البرنامج النووي الإيراني   
السبت 2/10/1436 هـ - الموافق 18/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:31 (مكة المكرمة)، 11:31 (غرينتش)
عرض/محمد ثابت
يتعرض الدكتور عطا محمد زهرة أستاذ العلوم السياسية إلى تحليل البرنامج الإيراني في كتابه "البرنامج النووي الإيراني"، الذي يتكون من مقدمة وخمسة فصول وخاتمة.

جاءت عناوين الفصول الخمسة على النحو التالي: الطموحات والدوافع، ومسيرة البرنامج النووي، وتداعيات تطور البرنامج النووي، وتسوية الأزمة النووية الإيرانية 2003-2015، ومستقبل البرنامج النووي. أما الخاتمة فقدم فيها بعض التوصيات المقترحة للدول العربية في كيفية التعاطي مع هذا الاتفاق الدولي.

جدال السلمية والعسكرية
يقرر الكاتب أن تحديد طبيعة البرنامج النووي الإيراني -سلمية أو عسكرية- كان أمرا صعبا نظرا لإحاطة إيران برنامجها بالكثير من الغموض والسرية على غرار ما فعلت إسرائيل وباكستان، ولعل من مزايا الاتفاق الأخير أنه حسم هذا الجدل ونص على سلميته.

-العنوان: البرنامج النووي الإيراني
-اسم المؤلف: أ.د.عطا محمد زهرة
-الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
-عدد الصفحات: 106
-تاريخ النشر: يوليو 2015

ورغم قدم الطموح النووي الإيراني، فإنه لم يثر الجدال إلا مع بداية حكم الملالي وآيات الله، فنشأة البرنامج تعود إلى اتفاق بين الشاه والولايات المتحدة الأميركية أيام العهد الذهبي للتحالف بينهما.

منذ البداية كانت نية الشاه واضحة في تصنيع السلاح النووي، ويدلل المؤلف على ذلك بتصريح قديم لـ"أكبر اعتماد" أول رئيس لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية في عهد الشاه، حيث قال إن مركز بحوث طهران النووي قد أجرى تجارب على البلوتونيوم المنتزع من الوقود المستهلك باستخدام عوامل كيميائية". ويعلق الكاتب على ذلك قائلا "إن مثل هذه التجارب تدخل في باب الاتجاه نحو صناعة السلاح النووي".

نفاد الوقود وأهمية النووي
تواجه إيران مشكلة حقيقية في تعرضها لنفاد وقودها الإحفوري (النفط والغاز) خلال ثلاثين عاما. لكن هل هذا هو الدافع الوحيد لأهمية البرنامج النووي؟

يذكر الكاتب حقيقة التقدم العلمي الذي حققته إيران على صعيد الصناعات المدنية والعسكرية المتنوعة، وكيف ترفض القيادة السياسية الإيرانية وقف تخصيب اليورانيوم، وهو ما يعد دليلا عمليا على مدى التقدم العلمي والتقني الذي أحرزه حكم آيات الله، وكيف أنجزوا ما فشل فيه الشاه، وهو ما يعد عاملا مهما في تدعيم نظام الحكم الإسلامي الشيعي وزيادة شعبية القيادات الإيرانية.

كانت تجربة قصف العراق المنشآت النووية الإيرانية في الثمانينيات وتدميرها وتوقف البرنامج النووي واستخدام السلاح الكيميائي وصواريخ سكود ضد المدن الإيرانية، إضافة إلى لعوامل الجيوسياسية المحيطة بإيران، والنظر لها على أنها شيعية في محيط سني، كلها عوامل جعلتها تفتقر إلى التوحد الطبيعي مع هذا المحيط إقليميا ودوليا، وهو ما شكل دافعا كبيرا لطهران لكي تمضي قدما في محاولة امتلاك قوة تردع بها من يريد التعدي عليها أو التدخل في شؤونها.

حلال للشاه حرام على الملالي
يكشف الكتاب عن أن بدء البرنامج النووي الإيراني كان بدعم من الولايات المتحدة سنة 1958 بمفاعل نووي بحثي بدأ العمل به سنة 1967، وقد ساندت إسرائيل هذا التوجه، وتم التعاون بين معهد وايزمان ومركز البحوث في جامعة طهران، وفي سنة 1974 أُنشئت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية للإشراف على البرنامج النووي.

ويمضي الكاتب معددا مراحل التعاون الغربي الأميركي الإسرائيلي والاتفاقيات المتعددة التي أفضت في النهاية إلى امتلاك إيران معامل تسمح لها بامتلاك دورة وقود متكاملة، تشمل: مناجم اليورانيوم، ومعمل معالجة الخام، ومعمل إنتاج الكيك الأصفر، ومعامل تحويل وتخصيب اليورانيوم، وأخيرا معمل صناعة الوقود. والواضح مما سبق أن المشكلة ليست في امتلاك برنامج نووي، ولكن المشكلة في هوية من سيمتلكه.

يكشف الكتاب عن أن بدء البرنامج النووي الإيراني كان بدعم من أميركا سنة 1958 بمفاعل نووي بحثي بدأ العمل به سنة 1967، وقد ساندت إسرائيل هذا التوجه وتم التعاون بين معهد وايزمان ومركز البحوث في جامعة طهران
استمرت إيران في تطوير وزيادة قدرات برنامجها ومعاملها ومنشآتها النووية في تسعينيات القرن الماضي عن طريق ألمانيا وروسيا والصين، إلى أن تمكنت من تحقيق تقدم كبير في برنامجها حتى باتت في الأعوام الأخيرة مصدرا حقيقيا للقلق، إذ يقول الكاتب "إيران تمتلك القدرة التكنولوجية النووية، ومن غير الممكن أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء".

العقوبات والأزمة الاقتصادية
تداعيات ذلك التطور على إيران كانت خطيرة، حيث فُرضت عليها العقوبات الدولية، التي من بينها عقوبات تجارية قاسية، مع حصار بحري يمنع تصديرها النفط، وعقوبات مالية بتجميد الودائع الحكومية وودائع الشركات والأفراد الإيرانيين، وعقوبات ذكية بوقف تصدير التكنولوجيا، وحظر هبوط الطائرات الإيرانية المدنية في مطارات العالم. وأدت تلك العقوبات إلى أزمات خانقة وغلاء شديد حتى ارتفع ثمن الخبز 16 مرة.

ورغم الأزمات المتلاحقة والعقوبات والمواجهات، فإن محاولات تسوية الأزمة سلميا لم تتوقف، ولكن اختلف مفهوم التسوية لدى الطرفين؛ فالطرف الإيراني يتحدث عن تصوره للتسوية المثالية -كما يسميها الكاتب- وهي التي تسفر عن حق إيران في تخصيب اليورانيوم وامتلاك التكنولوجيا النووية لتوفير احتياجاتها من الوقود النووي مع إعطاء الضمانات الخاصة بسلمية برنامجها النووي (وهو ما قرره فعلا الاتفاق الأخير).

في حين يدور التصور الغربي لمفهوم التسوية حول "منع إيران من الهيمنة على منطقة الخليج، مع القبول بدور إقليمي لها في المنطقة العربية، بدءا من العراق فسوريا ولبنان وصولا لليمن، دون أن يؤثر ذلك على الأمن الإسرائيلي".

دبلوماسية "أصحاب الدكاكين"
استمرت محاولات التسوية في التعثر حتى ظهرت قاعدة جديدة للتفاوض، وهي قاعدة "خطوة مقابل خطوة"، أو كما يسميها المؤلف "دبلوماسية أصحاب الدكاكين"، والمتتبع لسير المفاوضات بعد ذلك يجد أنها قامت على التبادل المتوازي للتنازلات، وأصبح الطرفان رابحين.

وبالرغم مما شاب تنفيذ الاتفاقات التي نجمت عن هذه الدبلوماسية من عقبات، فإنها حققت لكلا الطرفين نتائج مهمة؛ فلقد ابتعد شبح الحرب عن إيران، ولو مؤقتا، وحققت الولايات المتحدة مكاسب كبيرة أظهرت قدرتها على فرض إرادتها على إيران، وإبعاد إيران عن صنع السلاح النووي.

سيناريوهات وتوصيات
يستعرض المؤلف السيناريوهات التي كانت مطروحة (قبل إتمام الاتفاق) وفرص نجاح كل واحد منها:

استمرت محاولات التسوية في التعثر حتى ظهرت قاعدة جديدة للتفاوض، وهي قاعدة "خطوة مقابل خطوة" أو كما يسميها المؤلف "دبلوماسية أصحاب الدكاكين"، والمتتبع لسير المفاوضات بعد ذلك يجد أنها قامت على التبادل المتوازي للتنازلات، وأصبح الطرفان رابحين
سيناريو الاتفاق النهائي: وهو السيناريو الذي أشارت إليه تفاهمات لوزان واتفاق جنيف، الذي أشار إلى أن غاية المفاوضات هي "الوصول إلى حل نهائي يضمن سلمية البرنامج النووي الإيراني مع التزام واضح بعدم السعي لتطوير أسلحة نووية، وقبول الكشف عن أنشطتها النووية في مختلف المنشآت، وقبول عمليات التفتيش التي يتولاها خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية".

سيناريو الحلول الجزئية: ويتلخص في توصل الطرفين إلى اتفاق مرحلي جديد يتضمن بعض التغييرات أو القيود الجديدة، وأشار الكاتب إلى أن هذا السيناريو المرحلي يحظى بتأييد ثلاث قوى في المجتمع الإيراني، هي: التيار التجديدي، والتيار الإصلاحي، وفئة التجار، وهي الفئات التي تريد تجنب الحصار والعزلة الاقتصادية.

والسيناريو الثالث هو سيناريو إيران النووية: ويتبنى فكرة التصميم على إنتاج السلاح النووي وامتلاك كل وسائل التصنيع والتكنولوجيا والصواريخ الناقلة له، ويدعم هذا الاتجاه ثلاث قوى رئيسية، وهي: الحرس الثوري، والتيار الديني المتشدد في الشارع الإيراني، والمتشددون داخل البرلمان.

ثم ينتقل الكاتب إلى توصياته للدول العربية للتعامل مع ما ستسفر عنه المفاوضات من اتفاق، فيقول "إن على الدول العربية الخليجية توثيق علاقاتها مع إيران، وإقامة مشروعات مشتركة، تدفع إيران إلى تغليب المصلحة الاقتصادية وتجنب الأعمال العسكرية.

وعلى الدول العربية تعزيز قدراتها الدفاعية ومضاعفة تحصيناتها، والتحرك نحو إقامة اتحاد لدول مجلس التعاون الخليجي، والتعاون مع إيران لتحييد البعد الطائفي والعرقي عن مجال الصراع، وتوجيه العداء نحو العدو المشترك وهو الكيان الإسرائيلي، وتعزيز التعاون المشترك لحل المشاكل في المنطقة بعيدا عن التدخل الخارجي، خاصة الأميركي.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة