مشهد التغيير في الوطن العربي   
الاثنين 1434/11/19 هـ - الموافق 23/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:39 (مكة المكرمة)، 13:39 (غرينتش)

عرض/هيثم أبو زيد
أصدرت المنظمة العربية لحقوق الإنسان هذا التقرير لرصد الحالة الحقوقية العامة في العالم العربي بعد مرور نحو عامين ونصف العام على زلزال الثورات الشعبية والإطاحة بعدد من أنظمة الحكم الاستبدادية في المنطقة، باعتبار أن انتهاك حقوق الإنسان وتكبيل الحريات العامة كان سببا رئيسا لثورة الجماهير في دول الربيع العربي.

-العنوان: مشهد التغيير في الوطن العربي.. ثلاثون شهرا من الإعصار
-المؤلف: مجموعة من الباحثين، تحرير محسن عوض
-الصفحات: 335
-الناشر: المنظمة العربية لحقوق الإنسان
-الطبعة: الأولى، يوليو/تموز 2013

وقد تناول التقرير الذي اشترك في إعداده مجموعة من الباحثين والناشطين الحقوقيين حالة حقوق الإنسان بالعالم العربي، من خلال ثلاثة محاور رئيسة، اهتم أولها بتقديم رؤية تحليلية لطبيعة الحقوق الأساسية، والحريات العامة، ودور المرأة في الحراك الاجتماعي في العالم العربي. وقدم المحور الثاني قراءة عامة للتقارير الحقوقية للبلدان العربية، مع التركيز على دول الربيع العربي. بينما تناول المحور الأخير التحديات التنموية التي تحول دون تمتع المواطن العربي بحقوقه الاقتصادية.

كما أضاف التقرير بعدا جديدا إلى المنظومة المعيارية العالمية لقياس التقدم الحقوقي المحرز، أو الانتهاكات، وهو مدى اتساق التطورات مع مطالب الحراك الاجتماعي، المختزلة في شعارات "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية". وقد دققت المنظمة العربية لحقوق الإنسان مواد التقرير، عبر بعثات تقصي الحقائق والزيارات التي نظمتها إلى 11 دولة عربية، إضافة إلى قطاع غزة.

مشهد التغيير
يرصد التقرير الملامح العامة للإعلانات الدستورية، والدساتير الجديدة، والتغييرات الواسعة في البنية التشريعية للبلدان العربية، سواء تلك التي اتخذ الحراك الاجتماعي فيها شكل الثورات والانتفاضات، أو التي بادرت إلى إجراء إصلاحات لاستيعاب الحركة الاحتجاجية.

فقد عصفت الثورات بالأطر الدستورية في كل من تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسوريا، بأشكال متنوعة، كما أدخلت كل من المغرب، والأردن، والبحرين، وسلطنة عُمان، تعديلات مختلفة، وشكلت الجزائر لجنة لتعديل الدستور، ولأول مرة منذ عقود، تتحرر الدساتير العربية من حالات الطوارئ.

واعتمد التقرير على خمسة معايير للحكم على التطور الدستوري والتشريعي في الوطن العربي، هي:

أولا: "المشاركة العامة" بأن تكون التعديلات محور اهتمام شعبي، يأخذ آراء الجماهير ومقترحاتها في الاعتبار.

وثانيا: "الشفافية" بإطلاع الجماهير على مناقشات اللجان المكلفة بالتعديلات، والترتيب الذي ستتم به، وتوفير الأوراق التحضيرية للمهتمين والمراقبين ليتسنى لهم تقديم مقترحاتهم.

وثالثا: "المشاورات العامة" بعقد الاجتماعات الشعبية، والاستفتاءات غير الملزمة، والدراسات المعتمدة على الاستبيانات.
يرصد التقرير الملامح العامة للإعلانات الدستورية، والدساتير الجديدة، والتغييرات الواسعة في البنية التشريعية للبلدان العربية، سواء بلدان الثورات، أو تلك التي بادرت بالإصلاحات لاستيعاب الحركة الاحتجاجية

ورابعا: "الأجندة الدستورية" التي تحدد القضايا التي سيتناولها الدستور الجديد أو المعدل.

وخامسا: "الصياغة والاتساق" بحيث يكون الدستور مفهوما للشعب، قابلا للاستخدام من قبل السياسيين والبيروقراطيين، وقابلا للتفسير من قبل المحاكم.

ويرى محرر التقرير أن معظم الدساتير جاءت بعيدة جدا عن هذه المبادئ، حيث وضع بعضها في كنف السلطة، ومن جانب لجان لا تعكس بالضرورة التنوع السياسي والاجتماعي، حتى وإن ضمت كفاءات وخبرات مهنية رفيعة، على غرار ما حدث في الأردن والمغرب وسوريا، كما أن تشكيل اللجان التأسيسية تعرض لمنازعات سياسية وقانونية على نحو ما حدث في مصر، حيث عمق تشكيل اللجنة حالة الانقسام الوطني، وزاد من حدة الاستقطاب السياسي.

لكن معدي التقرير يعترفون أن معظم الوثائق الدستورية عززت من مضمون حقوق الإنسان، وحقوق المواطنة، وقيدت من السلطة المطلقة للحكومات في إعلان حالة الطوارئ واستمرارها، كما عززت من دور المجالس النيابية وسلطتها في الرقابة والتشريع.

المرأة العربية
ويخصص التقرير مساحة واسعة لرصد المشاركة النسائية في الحراك الاجتماعي العربي، حيث تمكنت المرأة من تمزيق تلك الصورة النمطية السلبية التي تطاردها إرضاء لأعراف بالية، بل إن المرأة العربية حققت من خلال المشاركة الحركية مكاسب مهمة، لعل من أبرزها نيل المرأة الكويتية حق تولي مناصب النيابة العامة، بعد معركة قضائية لافتة.

كما حققت المرأة العربية مكاسب مهمة في تفعيل المشاركة السياسية، وخوض الانتخابات، بفضل القوانين التي خصصت حصة للنساء في البرلمان.

ففي تونس، حصلت النساء على 29% من مقاعد المجلس التأسيسي، وحصلت المرأة الجزائرية على نحو 31.6% من مقاعد المجلس التشريعي، وهي أعلى نسبة تحصل عليها المرأة في البرلمانات العربية، كما حصلت المرأة الليبية على نحو 16% من مقاعد المؤتمر الوطني العام.

وفي الأردن، فازت النساء بـ12% من مقاعد مجلس النواب، كما حققن نتيجة جيدة في العراق بفوزهن بـ116 مقعدا، من أصل 378، بينما تراجع تمثيل النساء في مجلس الشعب المصري بعد إلغاء نظام "الكوتة" وعدم اشتراط وضع النساء في مواقع متقدمة من القوائم الانتخابية، كما لم تحرز دول الخليج تقدما جوهريا في المشاركة السياسية للنساء.

ويرى محرر التقرير أنه لا يمكن أن نخص القوانين والحكومات باللائمة في مسألة المشاركة النسائية، فإنكار الحقوق السياسية للمرأة، وتراجع مستوى مشاركتها في كثير من الأقطار العربية، يعود للأحزاب والجمعيات السياسية والنقابات المهنية التي لا تفسح للنساء مكانا لائقا، كما يرى المحرر أن الصعود السياسي للتيار الإسلامي عقب الثورات العربية كان له أثره السلبي على المشاركة النسائية، بسبب النظرة المحافظة التي يتبناها كثير من الإسلاميين، والإصرار على تبني تفسيرات ضيقة للشريعة.

رغم الحالة الثورية العامة، إلا أن حقوق الإنسان العربي مازالت تعاني الانتهاكات المستمرة، فالحق في الحياة مثلا، تعرض لانتهاكات كبيرة، ولم يفلح الطابع السلمي للحراك الاجتماعي بحفظ حياة المحتجين

الحقوق الأساسية
ويرى المشاركون في إعداد التقرير، أن كثيرا من الحقوق الأساسية قد أهدرت، فبالرغم من الحالة الثورية العامة، إلا أن حقوق الإنسان العربي مازالت تعاني الانتهاكات المستمرة، فالحق في الحياة مثلا، تعرض لانتهاكات كبيرة، ولم يفلح الطابع السلمي للحراك الاجتماعي الذي تشهده المنطقة، ولا طابع التدرج في مطالب الإصلاح في حفظ حياة المحتجين.

وإذا كانت تونس ومصر واليمن، شهدت مئات القتلى وآلاف الجرحى، فقد قفزت هذه الأرقام في ليبيا إلى خمسين ألف قتيل، بينهم عشرون ألفا لا يزال مصيرهم مجهولا، كما تجاوزت الحالة السورية سبعين ألف قتيل، وعشرات الآلاف من المصابين (حتى وقت إعداد التقرير).

وأهدر الحق في الأمان الشخصي في كثير من دول الربيع العربي، حيث تعرض عشرات الآلاف للسجن والاحتجاز.

وبرأي محرر التقرير، فإن معظم الاعتقالات تمت وفق قوانين الطوارئ، أو ما يماثلها من قوانين استثنائية، كما عانت بعض الدول من إهدار الحق في المحاكمة العادلة، من خلال أنماط مختلفة من أشكال القضاء الاستثنائي، كمحاكم أمن الدولة في الأردن، ومحكمة أمن الدولة العليا طوارئ في مصر، فضلا عن استمرار محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية.

وأما حقوق السجناء والمحتجزين، فمثلت معضلة معقدة وتحديا كبيرا لدول الربيع العربي، فقد عرفت مصر وتونس ظاهرة الفرار الجماعي للسجناء، وما رافقها من سقوط عشرات ومئات القتلى من المحتجزين أو من حراسهم، كما عرفت دول الانتفاضات ظاهرة غير مسبوقة تمثلت في الإفراج عن سجناء ومحتجزين من المصنفين خطرين من معتادي الإجرام، حيث تم إطلاق سراحهم في سياق إلغاء قوانين الطوارئ التي وفرت غطاء قانونيا لاحتجازهم.

وقد عانت ليبيا على سبيل المثال من سيطرة مليشيات محلية مسلحة على بعض السجون مع الإصرار على رفض سيطرة الحكومة المركزية عليها، بل وصل الأمر إلى إنشاء أماكن احتجاز خاصة في مناطق سيطرة المليشيات، وهو أمر يخل -برأي محرر التقرير- بركيزة أساسية من ركائز مفهوم الدولة، وهي احتكار الإكراه، كما عرفت ليبيا ظاهرة الاختفاء القسري، وبأرقام قدرتها بعض المصادر الرسمية بعشرين ألف مختف.

الحقوق الاقتصادية
ويتناول التقرير مبادرات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي، ومدى تحقيقها للتقدم المنشود، ووفائها بمطالب الجماهير الغاضبة.

كما رصد التقرير الإجراءات التنموية الحكومية، ملقيا الضوء على علاقتها بالإصلاحات الديمقراطية، فلا تنمية حقيقية دون ديمقراطية، كما أن الديمقراطية تظل مجرد شعارات خاوية من المضمون ما لم تقترن بتنمية تحقق العدل الاجتماعي.

 تقدر مصادر تكلفة الفساد عربيا ما بين ثلاثمائة وأربعمائة مليار دولار سنويا، وقدر التقرير الأموال المهربة نتيجة الفساد من مصر وحدها بثلاثة أضعاف الموازنة، بينما يقدر المؤتمر الوطني الليبي أن هناك ستين مليارا لا يعرف أحد عنها شيئا

وشهدت البلدان العربية عشرات الإجراءات المتعلقة برفع الحد الأدنى للأجور، كما شهد بعضها وضع حد أعلى لها، وتم تثبيت مئات الآلاف من العاملين بعقود مؤقتة، وامتدت مظلة الحماية الاجتماعية للعديد من الفئات المهمشة بزيادة معاشات الضمان الاجتماعي، ومعاشات التقاعد، وتخصيص صناديق لإقراض الشباب، وخفض الرسوم على بعض السلع الأساسية أو زيادة الدعم المقرر لها.

ورغم أهمية كل هذه الإجراءات، إلا أنها تظل -برأي محرري التقرير- مجرد مسكنات وإصلاحات جزئية، لم تطرح أي إجراءات اقتصادية طويلة المدى، ولم تتعامل مع المشكلات الاجتماعية الجوهرية التي أفرزت الثورات والاحتجاجات في الوطن العربي.

ويتوقف معدو التقرير أمام الآثار السلبية الكبيرة للفساد على النمو الاقتصادي، وبالتبعية على العدل الاجتماعي، فرجال الأعمال ينقلون عبء الرشاوى التي يدفعونها لجهات الإدارة إلى المستهلك، كما تنعكس آثار الفساد على الاستثمار وجودة البنى التحتية، والقطاعات الضرورية كالصحة والتعليم.

ويؤكد التقرير العلاقة التبادلية بين الفساد والفقر، حيث يكون الأول سببا للثاني من خلال إعاقته للنمو الاقتصادي، مما يؤثر على مستويات ونسب الفقر بالمجتمع. وينقل التقرير ما تحفل به المصادر الدولية عن تكلفة الفساد بالوطن العربي، حيث تقدره بعض المصادر برقم يتراوح بين ثلاثمائة وأربعمائة مليار دولار سنويا، وقدر التقرير الأموال المهربة نتيجة الفساد من مصر وحدها بثلاثة أضعاف الموازنة، بينما يقدر المؤتمر الوطني الليبي أن هناك ستين مليارا لا يعرف أحد عنها شيئا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة