محاكمة تيسير علوني   
الأربعاء 1427/6/29 هـ - الموافق 26/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:52 (مكة المكرمة)، 13:52 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يتضمن هذا الكتاب تقرير الخبراء الدوليين في محاكمة تيسير علوني مراسل الجزيرة في كابل وبغداد، ويتضمن تعريفا بتيسير علوني، والإطار القانوني للمحاكمة في ضوء القانون الإسباني والتشريع الجنائي والنظام القضائي الإسباني.

وهو يتضمن الإجراءات المتبعة قبل المحاكمة العلنية، وإجراءات التحقيق القضائي، واختتام التحقيق واتهام تيسير علوني، والمحاكمة وسيرها، وقرار المحكمة الوطنية، وتحليلا قانونيا للحكم.

وقد خلص التقرير إلى أن شروط المحاكمة العادلة لم تكن متوفرة، وأن عناصر الاتهام كانت ركيكة وغير متماسكة، وبالتالي فهو يعتبر الحكم جائرا.

- الكتاب: محاكمة تيسير علوني
- تحرير: المحامي إبراهيم التاوتي
- عدد الصفحات: 286
- الناشر: المؤسسة العربية الأوروبية للنشر (أوراب)، باريس
- الطبعة: الأولى، 2006

تيسير علوني
ولد تيسير في سوريا، وهاجر إلى إسبانيا عام 1985، حيث تابع دراسته في الاقتصاد، وتزوج عام 1987 من الزهراء حامد ليازي، وهي إسبانية من أصل مغربي، وحصل على الجنسية الإسبانية عام 1989.

وقد عمل في تدريس اللغة العربية وفي المحاسبة والترجمة، وفي معهد السلام والصراعات في جامعة غرناطة.

وفي عام 1999 عمل علوني في قناة الجزيرة مديرا لمكتبها في كابل، وقد ظهر كمراسل متميز أثناء تغطيته للحرب الأميركية على أفغانستان أواخر العام 2001.

ثم قام بتغطية الحرب الأميركية على العراق، وعمل في مكتب الجزيرة بالدوحة، وكلفته قناة الجزيرة عام 2003 بفتح مكتب لها في إسبانيا، فاعتقل يوم 5/9/2003 في بيته بغرناطة بحضور زوجته وأبنائه.

محاكمة تيسير
مثل تيسير علوني بين يدي قاضي التحقيق يوم 8/9/ 2003، ولم يستطع أن يتحدث مع محاميه، وقبل أن يستمع إليه القاضي قيد كي يتلقى الإشعار الشفوي بقرار الاتهام الذي هو عبارة عن تصريح قضائي رسمي يؤكد من المفروض بواسطته وجود مؤشرات عقلية مقنعة بتورط شخص ما في الجريمة بالنسبة إلى أحداث محددة ومقررة.

ولم يتمكن المحامي من الاطلاع على ملف التحقيق، وكان على تيسير أن يجيب عن الأسئلة دون علم دقيق بالتهم الموجهة إليه، ولا محاميه الذي لم يطلع إلا على جزء فقط من الملف بعد مرور ثمانية عشر يوما من اعتقال موكله.

وأفرج عن تيسير يوم 23/ 10/ 2003 مراعاة لحالته الصحية مقابل دفع غرامة مالية، واستعاد مهنته الصحفية كمدير لمكتب الجزيرة في إسبانيا، ولكن يوم 19/ 11/ 2004 أعيد اعتقاله، ثم أفرج عنه يوم 17/ 3/ 2005، وقد تبين أن تيسير كان يخضع لمراقبة دقيقة في تحركاته ومكالماته الهاتفية منذ عام 1994.

وبالطبع لا بد أن جزءا كبيرا من المكالمات التي سجلت من هاتف منزله كانت من استخدام ضيوفه وزواره، وقد استخدمت الوثائق والمكالمات استخداما مجزوءا وانتقاميا قام به قاضي التحقيق بهدف تدبير تهم ملفقة مثل انتمائه إلى منظمة إرهابية، وإدارته لمجموعة إرهابية ومشاركته في تمويل الإرهاب.

وكانت أدلة الاتهام المستخدمة ركيكة وغير منطقية، بل وتدعو إلى السخرية، مثل مكالمات هاتفية تستخدم عبارة "شباب غرناطة" واعتبرت هذه العبارة تسمية للمجموعة الإرهابية التي يتزعمها علوني.

ومن الأدلة دفعه مبلغا ماليا لعائلة أحد السوريين المقيمين في إسبانيا، ومساعدته لشخص آخر في العمل والإقامة، وشريط فيديو مسجل للبرجين التوأمين بنيويورك.

"
استخدمت الوثائق والمكالمات استخداما مجزوءا وانتقاميا قام به قاضي التحقيق بهدف تدبير تهم ملفقة مثل انتماء تيسير إلى منظمة إرهابية وإدارته لمجموعة إرهابية ومشاركته في تمويل الإرهاب
"

وقد أجريت المحاكمة في أجواء من الحراسة المشددة أعاقت علانيتها، وأتيح للادعاء العام على مدى عدة شهور التحدث لوسائل الإعلام، في حين لم يكن لدى الدفاع فكرة عن التهم وملف التحقيق، ولذلك بقيت رواية واحدة سائدة في وسائل الإعلام هي رواية المدعي وقضاة التحقيق.

وقد استخدمت العادات الشرق أوسطية في التسمية والوصف مثل الحديث عن الأشخاص بكناهم "أبو فلان" و "الشباب" كأدلة على تجمعات سرية وإرهابية.

وكانت ترجمة المكالمات والعبارات المستخدمة مثيرة للضحك واللبس، فكتاب "الأربعين النووية" المشهور ترجم بـ"40 سلاحا نوويا" والقوة النووية، ولم تكن الترجمة مجرد عمل غير محترف ولكنها اجتزئت ولفقت لإيجاد أسباب للاتهام، خاصة باختيار مقاطع مفصولة عن سياقها.

وكان ملف القضية الكبير المكون من مئات الأشرطة السمعية والمرئية وآلاف الصفحات عائقا أمام ممارسة الدفاع.

وفي الوقت الذي أعد التحقيق الملف ودرسه على مدى سنوات عدة، فإن الدفاع لم يطلع عليه إلا في وقت متأخر، ولم يتح له الاطلاع إلا على مقاطع جزئية من وثائق الملف حتى بعد انتهاء التحقيق، وفعلا لم يتمكن المحامون من الاطلاع على الملف لتحضير دفاعهم إلا ليلة انعقاد المحكمة.

وقد أحضرت إلى المحكمة صناديق مليئة بالوثائق لم يتمكن المحامون من الاطلاع عليها، وترك تقييمها لوكلاء النيابة ورئيس المحكمة، وهو عمل مخالف لقانون الإجراءات القضائية في إسبانيا، وقد استعملت بعض الوثائق من أجل إثبات الإدانة وليس من أجل إظهار الحقيقة كما يفترض.

وفي إحدى جلسات المحكمة أدخل شاهد مفاجئ في آخر لحظة ليدعم اتهام العلاقة بين أحد المتهمين (عماد الدين بركات جركس) بصفته رئيس خلية القاعدة في إسبانيا مع تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول، بناء على مكالمات هاتفية مع شخص يدعى شكور في بريطانيا، وشهادته بأنه رأى في مترو برشلونة عماد بركات برفقة محمد عطا رئيس مجموعة تفجيرات برجي مركز التجارة ورمزي بن الشيبة.

ولكن التواريخ التي ذكرها لا تتطابق مع تواريخ الإقامة الفعلية لهذين الشخصين في إسبانيا بالنظر إلى استمارات الشرطة في الفنادق التي نزلوا فيها، كما أن الولايات المتحدة الأميركية تعلم أن رمزي بن الشيبة المعتقل للاشتباه بضلوعه في عمليات 11 سبتمبر/أيلول لم يجتمع مع محمد عطا إلا بمفردهما في مدريد.

وأهملت المحكمة وقائع أدرجت في ملف التحقيق عن كتابات لتيسير في صحيفة الحياة، ومقابلات صحفية وتلفزيونية تظهر أنه مختلف مع أفكار القاعدة وينتقدها.

وجهت إلى تيسير أربع تهم، هي: انتماؤه لمنظمة إرهابية، وإدارته لمجموعة "شباب غرناطة" الموصوفة بأنها مجموعة إرهابية، وترؤسه لخلية الإعلام في منظمة القاعدة، وتمويله للإرهاب.

"
الغريب أن تكون مقابلة صحفية أجراها وبثتها محطة CNN وقد دفعت ثمنها لقناة الجزيرة ربع مليون دولار أساسا للاتهام بالانتماء إلى القاعدة
"

ورغم أن تيسير قدم إجابات منطقية ومدعمة بالبينات حول المبالغ التي ذكرت وهي 4600 دولار، وعن دلالات الأسماء والأوصاف مثل أبو فلان وشباب بأنها عادات وثقافة شرق أوسطية شائعة الاستخدام.

وأوضح أنها لا تدل على تجمع سري أو إرهابي، وأن العلاقات المالية والشخصية هي مما يكون بين الأصدقاء وأبناء البلد الواحد ولتحقيق بعض المصالح الخاصة، وأن كثيرا من علاقاته واتصالاته وأنشطته التي اعتبرت عملا إرهابيا هي من صميم عمله الصحفي الذي يجب أن يمارسه أي صحفي في موقعه.

واستغرب مثلا أن تكون مقابلة صحفية أجراها وبثتها محطة CNN وقد دفعت ثمنها لقناة الجزيرة ربع مليون دولار أساسا للاتهام بالانتماء إلى القاعدة.

وعدا ذلك لم يقدم الادعاء سوى انطباعات واحتمالات متأثرا بأوهام وافتراضات.

مرافعة الدفاع
قدم محامي الدفاع عن تيسير المحامي خوسيه لويس غلان مارتان وثيقتين للدفاع تحتويان على 37 صفحة، ومما جاء فيهما أنه يعتبر ملف الاتهام نقلا آليا لتقارير الشرطة، ويتضمن إفادات ومعلومات عادية ولا يمكن أن تكون تهمة.

وقال إن بعض تلك الإفادات كانت تجري إعادة إنتاجها بالقص واللصق لتلفيق التهم، وبرغم أن اسم ابن تيسير أسامة، فإنه كلما وردت كلمة أسامة في مكالمة هاتفية أو في الحديث العادي فإنها كانت تعني أسامة بن لادن.

وقد جرت عمليات إدماج وتزوير متعمد للإفادات والوثائق أو استخدمت بطريقة مخادعة.

وقد أخضعت المكالمات الهاتفية لتيسير علوني للرقابة، وهو عمل غير مرخص قضائيا، ولم يقم بترجمتها مترجم محلف، ولم يطابق كاتب الضبط بينها، ولم تحفظ لدى المحكمة، ولم يستمع إليها القاضي، ولم تقرأ في جلسة علنية.

ولم تخضع الوثائق المدرجة في القضية للنقاش المتبادل بين الأطراف المعنية في المحكمة، في حين أن الحق في المحاكمة يقتضي بالنسبة للمتهم والدفاع القدرة على الاطلاع والملاحظة بشأن الوثائق.

وقد كيفت أفعال عادية ولا يمكن أن تكون تهمة بطريقة تبدو قانونيا وكأنها مدرجة في قانون مكافحة الإرهاب، مثل مساعدة بالإيواء، وتسهيلات لتجديد الإقامة، وتحويل أموال، وقد جرى ذلك بسوء نية مبيتة.

وقد استخدمت العلاقات والاتصالات العابرة والمهنية والصداقة أساسا للاتهام بالعمل الإرهابي المشترك، دون محاكمة هذه العلاقة إلى الأسئلة البديهية عن العضوية في منظمة والارتباط بها تنظيميا وأيديولوجيا، والمعرفة التامة بأهدافها وأعمالها والمشاركة فيها.

وبرغم أن هذه الشروط غير متوفرة في حالة تيسير، فقد لفقت العلاقات العابرة والعادية لتكييف شروط وأركان الجريمة على نحو متعسف ومهين.

فقد تدفع مهنة الشخص أو ظروف أخرى خاصة إلى علاقة مع منظمة إجرامية أو مع أحد أعضائها، ومع ذلك لا يمكن الحديث عن انتماء إجرامي، كالشرطي والصحفي الذي يعمل في خدمة الجمهور في إطار دستوري يقنن البحث والنشر الإعلامي، والجامعي الذي يبحث في الظواهر الاجتماعية بما يساهم في فهم المجتمع.

"
خالفت المحكمة كثيرا من القواعد القانونية، مثل افتراض مبدأ البراءة، والشك يفسر لصالح المتهم، ومبدأ الحياد وعدم انحياز القاضي، وخرقت القوانين الجنائية المتبعة في إسبانيا
"

وتيسير علوني شخصية جامعية يعمل صحفيا محترفا، ومن الطبيعي أن يعمل ويشارك في أنشطة تقوده إلى قائمة واسعة من مصادر المعلومات، وتنشئ مهنته الحرفية بطبيعة الحال علاقة بالسياسيين والنقابيين والمناضلين، والمجرمين أيضا.

والمحكمة الوطنية تتبنى تشريعات المحكمة العليا في تعريف الانتماء إلى منظمة إجرامية، فيكون العضو فيها منسجما مع أيديولوجيتها في أفكاره ومعتقداته وسلوكه، وتكتسي هذه العلاقة بالمبادئ والأهداف المشتركة طابع الدوام والتكرار، والمشاركة المادية الملموسة في نشاطاتها المنظمة.

ونظرا إلى هذه العناصر، وأن النيابة العامة لم توفر الدليل على ادعاءاتها بانتماء تيسير علوني إلى منظمة إجرامية، فإن الطعن في التهمة كان مبررا وصحيحا.

وقد وقعت المحكمة في خلط لما تعتبر الذريعة قصدا في القانون، ليست الذريعة ضرورية للوصف القانوني، بل تستخدم لأجل تخفيف الحكم، فالذريعة هي السبب الفعلي أو التعليلات العميقة للفعل، وهي ليست بالضرورة غير أخلاقية.

وعلى فرض أن تيسير قدم مساعدات مقابل الحصول على معلومات حصرية، فإن تلك المعلومات لم تكن لاستعماله الشخصي الضيق والأناني ولكن من أجل إعلام الجمهور.

إن مجموع الأفعال التي حكم بها تيسير هي مما أدلى به هو نفسه للشرطة في التحقيق القضائي والجلسة العامة للمحكمة، ولم توفر النيابة العامة دليلا ينقض تصريحات تيسير ولا يوجد تصريح واحد مضاد من باقي المتهمين يسمح بنقض ما صرح به تيسير بنفسه، ولم تتناول المحكمة تصريحاته بالنقد، بل أعادت تفسير تصريحاته باستخفاف غير مبرر بحثا عن أدلة تدينه.

وتأول قضاة المحكمة من زاوية قمعية معطيات موضوعية تفسر العلاقات الاجتماعية بين غالبية المتهمين السوريين، رغم أنها علاقات تدخل في طبيعة الأشياء، واستغل هذا المعطى الذي يقضي بوجود علاقة منطقية بين مجموعة من بلد واحد ويتكلمون بلغة واحدة وينتمون إلى دين واحد باتجاه البحث عن مؤامرة.

وقد خالفت المحكمة كثيرا من القواعد القانونية، مثل افتراض مبدأ البراءة، والشك يفسر لصالح المتهم، ومبدأ الحياد وعدم انحياز القاضي، وخرقت القوانين الجنائية المتبعة في إسبانيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة