في السياسة   
الثلاثاء 14/12/1433 هـ - الموافق 30/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 19:39 (مكة المكرمة)، 16:39 (غرينتش)

عرض/وليد الزبيدي

قبل التعريف بكتاب "في السياسة" لا بد من الوقوف أولا عند مؤلفه الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو، فبقدر ما يحوي هذا الكتاب من رؤية عميقة وشاملة لموضوع السياسة وتفرعاتها، قد جال مؤلفه في مختلف ميادين البحث والتأليف، فوضع في حدود 1000 كتاب كما تتحدث المصادر التي تناولت حياة أرسطو ومؤلفاته، ويقف كتاب "في السياسة" في مقدمة الكنوز الفكرية والفلسفية التي خلفها للبشرية مؤلفه.

ولد أرسطو عام (384 قبل الميلاد)، واقترن اسمه بأحد أشهر القادة العسكريين في ذلك العصر (الإسكندر المقدوني) الذي اختاره أستاذا ومعلما ومستشارا خاصا له، وكان والد أرسطو (نكومخس) صديق أمينتس الثالث، ملك مقدونيا وطبيبه الخاص، وتعلم أرسطو على الفيلسوف الشهير أفلاطون.

-الكتاب: في السياسة
-المؤلف: أرسطو
-ترجمة: الأب أوغسطينس برباره البولسي
-الناشر: المنظمة العربية للترجمة, بيروت, لبنان
-الطبعة: الأولى/ 2012

ونظرا لأهمية هذا الكتاب، الذي يعد أهم المراجع في علم السياسة، إذ لا تخلو مكتبة في جامعات ومعاهد العالم منه، وهو أحد أهم المصادر للباحثين والدارسين والسياسيين، الذين يبحثون عن الدقة في عالم السياسة، ولا ينجرون خلف تصورات بدائية، ترى في السياسة فن التحايل على الشعب وخداع الآخرين والتلاعب بمشاعرهم والتفنن بالمكر، في حين يسعى الدالفون إلى عالم السياسة إلى تعرف جوهر السياسة بحسبانها مسؤولية أخلاقية كبرى، وأنها تفرض الإنجاز قبل الانحياز إلى كرسي السلطة والتفنن في استخدام الوسائل والسبل للاحتفاظ به، استرشادا بمقولة "الغاية تبرر الوسيلة"، لذا قسم أرسطو كتابه "في السياسة" إلى ثمانية أبواب تتضمن عشرات الفصول.

في تقديمه للكتاب، يثير الدكتور هيثم الناهي مسألة في غاية الأهمية، يقول: "بات سائدا في يومنا هذا أن مفهوم السياسة لا يتعدى أن يكون فنا من فنون الحيلة والدهاء"، مشيرا إلى أن الانحراف في استخدام مصطلح السياسة التي كانت أول علم يستخدمه الإنسان منذ بدء الخليقة، قد أفضى إلى تعرضه للتشويه والتضليل، وانتهى بإلغاء بنيتها وتكنيكها وعناصرها ونظرياتها وتطبيقاتها، وهو ما يستدعي العودة إلى أسس علم السياسة التي وضعها أرسطو.

وفي سبيل تعرّف جميع مضامين هذا الكتاب، يفرد المترجم (الأب أوغسطين برباره البولسي) مساحة واسعة بهدف التعريف بالفيلسوف أرسطو أولا، ويتناول منجزه الفكري والمعرفي وأساتذته، وأبرزهم أفلاطون، في أكثر من سبعين صفحة من صفحات الكتاب، يقول في خاتمة التعريف به، "تلك نبذة من حياة فيلسوفنا رافقناه خلالها، ورأينا الفتى اليافع والفيلسوف الطالع، وتتبعنا قدر الاستطاعة تطور فكره إلى فترة الاختمار، ثم وقفنا على بعض من نواح من تهذيبه الإسكندر المقدوني، وعرض مذهبه عرضا علميا مسهبا، للاستفادة من ذلك الفكر النير، الذي كان للعقل البشري ولا يزال مصدر إشعاع".

نشوء الدول
بما أننا نشاهد أن كل دولة مجتمع، وأن كل مجتمع يتألف ابتغاء مصلحة، إذ الجميع يجدّون في كل شيء إلى ما يبدو لهم خيرا، ومن الواضح أن كل المجتمعات ترمي إلى خير، وأن أخطرها شأنا والحاوي كل ما دونه يسعى إلى أفضل الخيرات: وهذا المجتمع هو المسمى دولة أو مجتمعا مدنيا.

بهذه النظرية والاشتراطات يلج أرسطو مفهوم السياسة ويبحث في جوانبه ومعطياته، لتتصدر الدولة المدنية كل شيء، وفي هذا الباب (الأول) يبحث أرسطو في عناصر الدولة الأساسية، ويشرع أولا في مسألة نشوء الدول وأطوار ذلك النشوء، ورغم أن هذه الأفكار والطروحات قد كتبت قبل أكثر من 2300 سنة، فإن القارئ والمتخصص في العلوم السياسية سرعان ما يجد وصفا دقيقا لما يريده الناس من أشكال الدولة المدنية والمجتمع، الذي ينشد الحياة المدنية. بعيدا عن العسكرة والديكتاتوريات من جانب، وهيمنة الإمبراطوريات وشغف قادتها بالحروب والغزوات، بكل ما تنطوي عليه من حالات استلاب وهيمنة وامتصاص خيرات الأمم والشعوب من جانب آخر.

ينتقل أرسطو بعد عدة أسطر من التأسيس لنظرية نشوء الدولة إلى ركن مهم آخر فيها، يقول: الذين يظنون أن رجل الدولة والملك ورب البيت واحد والمولى واحد هم مخطئون، إذ يتوهمون أن واحدا من هؤلاء يفترق عن الآخر بالكثرة أو بالقلة لا بالنوع، فإن قلت رعيته مثلا عُدّ مولى، وأن كثرت كان رب بيت، وإن تزايدت فوق ذلك عُدّ رجل دولة أو ملكا.

يستغرق طويلا أرسطو في نقاشه لهذه الجزئية الهامة من عناصر الدولة وتحديدا ما يتعلق بالنشوء، ويعطي النصيب الأكبر في ذلك إلى اللبنات الأولى، ولا يفترض سلطة من دون مجتمع، مركزا على الفرد ودوره في تكوين العائلة، التي يرى أن تماسكها يبدأ من عدم قدرة الرجل والمرأة على بقاء أحدهما بعيدا عن الآخر، والمقصود هنا عدم التلاقي، لأن ذلك أهم عناصر التناسل، الذي يمثل ركيزة بناء العائلة ومن ثم المجتمعات، التي تفضي بالنتيجة إلى تشكيل الدولة، ومن ذلك تنشأ السلطة ومن ثم تبدأ بالظهور أنواع السلطات، إلى ذلك يتوصل أرسطو إلى أن ما اختص به الإنسان دون سائر الحيوان انفراده بمعرفة الخير والشر والعدل والظلم وما إليها، وبذلك تتكون الأسرة والدولة.

من أهم أسس بناء الدولة المدنية، كما يرى أرسطو أن تكون كرامة الإنسان قبل كل شيء، ولن يحصل ذلك عند وجود دولة وسلطة دون إدراك ما يفترق به الإنسان عن الحيوان، فهنا يقف العدل بكل دلالاته ومعانيه، ويكون الحضور الأول للخير، على أن يدرك الجميع ماهية الشر، ومثل ذلك أن يغيب الظلم ويسود العدل، وفي حال تحقق للإنسان العدل والخير، فإن مفاصل الدولة تتحقق بمستويات معقولة، إن لم تكن متفوقة ومتقدمة.

إذا ما تحقق ذلك فإن الدولة تكون متقدمة على الأسرة والفرد، وقول أرسطو بهذا الصدد "من الضروري أن يتقدم الكل على الجزء، فإن قضي على الجسم فلا رجل ولا يد إلا بالاسم، كأن تقول يد من حجر، فإن شلت اليد أضحت كأنها من حجر" (ص 105).

يريد أرسطو التأسيس لمجتمع الفضيلة، الذي يقف بوجه الشر بمختلف أنواعه وأدواته، ويسعى إلى العدل للفرد والأسرة والمجتمع، ليضع أسلحته التي تولد معه في مقامها السليم والفعال

يؤمن أرسطو بأن الإنسان يولد وهو مسلح بسلاحي الفهم والفضيلة، فيتهيأ له أن يتذرع بهما لمحاربة ما يناقضهما على الأخص. وبذلك يريد أرسطو التأسيس لمجتمع الفضيلة، الذي يقف بوجه الشر بمختلف أنواعه وأدواته، ويسعى إلى العدل للفرد والأسرة والمجتمع، ليضع أسلحته التي تولد معه في مقامها السليم والفعال، أما إذا خلا من الفضيلة فإنه يتمادى في السفه والفظاظة، ويقول إنه يتمرغ في العهر والشراهة، وإن العدل في الأصل هو فضيلة اجتماعية، لأن العدل نظام المجتمع المدني، وما العدل إلا القضاء بالحق.

في الفصل الثاني من الباب الأول يناقش أرسطو قضية أصل السيادة والاستعباد، وذلك بعد أن بحث في العناصر التي تتألف منها الدولة، ويقول "يتحتم أن نتكلم عن الإدارة البيتية، لأن كل دولة تتركب من بيوت، وفروع الإدارة البيتية تساوق عناصر البيت، وهنا يتعمق في البحث بهذه الجزئية الهامة، انطلاقا من قناعته، بأن الأسرة الكاملة تشمل عبيدا وأحرارا، يقول أرسطو، لما توجب النظر في كل أمر إلى أدق معانيه، وكانت عناصر البيت وأدقها تتألف من سيد وعبد، وزوج وزوجة ووالد وأولاد، كان لا بد من البحث في هذه الفئات الثلاث: عن ماهية كل واحدة منها وعن صفاتها الضرورية، وهو ما يستغرق المؤلف في هذا الفصل من الكتاب.

ماهية الأحكام السياسية
بعد أن يخصص المؤلف الباب الثاني من كتابه "في السياسة" لمناقشة بعض الدساتير، يخصص الباب الثالث لموضوع واسع هو (نظرات عامة في ماهية الأحكام السياسية والحقوق السياسية وفي ماهية الملكية).

يستحوذ عنوان "المواطن" على اهتمام خاص في بحث أرسطو، ويفرد له الفصل الأول من الباب الثالث، مستندا في نقاشه لهذه القضية إلى رؤية فلسفية معمقة، تنطلق من أن أوائل الأبحاث التي تعرض لمن يتقصى أمور السياسة وأنواعها وطبيعتها النظر في الدولة وماهيتها، ويؤكد أنه قد التبس في الواقع أمرها، فمنهم من يدعي أن الدولة قد أتت العمل، ومنهم من يزعم أنها لم تأته، وأن الأقلية أو الطاغية هم الذين أقدموا عليه، في حين يحدد أرسطو رؤيته الخاصة بقوله، نحن نرى أن هم السياسي والمشرع منصرف كله إلى الدولة. وأن السياسة نظام لسكان الدولة. (ص 245).

في الواقع نحن نقدم قراءة أرسطو لمفهوم الدولة والسياسة عن تجارب كثيرة تمتد لعشرات القرون، قبل شروعه في دراسته هذه، لكن عندما نتوقف عند كل جملة ورؤية نكتشف وكأننا نقرأ تجارب وأساليب الحكم في الإمبراطوريات والدول، التي ظهرت في حقبة ما قبل الميلاد وما بعده، بل إن محاكمة الكثير من أنظمة الحكم في عصر النهضة بأوروبا وفي فترة الثورة الصناعية تنطبق عليها أحكام وثوابت ما طرحه أرسطو، وكلما اقتربنا أكثر في محاكمة تجارب الحكم المعاصرة والحديثة، نجد حضورا قويا لطروحات أرسطو، فدولة ما بعد الثورات الأميركية والفرنسية وأشكال الدولة العربية بعد حقبة العثمانيين في بداية القرن العشرين، والمراحل التي مرت بها الدولة العربية الحديثة بمختلف أشكالها، يمكن محاكمة كل تلك التجارب في ضوء ما طرحه أرسطو، وهو ما يضع قضية (المواطن) التي ناقشها في مقدمة الأمور التي يجري الحديث عنها منذ عشرات السنين، والتي تحتاز مكانة متقدمة على طاولات نقاش شكل الدولة العربية في حقبة ما بعد (ثورات الربيع العربي) ومكانة المواطن فيها وكيفية نظر السلطة له.

من يتسلم زمام الحكم
في الفصل السادس من الباب الثالث، يناقش قضية حيوية أخرى تتعلق بالدولة والسياسة، ويجيب على سؤال يطرحه في عنوان الفصل هو: من يتسلم زمام الحكم في الدولة؟ ويقول بهذا الخصوص، إنه من الأمور المهمة معرفة من يجب أن تفوض إليه السلطة العليا في الدولة. إما أن يكون الجمهور أو رهط الأغنياء، وإما أهل الإصلاح، وإما من يفضل الجميع، وإما أن يكون الطاغية. إلا أن هذه الفروض كلها لا تخلو من الصعوبة فيما يظهر (ص 283).

يناقش أرسطو مختلف أنواع الحكم في ضوء العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وقدرة الحاكم على استحضار مسألة العدل والظلم ومقدار تغلب الخير على الشر وعكسه.

اشتهر أرسطو بإنجاز ما يقرب من 1000كتاب في علوم متعددة، وجاب في بحار الفلسفة الأخلاقية، ومن كتبه، "الأخلاق الكبرى" و"النظم السياسية" و"ما وراء الطبيعة"

ولكي نعطي تصورا سريعا لمحتويات هذا الكتاب، بكل ما يتضمنه من تفاصيل في صفحاته الـ(735)، لا بد من التعريف بأهم عناوين الأبواب الرئيسية، دون الخوض في عناوين الفصول، وهي تبحث وتناقش قضايا أساسية في علم السياسة، فقد ناقش أرسطو في الباب الرابع قضية تنوع الأحكام السياسية وملاءمتها للدول وهيئاتها الأساسية الثلاث، وفي مقدمة ذلك ناقش موضوع نطاق علم السياسة.

من أبواب كتاب "في السياسة" الأخرى التي يحتاج كل باب منها إلى وقفة طويلة، الانقلابات السياسية وأسباب انقراض الأحكام أو صيانتها، ووجه التأليف بين عناصر الأحكام السياسية لإنشاء تلك الأحكام على اختلافها.

في الباب السابع يتطرق أرسطو إلى الدولة الفضلى وشروط تأسيسها، ويفرد بعض العناوين لهذه القضية، من بينها الحياة التي هي أجدر بالاختيار، كما يجيب عن سؤال يطرحه في الفصل الثاني يقول فيه: هل الحياة المثلى واحدة للفرد وللدولة، ويبحث في موضوع العلم والفلسفة، باعتبار أنها خير من السياسة، ومدى اتساع الدولة. وتأثير المجتمع في بناء الدولة ومدى حرص الحاكم على توفير العدل للجميع وإبعاد الشر وإحلال الخير وسيادة العدل. لينتقل في الباب الثامن إلى موضوع التربية في الدولة الفضلى، إذ يستحوذ الجانب التربوي على حيز كبير في الدولة والمجتمع.

اشتهر أرسطو بإنجاز ما يقرب من 1000 كتاب في علوم متعددة، فبالإضافة إلى مؤلفاته في علم الوجود والمنطق وعلوم الطبيعة وعلوم المعرفة الأخرى والخطابة والشعر، جاب في بحار الفلسفة الأخلاقية، ومن كتبه "الأخلاق الكبرى" و"النظم السياسية" و"ما وراء الطبيعة". وعندما سئل: ما الفرق بين العلماء والجهال؟ إجاب إجابته الشهيرة "الفرق بين الأحياء والأموات".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة