثل الصغرى، وتمثل شركة ستاربكس نموذجا في ذلك، فهذه الشركة العملاقة قائمة على سلسلة من المقاهي الصغيرة وتطوير الأشربة التي تقدم وفق احتياجات العملاء وتطوير العلاقة بين العملاء والمقاهي.

وفي العالمية الجديدة فإن النجاح والعمل يقوم على التعاون، وتزداد الأعمال التعاونية أهمية، وتكون جزءا أساسيا من الإدارة والإنتاج والتسويق، ومصدرا لتقليل النفقات.

ويمكن أن تحول الشركات أنظمتها الداخلية الخاصة بها للتطوير والمتابعة والتنظيم إلى سلعة تسوقها للشركات الأخرى، كما فعلت شركة إتش بي الأميركية التي حصلت على عقد لإدارة البيانات المصرفية لبنك إنديا في الهند، وتحاول الشركات اللجوء إلى الشبكية لتطوير أعمالها لا من أجل تقليل العاملين وتقليل النفقات.

"
ثمة جانب كبير من العالم يمثل الأغلبية لا يشارك في هذه التحولات الكبرى الجارية، بل هو مشغول بالبقاء على قيد الحياة، ويواجه لأجل ذلك المرض والفقر والجهل والتخلف والحروب والصراعات
"
الجغرافيا السياسية والتسطح
العالم المسطح يتيح أيضا المجال ويسهل كثيرا من الأعمال غير القانونية، مثل التصوير بالهاتف الجوال والغش في الامتحانات لطلبة المدارس والجامعات، والاستبداد السياسي، والإرهاب والتهريب والجرائم الجنائية، بل واستخدام التقنية لأهداف مناقضة تماما للانفتاح العالمي وكتكريس الانغلاق والتخلف والعزلة أيضا.

وثمة جانب كبير من العالم يمثل الأغلبية لا يشارك في هذه التحولات الكبرى الجارية، بل هو مشغول بالبقاء على قيد الحياة، ويواجه لأجل ذلك المرض والفقر والجهل والتخلف والحروب والصراعات.

وربما يكون العالم غير مسطح أكثر مما هو مسطح، أو هناك عالمان أحدهما صغير مسطح والآخر وهو الأكبر غير مسطح، والتحدي الذي يواجهه العالم هو كيف يتحرك على نحو صحيح نحو مصالحه وكيف يجعل هذه المصالح ضمانة للسلام والسعي الدائب نحو التقدم.

إن التجارة كما يصفها السياسي البريطاني ريتشارد كوبدن (1857) دبلوماسية إلهية، وما من طريق غيرها لتوحيد الناس في وشائج السلام.

وعندما يتحرك العالم ويتسطح باتجاه هذا الهدف فإنه سيكون قادرا، أو على الأقل سيعرف كيف يجعل العالم كله مسطحا لأغراض السلام والتقدم.

لا يمكن حرمان "القاعدة" من الإنترنت إلا بحرمان العالم منها، ولكن تكريس التعاون وجعله غالبا هو السبيل الممكن لمواجهة المخاطر وبناء عالم جديد.

وربما لا تكون ثمة إجابة علمية محددة ومنضبطة، ولكن كما يقول إنشتاين فإن الخيال أهم من المعرفة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة