انهيار الرأسمالية   
الخميس 1431/7/13 هـ - الموافق 24/6/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:36 (مكة المكرمة)، 13:36 (غرينتش)

عرض/ عبد الحافظ الصاوي

شهدت البلدان المتقدمة أيضًا فجوة بين الأغنياء والفقراء في ظل الرأسمالية المحررة من القيود، فالطبقة المتوسطة في ألمانيا مثلا تعرضت للانكماش بمقدار 10% عما كانت عليه في عام 2000، كما أن نتائج استطلاع الرأي أشارت إلى أن نحو 80% من مواطني أميركا وألمانيا يعتقدون أن العولمة خطر يتهددهم، بينما 20% فقط يرون أن تحرير التجارة يحقق منافع لبلدانهم.

-الكتاب: انهيار الرأسمالية (أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود)
-المؤلف: أولريش شيفر
-المترجم: د. عدنان عباس علي
-عدد الصفحات: 472
-الناشر: سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت
-الطبعة: الأولي/ يناير 2010
ومن خلال الفصل الأول، يعدد الكاتب في كتابه "انهيار الرأسمالية.. أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود" مظاهر التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثتها الرأسمالية المحررة من القيود في المجتمع الألماني، فمثلا يشهد واقع الحال بأن 60% من الثروة تقع في يد العُشر الأول في السلم الاجتماعي داخل ألمانيا، بينما العُشر الأخير في السلم الاجتماعي لا يملك أموالا منقولة أو غير منقولة، ولا يمكنه اللحاق أبدًا بالعشر الأعلى في السلم الاجتماعي.

كما أن أغنى 1125 فردا على مستوى العالم، يملكون ثروة تعادل دخول الأفراد في كل من الهند، وباكستان، وبنغلاديش، وتايلند، وماليزيا، وفيتنام، والفلبين، والقارة الأفريقية برمتها. وضحايا الاستحواذات من العاطلين لم يخل منهم بلد متقدم أو نام، كما أن البحث عن الربح دفع العديد من الرأسماليين إلى نقل استثماراتهم إلى العديد من البلدان ذات الأجور الدنيا لليد العاملة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فيذكر المؤلف أن "ملايين من بني البشر سيفقدون فرص عملهم على خلفية الأزمة الراهنة، على الرغم من أن هؤلاء المواطنين ما كان لهم أي دور في المقامرة التي درج عليها المضاربون طوال السنوات الماضية".

وفي ختام الفصل الأول يطرح الكاتب سؤالا مركبًا من مجموعة من التساؤلات الفرعية، جعل محاور كتابه بفصوله الـ11 التالية للفصل الأول، مجالا للإجابة عنه، والسؤال هو: ماذا يمكن عمله؟ وماذا يتعين فعله؟ وما الذي ينبغي إنجازه لكي لا يدمر اقتصاد السوق نفسه بنفسه؟ وما الصفة الجديدة التي لا مندوحة للرأسمالية عن تبنيها لكي تكون قادرة على مواصلة الحياة؟ وما المتطلبات الضرورية لتحقيق اقتصاد سوق يتكفل فعلا بالرعاية الاجتماعية؟ وقبل هذا وذاك، أهناك مستقبل مضمون للرأسمالية أصلًا؟

اللبراليون يديرون اقتصاد العالم
يبين الكتاب السجال الذي دار بعد أزمة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية في القرن الماضي، بخصوص دور الدولة في المجال الاقتصادي، وكيف تم تبني الفكر الكينزي الداعي إلى دور للدولة في الاقتصاد، من أجل إنعاش الطلب الفعال، وقد استمر هذا المنهج بنجاح حتى أواخر الستينيات، ومنتصف السبعينيات.

"
تعتبر فترة بداية التسعينيات وحتى أغسطس 2008 هي فترة ازدهار الرأسمالية، لقد كان وقع الرأسمالية المحررة من القيود شديدًا على الزعماء الأوروبيين، حتى الاشتراكيين منهم
"
ولكن أصحاب الدعوة إلى تلاشي دور الدولة في الاقتصاد لم يغيبوا عن المشهد الاقتصادي منذ نهاية أزمة الاقتصاد الكبير، وكانوا يرون أن ما حدث خطأ في حق اقتصاد السوق، ومن هؤلاء رموز اقتصادية مثل فريدمان، وهايك، وغيرهم، حيث سنحت لهم الفرصة في منتصف السبعينيات للالتحام بالسياسيين الذين كانوا يبحثون عن مخرج من أزمتي البطالة والتضخم، وسوء أداء الخدمات العامة، فعمل معظم رموز مدرسة "دعه يعمل دعه يمر" مستشارين اقتصاديين أو مسؤولي مؤسسات مالية واقتصادية كبيرة، رسخوا من خلالها إدارة اقتصاديات الدول التي وجدوا فيها، ومن ثم اقتصاديات العالم، وفق نظام الرأسمالية غير المقيدة، وكانت مدرسة تاتشر وريحان رائدتين في اتخاذ الخطوات الكبيرة في تطبيق هذه السياسة، بل وسبقهما من قبل نيكسون بالتخلي عن قاعدة الذهب، وثبات أسعار العملات الوطنية، وتوطدت عُرى الرأسمالية المتوحشة في بداية التسعينيات وما قبل وقوع الأزمة المالية العالمية في أغسطس 2008، حيث تم تحرير البورصات العالمية والوطنية، والأجهزة المصرفية، وحررت التجارة بشكل كبير.

وتعتبر هذه الفترة هي فترة ازدهار الرأسمالية، لقد كان وقع الرأسمالية المحررة من القيود شديدًا على الزعماء الأوروبيين، حتى الاشتراكيين منهم، كما هو الحال مع المستشار الألماني السابق شرودر، ويصنف المؤلف ألمانيا على أنها من الدول التي تأخرت في الأخذ بمبادئ الرأسمالية بلا قيود وتعاملت معها بحذر، لكنها في النهاية خضعت لأمواجها العاتية.

ازدهار الرأسمالية
يذكر المؤلف أن عقد التسعينيات من القرن العشرين، ومطلع الألفية الثالثة، يشكلان عصر ازدهار الرأسمالية، حيث شهد الاقتصاد العالمي ما سمي بالاقتصاد الجديد أو اقتصاد المعلومات، ووجود نظم متطورة في مجال الاتصالات صاحبتها حركة غير عادية من الاستحواذات في شركات الإنتاج ومؤسسات الخدمات على السواء، وتسبب ذلك في حركة نشطة غير مسبوقة في أسواق المال.

وقد واكب هذه الطفرة من الازدهار للرأسمالية حدث تاريخي مهم، وهو سقوط الاتحاد السوفياتي، وانهيار الاشتراكية. ويذكر المؤلف "أن الجميع كانوا واثقين بأن خط المسيرة الرأسمالية لن يكون غير المضي قُدمًا وحث الخطى نحو مصاف أعلى، ومع أن هذا الاعتقاد ليس إلا ضلالا أثبتت الأيام زيفه، فإن بني البشر يستسلمون له تمامًا، كما استسلموا للاقتصاد الجديد". كما استشهد المؤلف بالاعتقاد السائد بازدهار الرأسمالية بمقولة الرئيس الأميركي الأسبق "نحن قادة العالم بلا منازع".

الأزمات تتوالى
"
أزمة عام 2008، هدمت معبد النظام المالي على رؤوس كهنته، وأوقفت أحلام الرأسمالية المحررة من القيود، ليعود للدولة دورها في الرقابة على المصارف والأسواق وممارسة النشاط الاقتصادي من أجل الخروج من دوامة القروض
"
يسرد الكتاب أزمات الرأسمالية في العصر الحديث، بدءًا بالمكسيك وروسيا، ثم جنوب شرق آسيا التي كانت فارقة في تاريخ الرأسمالية الحديث، حيث كانت دول جنوب شرق آسيا -أو ما أطلق عليه تجربة النمور- النموذج الذي تقدمه الرأسمالية على نجاح نموذجها الاقتصادي، ولكن المضاربات التي اجتاحت هذه الدول وهدمت اقتصادياتها، بينت سلبيات النموذج الرأسمالي المتحرر من القيود، فالمضاربات على عملات هذه الدول، وعلى أسواقها المالية كادت تقضي على أحلام هذه الدول الاقتصادية.

ويستشهد المؤلف بكلمات رئيس وزراء ماليزيا الأشهر محاضر محمد "لقد بذلنا على مدى ثلاثين أو أربعين عامًا، قصارى جهدنا لتمكين بلداننا من إحراز التقدم، والآن يأتي إلينا أحدهم، مختالا، متغطرسًا، ومعه بضعة مليارات من الدولارات، ليهدم في غضون أسبوعين كل ما أنجزناه".

ثم يعرج المؤلف على أزمة شركات التكنولوجيا في مطلع الألفية الثالثة، وكيف تم التغرير بالعديد من المستثمرين بالمغالاة في أسعار هذه الأسهم، والفساد الذي انتاب شركات المحاسبة والمراجعة المعنية بتقييم أوضاع هذه الشركات. وينهي المؤلف حديثه عن أزمات الرأسمالية بأزمة عام 2008، التي هدمت معبد النظام المالي على رؤوس كهنته، وأوقفت أحلام الرأسمالية المحررة من القيود، ليعود للدولة دورها في الرقابة على المصارف والأسواق وممارسة النشاط الاقتصادي من أجل الخروج من دوامة القروض.

وصف المؤلف الأزمة المالية العالمية في عام 2008، بأنها انفجار فقاعة السيولة الزهيدة الثمن، وأرجع ذلك إلى السياسة الاقتصادية التي اتبعها جرسبان -محافظ البنك المركزي الأميركي- بتخفيض أسعار الفائدة، وخفض معدلات الضرائب، وغياب الرقابة على المؤسسات المالية، مما سمح بوجود العديد من المخالفات القانونية لبنوك الاستثمار، وصناديق التحوط، ومبالغات أسعار الأسهم في أسواق المال.

فبدأت الأزمة بسقوط بنك "ليمان براذرز" الأميركي، ثم انتشار عدوى تهاوي البنوك والمؤسسات المالية وأسواق المال من أميركا إلى باقي دول أوروبا وباقي دول العالم.

برنامج مضاد للسقوط في الهاوية
بعد أن استعرض المؤلف محطات الأزمات في النظام الرأسمالي، منذ أزمة الكساد الكبير وحتى أزمة 2008، ومرورًا بأزمات جنوب شرق آسيا وغيرها، مبينًا عورات النظام الرأسمالي، اقترح برنامجًا بديلا للرأسمالية المحررة من القيود، يضم هذا البرنامج اثنين وعشرين بندًا، يمكن تصنيفها في الحزم أو المجموعات الآتية.

*الجهاز المصرفي
أن تكون مساهمة الحكومات في خروج البنوك من عثرتها، مرتبطة بخضوع هذه البنوك لتوجيه حكومي أكثر صرامة، وأن يتم القضاء على مصارف الظل، وأن يتم وضع سقف لرواتب كبار العاملين بالمصارف، وبخاصة بنوك الاستثمار، وعلى جميع البلدان أن تتخلى عن مبدأ سرية الحسابات المصرفية.

*أسواق المال
يجب فرض ضوابط صارمة على صناديق المخاطر، وأن تمنع المتاجرة بالبضائع المالية العالية المخاطر، ولا بد من وجود سلطة رقابية عالمية على أسواق المال، كما يطالب الكاتب بأهمية تجزئة وكالة التصنيف الخاصة بالائتمان.

*نظام الضرائب
إلغاء الواحات الضريبية وبخاصة في الدول الصناعية، وتطبيق نظام للضرائب التصاعدية، بما يسمح بوجود إعفاءات حقيقية لأصحاب الدخول الصغيرة والمتوسطة، وأن يخضع الأغنياء لضرائب أكبر، ويركز المؤلف في هذا المجال على أهمية تطبيق ضريبة التركات، ووجود ضرائب على تعاملات البورصة. وأن تراعى التفاوتات الضريبية طبيعة المشروعات ومعدلات الأرباح التي تحققها.

*السياسة الاقتصادية
"
المستقبل مرهون بمدى التغير الذي سيطرأ على الأخلاقيات السائدة في المجتمع، وعلى إدراك الجميع أن مبدأ المسؤولية الاجتماعية لا يقل أهمية عن مبدأ السوق الحرة، وإذا تم تجاهل هذه الحقائق فإن مصير النظام الرأسمالي هو الانهيار
"
على الحكومات أن تستمر في تيسير حصول المشروعات على الاقتراض بشروط ميسرة وبأسعار فائدة أقل، وأن تستمر الحكومات في الإنفاق التوسعي ما دامت حالة الركود قائمة، وأن تتوقف عن ذلك في حالات الرواج، وأن تتجه للادخار في ظل الرواج، وأن تتسم السياسات الاقتصادية للدولة بالمرونة التي تسمح بالتعامل المناسب لكل من حالات الركود والكساد.

*الرعاية الاجتماعية
على صعيد الأجور لا بد من الاهتمام بوجود حدود دنيا للأجور، بحيث تتوفر للطبقة الدنيا من العاملين حياة كريمة. كما ينبغي الاهتمام بتوفير تعليم كفء للطبقات الدنيا في المجتمع.

التغير أو الانهيار في انتظار الرأسمالية
يصل المؤلف إلى نتيجة في نهاية كتابه حول مستقبل النظام الرأسمالي، مفادها أن هذا المستقبل مرهون بمدى التغير الذي سيطرأ على الأخلاقيات السائدة في المجتمع، وعلى إدراك الجميع أن مبدأ المسؤولية الاجتماعية لا يقل أهمية عن مبدأ السوق الحرة، وإذا تم تجاهل هذه الحقائق فإن مصير النظام الرأسمالي معرض للمصير نفسه الذي آلت إليه الاشتراكية، وهو الانهيار والاختفاء من الوجود.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة