لعنة النفط   
الاثنين 1433/8/6 هـ - الموافق 25/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:54 (مكة المكرمة)، 11:54 (غرينتش)

عرض/ زياد منى

مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور مايكل رُس، يعمل أستاذًا محاضرًا في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وسبق له أن نشر العديد من المؤلفات عن سياسات الدولة الثرية بالموارد الطبيعية، كما عمل مستشارًا للبنك الدولي وعدة مؤسسات اقتصادية عالمية أخرى.

أعماله نشرتها العديد من الصحف المرموقة في الغرب ومنها نيويورك تايمز وواشنطن بوست وفُرِن بُولِسِي وفُرِن أفِّيرز ونيوزويك. في عام 2009 فاز بجائزة هاينز يلو التي تمنحها "المؤسسة الأميركية للعلوم السياسية".

الكتاب
هذا من الكتب التي ليس من السهل كتابة مراجعة تقليدية لها، وفي الوقت نفسه فإن رسالته مختصرة وواضحة، وهذا ما ينعكس على نحو واضح وصريح في عنوان الكتاب، مع أن العنوان الثانوي قد يكون مضللاً. فـ"مشكلة" الكتاب الرئيسية أنه يحوي كما كبيرا من الرسوم البيانية والجداول التي يقارب عددها، مجتمعة، المائة، مع أن البعض يرى أن في هذا إثراء.

-الكتاب: لعنة النفط (كيف تشكل الثروة النفطية تطور الأمم؟)
-المؤلف: مايكل رُسّْ
-عدد الصفحات: 290
-الناشر: برنستن ينفرستي برس، أميركا
-الطبعة: الأولى 2012

المؤلف قسم كتابه إلى سبعة فصول، تتقدمها مقدمة ولا يحوي فصلا خاصا بالاستنتاجات التي يستعرضها على نحو مفصل في كل فصل على حدة. الفصل الأول "الثروات المتناقضة على نحو غير معقول للأمم"، وأنهاه بملحق عن "منهجية عمله وكيفية الوصول إلى القياسات والأرقام" التي وضعها في كل صفحة تقريبًا. الفصل الثاني "المشكلة الناتجة عن العائدات النفطية".

الفصل الثالث يحمل عنوانًا دالاً هو "نفط أكثر، ديمقراطية أقل"، وهو جوهر رسالة الكتاب. الفصل الرابع، كسابقه، يحمل عنوانًا دالاً غير محايد هو "النفط يديم سيادة المجتمع الذكوري"، والأمر ذاته يسري على الفصل الخامس "العنف المرتكز إلى النفط" الذي أنهاه المؤلف بملحق "تحليل إحصائي لعلاقة النفط بالصراعات الأهلية". الفصل السادس "النفط والنمو الاقتصادي والمؤسسات السياسية"، والسابع "أخبار جيدة وأخرى سيئة عن النفط".

من استعراض عناوين الفصول يتضح أن فكرة المؤلف تقوم على أن توفر النفط في بلاد محددة هو نقمة وليس نعمة. ولتأكيد صحة نظريته تراه يجمع ما أمكن من معلومات وإحصاءات ذات علاقة من كل دول العالم تقريبًا. وقد ركز على نحو رئيسي على الدول النفطية الخليجية، إضافة إلى الدول الإسلامية الثرية بالنفط خصوصًا الواقعة في وسط آسيا.

المقولة الرئيسية للكتاب تتلخص في ادعائه أن توفر النفط يشكل لعنة على شعوب العالم السائرة في طريق النمو، وأيضًا في دول صناعية ليست غربية، أي روسيا، لكنه نعمة في الدول الغربية المتطورة، ويذكر كلا من النروج وبريطانيا على سبيل المثال.

اللعنة، من منظوره، أن العائدات النفطية في الدول النامية تحدّ من التطور الاقتصادي والاجتماعي، وبخاصة عندما تكون شركات النفط مملوكة للدولة، مما يعطي الحكام حرية التصرف في العائدات المالية الهائلة، التي غالبًا ما تكون مغفلة أو سرية، والكلام دومًا للمؤلف.

هو يرى أن امتلاك الدول لشركات النفط، الذي حصل في سبعينيات القرن الماضي، إضافة إلى الطفرة في أسعار النفط، قد أديا إلى إيذاء معظم المجتمعات ذات العلاقة (فقط في الدول السائرة في طريق النمو) والحد من قدرتها على التطور الاقتصادي والاجتماعي، ويخص بالذكر الحياة السياسية ووضع المرأة في الدول العربية والإسلامية.

ومع أنه لا يدعي أن الإسلام هو سبب "تخلف" وضع المرأة والحد من مقدرتها وطموحها وفرصها في المشاركة في التنمية الاقتصادية ودخول سوق العمل، إلا أنه يوحي بوجود رابط ما بالأمر! مع أنه لم يشرح تخلف سويسرا عن منح المرأة حق التصويت والترشح في الانتخابات المحلية والوطنية حيث لم تحصل عليه إلا في عام 1971 في استفتاء شارك فيه الرجال فقط!

هو لا ينفي دورا ما للغرب في تعثر التطور الاقتصادي، ويذكر على سبيل المثال ليبيا التي يعترف بأنها تعرضت إلى غزو غربي مباشر، ولا يهمل العراق تحت حكم صدام حسين، واستحالته "شبه" جنة للديمقراطية بعد الغزو!

المؤلف وظّف المصطلح من منظور أن النظم الرأسمالية في الغرب هي "أرض الميعاد" أو "الفردوس الأرضي" الذي تتوق إليه البشرية جمعاء، وعليها الالتجاء إليه إن رغبت في التقدم والتطور

معضلات المصطلحات
"الديمقراطية" هي الكلمة المفتاحية التي كثيرًا ما يرددها المؤلف عبر صفحات كتابه، والتي يرى أنها تتعرض للخطر وأن الثروة النفطية أثرت سلبيًا على مسار الحيوات السياسية، خصوصًا بعدما قامت دول "نفطية" كثيرة بتأميم تلك الصناعة.

في الحقيقة إن هذا الاستخدام المفرط للمصطلح، وليس فقط في هذا المؤلف، يبعث على الحيرة. فقد درستُ الاقتصاد السياسي وإدارة الأعمال في بريطانيا في سبعينيات القرن الماضي وكانت رسالتي الأكاديمية وقتها عن "أزمة النفط" التي اندلعت بعد حرب 1973، حيث عايشتها على نحو يومي بسبب نقص إمدادات الوقود واضطرارنا لقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، لكننا لم ندرس إطلاقًا المفردة "الديمقراطية" ولم ترد في مناهج الدراسة.

كنا ندرس أن في العالم نظامين، الغربي وكان يطلق عليه اسم "المجتمع الاستهلاكي" (Consumer Society) الذي يمكن أن يلخص في مقولة "مستهلِك سعيد"، والنظام في دول الكتلة الشرقية كان أساتذتنا يطلقون عليه اسم "مجتمع التكافل" (Welfare Society)، القائم على مسألة ضرورة تكافل كافة فئات المجتمع في مسار التطور. أما مفردة الديمقراطية فلم تكن ترد إطلاقًا في دراساتنا.

ما أقصده من استحضار المثل المعاش هذا هو عدم توفر فهم، أو لنقل شرح علمي متوازن لمعنى المفردة. نعم، نحن نعلم أنها عنت تاريخيًا في اليونان "حكم الشعب"، لكن أي شعب؟ الشعب في ذلك الوقت كان مكونًا من السادة المُلاّك وليس من العبيد، الذين كانوا يشكلون القسم الأكبر من السكان. أقول هذا من منظور نقد المؤلَّف لعدم تعريفه المقصود بكلمة ديمقراطية أو بالنظام السياسي الديمقراطي.

هذا يفرض الاستنتاج بأن المؤلف وظف المصطلح من منظور أن النظم الرأسمالية في الغرب هي "أرض الميعاد" أو "الفردوس الأرضي" الذي تتوق إليه البشرية جمعاء، وعليها الالتجاء إليه إن رغبت في التقدم والتطور.

من ناحية أخرى، ومن باب نقد المؤلَّف، نجد أنه ابتعد تمامًا عن استخدام المصطلح الذي كان سائدًا في السبعينيات، ليس في وسائل الإعلام فقط وإنما في المؤسسات الأكاديمية الغربية، من دون استثناء. بل إن الساسة في كثير من الدول الأوروبية (الغربية) كانوا يوظفونه لوصف نظمهم الاقتصادية السياسية، لكنهم في الوقت نفسه يؤكدون ابتعادهم، بل تعارضهم مع "الرأسمالية الأميركية" أي "الرأسمالية المتوحشة المنفلتة العقال" حيث كثيرًا ما كانوا يشددون على أن النظام الرأسمالي في بلادهم الأوروبية اجتماعي الطابع (هنا علينا ملاحظة شبه التطابق في اللغات اللاتينية بين المفردتين (social) التي تعني بالعربية (اجتماعي) و(socialist) التي تعني في لغتنا اشتراكي).

وهذا ما يشرح أن كثيرا من الأحزاب الرأسمالية تضيف الصفة "اجتماعي" إلى اسمها، والتي عادة ما تترجم إلى العربية على نحو "الاشتراكية الديمقراطية"، وهذا غلط كبير حيث يطلق الاسم "الاشتراكية العالمية" على الجامعة التي تضم تلك الأحزاب الرأسمالية الاجتماعية ومنها على سبيل المثال حزب العمل الصهيوني في فلسطين المحتلة و"الحزب التقدمي الاشتراكي" بزعامة وليد بك جنبلاط.

ومن باب التذكير، كانت الدول الغربية الرأسمالية تتحدث، قبل هزيمتها المعسكر الشيوعي، عن "النظام الرأسمالي"، ولم تكن تجد في ذلك حرجًا. وإذا تابع المرء تطور لغة المعسكر المنتصر يجد ابتعاده عن هذه المفردات الصريحة التي توضح جوهر النظام الاقتصادي، وبالتالي، السياسي. فقد توقفت وسائل المؤسسات الحاكمة عن استعمال مصطلح الرأسمالية وصارت تشير إلى نظامها الاقتصادي-السياسي بأنه "اقتصاد السوق" أو "اقتصاد السوق الاجتماعي"، وهو مصطلح تضليلي هدفه إخفاء طبيعة النظام وجوهره.

الأمر الآخر الذي يفتقده القارئ سبب تجنب المؤلف شرح كل هذه المفردات، إلا إذا كان موجهًا كلامه لنخبة تتفق معه بلا شروط، ولا يهمه أن يفهمه العالم بأجمعه.

وماذا بعد
نحن في عرضنا النقدي هذا، وقد قصرناه على أمور يعيشها القارئ يوميًا، لا نقلل من أهمية بعض النقاط التي طرحها المؤلف وعمق بحثه حيث أورد مئات الإحصاءات من مختلف دول العالم. لكننا نرى أن بعض أطروحاته ونظراته وُضعت خارج السياق العام للتطور العالمي ومن منطلق نمطي ورأي مسبق، وأخذت على نحو منفصل من تأثير العوامل الدولية الغربية في سياسات كثير من دول العالم (لنطرح مثلاً عن حقوق المرأة: أول قرار أصدره النظام الجديد في ليبيا، الذي استولى على السلطة هناك بمساعدة حلف الناتو المباشرة والفعالة، السماح مجددًا بتعدد الزوجات، وليس ثمة من داع للحديث عن المطالب في تونس الجديدة، التي بقيت منحازة للغرب، بالسماح باقتناء الجواري.. إلخ).

الكتاب يمثل دعوة مجددة لعولمة الاقتصاد العالمي وخصصته لإجبار الدول النامية الفقيرة وغير الفقيرة على فتح أبوابها أمام الشركات المتعددة الجنسيات

ومن الأمور الأخرى التي أهملها المؤلف، وكان عليه عدم تجنبها، من منظور علمي محض، تأثير الدول الغربية في سياسات معظم الدول التي استحضرها أمثلةً لدعم أطروحاته عن "التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي". ما سبب عدم ممارسة الدول الغربية تأثيرها، الهائل في كثير من الأحيان، لإجبار حكومات حليفة لها على تغيير سياساتها الداخلية، مع أنها تفرض عليها اتباع سياسات خارجية محددة، تضر بها وبشعوبها في كثير من الأحيان.

كلمة أخيرة، الكتاب، مثل سلسلة أخرى من الكتب التي عرضناها هنا، دعوة مجددة لعولمة الاقتصاد العالمي وخصصته بإجبار الدول النامية الفقيرة وغير الفقيرة على فتح أبوابها أمام الشركات المتعددة الجنسيات.

وإذا كان المؤلِّف أوحى بأن "الاقتصاد الحر".. إلخ هو الداء الذي يشفي المجتمعات البشرية من كل أمراضها، فإنه صمت عن الكوارث التي لحقت بالعديد من دول الاتحاد الأوروبي حيث أخذت الواحدة تلو الأخرى تعلن إفلاسها (دول بحر البلطيق والمجر وبلغاريا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وأيسلندا...  والقائمة مفتوحة)، مما أدى في نهاية المطاف إلى فقدان بعضها استقلالها واضطرارها للخضوع لإملاءات المؤسسات النقدية الأوروبية والأميركية وليس السير في السياسة التي انتخبت على أساسها (أي: الديمقراطية)!

هنا تفقد "الديمقراطية"، أي حكم الشعب، كل معنى، وهو ما دعا الأديب الألماني غنتر غراس الحائز على جائزة نوبل أخيرًا إلى كتابة قصيدة "عار أوروبا" اتهم فيها الغرب بإجبار سقراط على تناول كأس السم مرة ثانية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة