الإخوان المسلمون بين التاريخ والمستقبل   
الأربعاء 1432/2/7 هـ - الموافق 12/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 1:24 (مكة المكرمة)، 22:24 (غرينتش)

عرض / بدر محمد بدر

هل يمكن أن تكون دروس التاريخ المديد الحافل بالمحن، معينة للإخوان المسلمين على تلمس طريق إلى المستقبل، يضع حدًّا للشكوك العميقة في نواياهم؟! ويمكّن الآخرين من بناء الثقة المفقودة في العلاقات معهم؟ هذا هو التساؤل المحوري الذي يحاول هذا الكتاب الإجابة عنه، مستعرضًا تاريخ الحركة منذ بزوغ فجرها عام 1928م مرورًا بأبرز أزماتها في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وانتهاءً بكونها أحد أبرز القوى المعارضة في الساحة السياسية المصرية الآن.

والمؤلف هو الكاتب والباحث الليبرالي الدكتور وحيد عبد المجيد نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، وهو صاحب العديد من المؤلفات والدراسات السياسية.

الدين والسياسة

-الكتاب: الإخوان المسلمون بين التاريخ والمستقبل
-المؤلف: د. وحيد عبد المجيد
-عدد الصفحات: 204  
-الناشر: الأهرام للنشر والترجمة، القاهرة
-الطبعة: الأولى/ 2010


ويتكون الكتاب من ستة عناوين رئيسية، الأول يتحدث عن نشأة جماعة الإخوان في مصر وتطورها بين عامي 28 و1954 حيث يقرر أن الحركة نشأت منذ البداية على الفهم الشامل للإسلام، باعتبار أنه عبادة وقيادة، ودين ودولة، وروحانية وعمل، وصلاة وجهاد، وطاعة وحكم، ومصحف وسيف، أي أن الدعوة الدينية امتزجت بالفكرة السياسية منذ اليوم الأول لبزوغ فجر الإخوان، بخلاف الاعتقاد الشائع بأنها تحولت إلى العمل السياسي في عام 1938، ولم يكن المؤتمر الخامس للجماعة الذي عقد في يناير/كانون الثاني 1939 أكثر من إعلان دخول للمعترك السياسي، ولم تكن أهداف حسن البنا صغيرة وكبرت، بل إن الجماعة التي اعتمد عليها لتحقيق هذه الأهداف كانت كبيرة منذ البداية.

وكان تأييد الإخوان لثورة 1936 الفلسطينية كاشفًا أن توجهها السياسي لا يقتصر على مصر، بل لا يقف عند حدود فلسطين، التي ساهمت قضيتها في تعزيز دور الإخوان وزيادة شعبيتهم.

وحول اتهام الجماعة باستخدام العنف في فترة الأربعينيات من القرن الماضي يقول المؤلف إن العنف بالمعنى العام الواسع لصيق بأية حركة سياسية أو اجتماعية أو دينية تؤمن بأهمية القوة المسلحة، سواء شملها أو لم يشملها، والأكيد أن القوة كانت موضع اهتمام حسن البنا منذ البداية.

وعلى الرغم من أن الهدف الذي حدده البنا للنظام الخاص هو مواجهة الاحتلال البريطاني في مصر، ومساعدة المجاهدين في فلسطين، فإن النظام الخاص نقل حركة الإخوان إلى مرحلة جديدة اتسمت بالعنف، وخصوصًا في الفترة بين عامي 44 و1948، وأدى تفاقم الوضع في فلسطين إلى التوسع في التدريب العسكري تحت شعار الإعداد للجهاد في سبيل القضية.

لكن الصدام الذي حدث بين الإخوان وثورة يوليو 1952، أنهى مرحلة من تاريخ الجماعة حظيت فيها بالمشروعية، وتحركت في مجال الدعوة الدينية والعمل السياسي والنشاط الاجتماعي والرياضي، قبل أن تنزل تحت الأرض وتلجأ إلى العمل السري، هربًا من يد ثقيلة سعت إلى الإجهاز عليها واستئصالها بالقوة.

السمع والطاعة والشورى
ويناقش العنوان الثاني في الكتاب واقع الإخوان المسلمين في تلك الفترة (28: 1954) فيما يخص مبدأ السمع والطاعة، ومبدأ الحوار والشورى، ويشير إلى أن البناء التنظيمي يتكون من مستويين هما: الهيئة التأسيسية ومكتب الإرشاد، بالإضافة إلى المركز العام للجماعة، كما يستعرض التكوينات الإدارية ونظام "الأسر" والأقسام الفنية واللجان الدعوية, لافتا إلى أنه بسبب الطبيعة الدينية لفكر الجماعة، ينبغي أن نأخذ في الاعتبار وجود جانب روحي في العلاقة بين زعيمها وأعضائها، ومن الصعب تجنب تأثيراته على الممارسة الديمقراطية داخل الحركة.

لكن جماعة الإخوان -عكس معظم الأحزاب السياسية المصرية في تلك الفترة- عرفت أسلوب الانتخاب في اختيار قادتها، ولكن مع وضع قيود عليه أتاحت للمرشد العام الأول سلطات واسعة.

"
على عكس معظم الأحزاب السياسية المصرية في فترة الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات عرفت جماعة الإخوان أسلوب الانتخاب في اختيار قادتها
"
وفيما يتعلق بعملية اتخاذ القرار فإن الأستاذ البنا سعى إلى اتباع أسلوب التوافق في القرارات المهمة، لكي تصدر بالإجماع وليس بالأغلبية بقدر الإمكان، وهو أسلوب عادة ما يلجأ إليه رؤساء التنظيمات والأحزاب، الذين يتمتعون بمكانة كبيرة ليس فقط بين الأعضاء، ولكن أيضا على المستوى القيادي في هذه التنظيمات.

وعقدت حركة الإخوان ستة مؤتمرات عامة بين عامي 31 و1941، كانت المشاركة فيها محصورة في الأعضاء العاملين والمجاهدين، الذين يمثلون أعلى مراتب العضوية في الجماعة، ومعنى ذلك أن أسلوب اختيار أعضاء المؤتمر العام كان أسلوبًا نخبويًّا وليس ديمقراطيًّا، حيث لم يقم على حق قواعد الجماعة في انتخاب مندوبين لهم إلى هذه المؤتمرات، ومع ذلك كان أداء هذه المؤتمرات يتسم بطابع ديمقراطي بدرجة ما.

إلى الخارج
وتحت العنوان الثالث يستعرض الكتاب انطلاق جماعة الإخوان المسلمين من مصر إلى خارجها، الذي بدأ بعد سنوات قليلة من التأسيس، وكانت البداية إلى الأردن، ثم إلى الدول العربية القريبة جغرافيا من مصر.

ويشير المؤلف إلى أن الجامع الرئيسي في حركة التنظيم الدولي هو أنه فكرة عامة وانتماء فضفاض وشعور بالتضامن والتساند، وحلم في رفع الراية المشتركة في سماء بلاد الأمة الإسلامية على امتدادها، أما الفاصل الرئيسي بين تنظيمات الإخوان فهو السياسة بمتغيراتها وتحولاتها وتقلباتها، والمؤثرات الداخلية التي تختلف من بلد إلى آخر، والقضايا التي يتعين التعامل معها، على تنوعها وتباينها من حالة إلى أخرى.

وبالتالي يرى المؤلف أن التنظيم الدولي لا يزيد عن كونه رابطة عامة معنوية، ولا يجوز اعتباره تنظيمًا إلا على سبيل المجاز، ثم يتحدث الكتاب عن عمليات انتشار واسع للحركة في الأقطار العربية، ابتداءً من الأردن وفلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي، وفي سوريا ولبنان في الفترة نفسها تقريبًا، ثم في السودان في الأربعينيات، ثم في منطقة الخليج العربي والسعودية في الخمسينيات، لكنه لم يتحدث عن وصول الإخوان إلى دول المغرب العربي، وإلى العراق واليمن.

ويستعرض الكتاب نماذج من الخلافات بين التنظيمات القطرية الإخوانية في بعض القضايا العامة، مثل الموقف من الكفاح المسلح في فلسطين عقب هزيمة 1967، والصراع بين الإخوان والسلطة في سوريا في الثمانينيات، وأيضًا الموقف من أزمة الغزو العراقي للكويت، كدليل على عدم وجود تنظيم حقيقي قوي على المستوى الدولي.

الصدام المتجدد
ويناقش العنوان الرابع السياسة الرسمية في مصر تجاه الإخوان المسلمين (71-2010 م) تحت إطار "الصدام المتجدد"، حيث يشير إلى فشل سياسة الاستئصال في فترة الخمسينيات والستينيات التي اتبعها نظام الحكم في عهد الرئيس جمال عبد الناصر ضدهم، وبالتالي تغيرت أولويات الحكم في عهد الرئيس أنور السادات باتجاه احتواء الإخوان المسلمين، وامتدت هذه السياسة في العقد الأول من عهد الرئيس حسني مبارك (81 -1991)، لكنها شهدت تحولاً كبيرًا بشكل سلبي مع بداية عقد التسعينيات.

"
مع بداية عقد التسعينيات تحولت السياسة الرسمية في اتجاه التضييق على الإخوان، وتوجيه ضربات انتقامية إليهم، واتهامهم بالإرهاب
"
كما أدت أحداث العنف بالجزائر في أعقاب إلغاء الانتخابات النيابية في ديسمبر/كانون الأول 1991م، إلى تفاقم المخاوف لدى السلطة من الحركات الإسلامية في مصر، وساهم تدهور الوضع في الجزائر في التحول الذي حدث في السياسة الرسمية تجاه الإخوان، نحو الاستبعاد بدلاً من الإدماج، والمواجهة بدلاً من الاحتواء، وحظي هذا التحول بتأييد ضمني من بعض أحزاب المعارضة الرسمية، وقطاع من المثقفين العلمانيين.

ومع بداية عقد التسعينيات تحولت السياسة الرسمية في اتجاه التضييق على الإخوان، وتوجيه ضربات انتقامية إليهم، واتهامهم بالإرهاب، وأدى ذلك إلى دفع الحركة إلى إيضاح موقفها من بعض القضايا أكثر من أي وقت مضى، فقد حرص الإخوان على إدانة الإرهاب الذي تمارسه جماعات العنف، كما بدؤوا يتقدمون نسبيًّا باتجاه إيضاح موقفهم الإيجابي من الديمقراطية.

مشروع الحزب
ويخصص الدكتور وحيد عبد المجيد العنوان الخامس لمناقشة مشروع برنامج حزب "الإخوان المسلمين" الذي ظهر في عام 2007، حيث يشير إلى ملاحظتين مهمتين: الأولى أن ما طرح كان "مشروعًا مقترحًا" تم إرساله إلى عدد من المثقفين وقادة الرأي لإبداء آرائهم فيه، وهذا توجه إيجابي ينطوي على انفتاح تجاه الآخر، والملاحظة الثانية أن إقدام الإخوان على إعلان برنامجهم هو في حد ذاته خطوة إيجابية، بغض النظر عن أي اختلاف أو اتفاق معه، فأن تكون أفكار الإخوان واضحة على المائدة أفضل من أن يتم إخفاؤها.

ويمكن تلخيص أهم ما أثار الجدل في مشروع برنامج حزب الإخوان المسلمين في نقطتين، هما طبيعة الدولة وعلاقتها بالدين، وموقع الأقباط والنساء فيها، وهما نقطتان يتوقف عليهما مدى استعداد الإخوان للاندماج في نظام سياسي ديمقراطي، يتطلع إليه الكثير من النخب السياسية والثقافية والإعلامية في مصر.

إن الطريقة التي صيغ بها دور الهيئة الدينية في الدولة والنظام السياسي في مشروع برنامج الحزب لابد أن تثير مخاوف من يتطلع إلى مستقبل، تستعيد فيه الشعوب في بلادنا الإسلامية حقها في أن تكون هي مصدر السلطة.

أما النقطة الثانية وهي حظر تولي الأقباط والنساء رئاسة الدولة في النظام الرئاسي، ورئاسة الوزراء في النظام البرلماني، فقد جاءت واضحة وحاسمة ولم تقنع التفسيرات التي قدمها أنصار الإخوان، من يخشون أن يؤدي هذا المشروع إلى دولة دينية، ومن هنا تأتي أهمية المراجعة الإيجابية التي وعد بها قادة الجماعة لهاتين النقطتين.

الإخوان والديمقراطية
أما العنوان السادس والأخير في الكتاب فيتناول مستقبل الإخوان والديمقراطية، حيث يعتبرها المؤلف "عقدة" تيار الإخوان منذ تأسيسه ولا تزال مستمرة، بالرغم من التقدم الذي حققته بعض تنظيمات الحركة في بلاد عدة، والسبب في اعتقاده يرجع إلى قضية "المرجعية"، لأن إصرار الإخوان على مرجعية أحادية للنظام السياسي (وهي الشريعة الإسلامية)، لا ينسجم مع أحد أهم مقومات الديمقراطية التعددية المفتوحة.

"
الإخوان لم يستطيعوا أن يبددوا مخاوف الآخرين من مشروعهم السياسي أو الحد منها، والأقباط ليسوا وحدهم في مقدمة الخائفين من المشروع السياسي للجماعة، فهناك أيضا المثقفون والتيارات السياسية الأخرى
"
ويظل التقدم الذي حدث في موقف الإخوان وتيارات إسلامية أخرى باتجاه المسألة الديمقراطية، محصورًا في الجوانب الإجرائية في النظام السياسي، والقول بأن النظام ديمقراطي بمرجعية إسلامية، ينطوي أيضا على تناقض في بنيته، من حيث إن وصف "الديمقراطي" يستمد من كونه حر الاختيار بين أحزاب وقوى سياسية، لكل منها مرجعيته.

ويرى المؤلف أن الإخوان لم يستطيعوا كذلك أن يبددوا مخاوف الآخرين من مشروعهم السياسي أو الحد منها، وأن الأقباط ليسوا وحدهم في مقدمة الخائفين من المشروع السياسي للجماعة، فهناك أيضا المثقفون والتيارات السياسية الأخرى.

غير أن أهم ما نلاحظه على الكتاب، في ختام هذا العرض الموجز، أنه يغطي فترة زمنية طويلة نسبيا بالنسبة للعمل السياسي في مصر (من 1928 إلى 2010)، وأيضا يعالج قضية شديدة الأهمية والحساسية (واقع ومستقبل جماعة الإخوان المسلمين)، وبالتالي لم تأخذ الكثير من الموضوعات المطروقة حظها المناسب في الدراسة والبحث والتدقيق، ولو اقتصر على فترة زمنية أقل أو قضية محددة لكان أفضل، لكن الدراسة في مجملها اتسمت بقدر كبير من الحياد والموضوعية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة