باسم الإسلام   
الأحد 1431/5/19 هـ - الموافق 2/5/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:05 (مكة المكرمة)، 14:05 (غرينتش)

عرض/ الحسن السرات

أصل هذا الكتاب برنامج وثائقي كتبه الصحفي الجزائري بن سلامة وبثته القنوات الفرنسية، ويعيش بن سلامة في فرنسا ويعمل رئيسا للتحرير بالقناة الفرنسية الثالثة، وهو مختص في كتابة البرامج الوثائقية.

واختارت "فرانس 3 " ذكرى الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2009 لتقديم البرنامج الوثائقي لأول مرة، واستغرق إعداد البرنامج المذاع في حلقتين، أربع سنوات، ثم تحول البرنامج إلى كتاب بتشجيع من أصدقاء المؤلف وداعميه.

-الكتاب: باسم الإسلام
-المؤلف: بن سلامة
-عدد الصفحات 216
-الناشر: منشورات لاتوليي, فرنسا
-الطبعة: الأولى/ 2009

وقابل فيه المؤلف أكثر من ثلاثين شخصية بالعالمين الإسلامي والغربي، فمن بين الإسلاميين، قابل المؤلف مهدي عاكف المرشد السابق للإخوان المسلمين، وسلمان العودة من الإسلاميين السعوديين، وعبد الصبور مرزوق من الأزهر.

ومن الوجوه الدينية المعارضة للنظام الإيراني اختار المؤلف يوسف إشكيفاري الذي صدر عليه حكم بالإعدام لقوله في ندوة ببرلين إن الحجاب ليس فريضة قرآنية، ثم خفف الحكم إلى السجن مدة سبع سنوات، ولم يعد له الحق في التدريس بالجامعات الدينية الإيرانية ولا ارتداء لباس الأئمة، وكان أيضا نائبا برلمانيا بعد الثورة الإسلامية سنة 1979.

كما قابل المؤلف حجة الإسلام محسن كاديفار الإصلاحي الديني المعارض الذي عرفته السجون قبل الثورة وبعدها.

ولكن الكاتب، وإن استند إلى تصريحات هؤلاء الكتاب والمفكرين، كان يكتفي بتوظيف تلك الأقوال، منتصرا في النهاية لوجهة نظره في ثنايا فصول الكتاب وفي خواتيمها، بل إن خاتمة الكتاب خلت من أي تصريح وصال فيها المؤلف وجال كيف يشاء على الرغم من تأكيده في البداية على أن عمله صحفي بحت.

ويوضح المؤلف منذ المقدمة أن كتابه هذا جاء نتيجة رغبة جامحة لمعرفة جذور الموجة الإسلامية الكبرى التي تغمر العالم العربي والإسلامي منذ ثلاثة عقود، وفي تساؤل يكشف طبيعة تصور الكاتب للإسلام وأمانيه لو بقي تدين الجدات والعجائز هو السائد بين المسلمين يقول "ماذا حدث بين مرحلة كانت فيها جدتي المؤمنة الملتزمة تعيش تدينها بسكينة وهدوء بين جبال منطقة القبائل الجزائرية، مثلها في ذلك مثل باقي ملايين المسلمين، من المغرب حتى باكستان، وواقعنا الحالي حيث صار الصوت الغالب فيه، ظاهرا، هو صوت أولئك الذين يدعون إلى قراءة متخلفة للقرآن؟ ولماذا صارت المساجد ملاذا لكل الآمال، وموئلا لكل المخاوف والضغائن؟".

ويستعرض المؤلف أصول الحركات الإسلامية فيذكر منها الوهابية بالمملكة العربية السعودية والجماعة الإسلامية بباكستان والإخوان المسلمين بمصر، وفشل القومية العربية وانتصار الثورة الإسلامية في إيران. كما يستعرض مواقف الإسلاميين وغيرهم من قضايا الإسلام والحداثة والديمقراطية والانتخابات والمرأة والغرب وغيرها من القضايا التي باتت معروفة.

إسلام الإسلاميين
"
يرى المؤلف أن "الإسلام محتكر من قبل الإسلاميين، صحيح أنهم لا يمارسون الحكم إلا في بعض الحالات النادرة، ولكنهم يملون قوانينهم ومعظم الدول الإسلامية تبنت دساتير جعلت الإسلام دينا رسميا للدولة والشريعة مصدرا وحيدا للقوانين
"
ويرى بن سلامة أن"الإسلام محتكر من قبل الإسلاميين، صحيح أنهم لا يمارسون الحكم إلا في بعض الحالات النادرة، ولكنهم يملون قوانينهم ومعظم الدول الإسلامية تبنت دساتير جعلت الإسلام دينا رسميا للدولة والشريعة مصدرا وحيدا للقوانين".

ثم ينصب نفسه ناطقا باسم الشعوب الإسلامية مؤكدا "أن كثيرا من المسلمين يجدون أنفسهم أمام هذا الاختيار الفظيع لقبول الإسلامية الزاحفة أو الخضوع لديكتاتوريات عسكرية رغم أنها تتستر وراء مظهر كاذب فالعراقيون مثلا انتقلوا من الخضوع للطاغية صدام حسين إلى الخضوع للإسلاميين السنة والشيعة، كل في الحيز المخصص له، وبمباركة من القوات الأميركية".

ويرى المؤلف أيضا أن الحكومات القائمة، من المغرب إلى باكستان، لضعفها وهشاشة ديمقراطيتها في أغلبها، تتراجع أمام مطالب التجديد الإسلامية في المجتمع. وللحصول على رضا الجهات الدينية، يقدم القادة السياسيون مزيدا من التنازلات تاركين الأصوليين يتحكمون في المساجد والمعاهد الدينية.

ولا فرق عنده بين المتشددين والمعتدلين لأن "مرجعيتهما واحدة ويسعون جميعهم لإخضاع المجتمع للقوانين الدينية" والوسائل هي التي تفرق بينهم، فهؤلاء مستعدون لاستخدام العنف لفرض رؤيتهم، وأولئك يلعبون لعبة الزمن الذي تجري رياحه لصالح أشرعتهم.

وعلى قائمة الضحايا -بحسب المؤلف دائما- يوجد النساء والرجال، المؤمنون وغير المؤمنين، الذين يرفضون إسلام الإسلاميين ويقدمون حياتهم فداء لهذا الرفض. وبالإضافة إلى هؤلاء الضحايا المضطهدين يسرد المؤلف الملحدين الذين لا دين لهم والأقليات الدينية والشواذ الجنسيين، وجريرة هؤلاء أنهم يقدمون قراءة للقرآن تخالف ما تواطأ عليه الإسلاميون.

وهؤلاء الإسلاميون ليسوا سوى فئة قليلة بين جمهور المسلمين، "أقلية تمارس في الغالب إرهابا فكريا في حق الباقين".

ولوقف "تهديداتهم" ودحر "إسلامهم هذا" يعلن بن سلامة تحيزه لفئة من المفكرين "يعيشون حالة من الاضطهاد والغربة بين المسلمين والإسلاميين، ويقودون مقاومة مزدوجة ضد الإسلاميين والحكومات الإسلامية والعربية"، ويسميهم المؤلف "الإسلاميون اللائيكيون" أو "الليبراليون" أو "المتحررون المتنورون" وغيرها من الألقاب والصفات التي تميزهم عن الإسلاميين الآخرين.

"
يؤيد المؤلف إبقاء الإسلام بعيدا عن ساحات النزال الفكري والسياسي والدولي، ويناصر "طائفة القراء الجدد" و"المفسرين الحداثيين" للقرآن, فهذا العصر في نظره يختلف كثيرا عن عصر النبوة
"
ويورد المؤلف بعض الأمثلة مثل جمال البنا شقيق حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وشيرين عبادي المحامية الإيرانية المعارضة التي قدمت لها الجوائز والأوسمة بالغرب، وتسليمة نسرين، وسلمان رشدي، ومحمد أركون، ومحمد الشرفي الوزير التونسي المتوفى، وعبد الوهاب مديب، ومالك شبل، وغالب بن الشيخ، ومحمود طه، وفرج فودة، ونوال السعداوي، وغيرهم.

فهو يؤيد إبقاء الإسلام بعيدا عن ساحات النزال الفكري والسياسي والدولي، ويناصر "طائفة القراء الجدد" و"المفسرين الحداثيين" للقرآن. فهذا العصر، في نظره ونظرهم، يختلف كثيرا عن عصر النبوة، "إذ إن النبوة فترة مضت، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ولا نسأل عنها اليوم ولسنا في حاجة إليها. إنما نحن في حاجة إلى أركون والذين معه".

أين أنت يا فولتير؟
ويدعو الكاتب إلى جبهة دولية لمناصرة هذه الفئة المستنيرة، ويقترح ألا تكون المناصرة عن طريق تدخل عسكري، "لأن هذا التدخل سيخرب كل شيء وسيقطع الطريق على كل أمل بنجاح تلك الفئة، فالانتصار على الإسلامية يمر عبر المعركة الفكرية، وحدها التي يبقى أثرها مع الزمن وتؤتي أكلها بعد حين".

ويستغيث المؤلف بالمفكر الفرنسي فولتير ليحل كل هذه المشاكل قائلا "الإسلام في حاجة إلى نسخ كثيرة من فولتير، وهم كائنون، ولكن لا يسمع لقولهم ولا يلتفت إلى عملهم، لأنهم حوصروا من قبل الموجة الإسلامية المتطرفة والأنظمة المستبدة التي يساندها الغرب رجاء قطع الطريق على الإسلاميين".

وينسى المؤلف نفسه فيتحدث باسم الغرب وحكوماته فيقول "كما فعلنا مع بلدان أوروبا الشرقية، فقدمنا المساعدة الفكرية والمادية لضحايا ديكتاتوريات المعسكر الشرقي، نستطيع أن نساعد الإسلامية والديكتاتوريات العربية المسلمة، وذلك بتعبئة القوى الحية في البلدان الديمقراطية وتعريفهم بمعارك النساء والرجال الذين يدافعون عن القيم الكونية لحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين".

"
يرى المؤلف أن الخلافة الضائعة منذ العثمانيين، تحولت إلى عقدة لدى عامة المسلمين، ولدى الإسلاميين، وازداد الأمر سوءا مع الدول القطرية الحالية التي تراقب المساجد عن كثب
"
يرى المؤلف أن الخلافة الضائعة منذ العثمانيين، تحولت إلى عقدة لدى عامة المسلمين، ولدى الإسلاميين، وازداد الأمر سوءا مع الدول التي تراقب المساجد عن كثب، كما أن المعاهد الدينية يسيرها موظفون تؤدي الدولة أجورهم وتقدم لهم المناهج والبرامج وفق رؤيتها السياسية للدين ولا يوجد بلد من هذه البلدان على استعداد للتنازل قيد أنملة عن وجود معاهد مستقلة ولو أعلنت التزامها بالوقوف عند الجانب الروحي للدين أو التعبدي الفقهي الضيق.

لكنه نسي أنه سبق أن قال إن الإسلاميين يسيطرون على المساجد والمعاهد الدينية، فيسقط بذلك في تناقض فظيع، يوقع القارئ في حيرة من أمره، فمن الذي يسيطر على المؤسسات الدينية، أهي الحكومات والدول، أم الحركات والجماعات الإسلامية.

وليس هذا هو التناقض الوحيد الذي يقع فيه بن سلامة، فهناك تناقضات أخرى، أبرزها الأطروحة التي يدافع عنها في هذا الكتاب، وهي الزعم بأن الإسلاميين يستغلون الدين الإسلامي في الصراع مع الحكومات القائمة وفي الصراع مع الغرب معا.

ولو سلمنا جدلا بأن الإسلاميين يستغلون دينهم في السياسة والتدافع، فلماذا يصبح هذا التوظيف والاستغلال حلالا لـ"الإسلاميين اللائيكيين" و"المتنورين" و"الحداثيين"؟ أئذا قدم الإسلاميون فهمهم للإسلام ودعوا الناس إليه بالطرق السلمية وخاضوا غمار السياسة وشاركوا في الانتخابات أو قاطعوها تصبح قراءتهم إرهابا فكريا وافتراء على روح الدين الإسلامي، في حين إذا كتب سلمان رشدي "آيات شيطانية" وتحدث عبد الوهاب مديب عن "مرض الإسلام"، وحاضر أركون في "تاريخانية النبوة والوحي" يصبحون مصدر الأنوار وزعماء الرشدية؟ ألا يمكن أن يكون هذا هو الاستغلال الحقيقي للإسلام بإفراغه من مضمونه ووحيه وكتابه ومحاصرته في التاريخ القديم؟

"
كيف يكون الإسلاميون مرفوضين من المجتمع وهو يصوت لهم في كل انتخابات نزيهة وغير نزيهة؟ هل هذا المجتمع غبي غباء يمنعه من التمييز، أم إنه خائف منهم لدرجة الرعب؟
"
ولو نظرنا إلى تعامل الحكومات الغربية مع الأقليات المسلمة وتدخلها في شؤونها، كما هو الشأن في فرنسا مثلا، ألا يعتبر هذا خيانة للعلمانية واستغلالا سياسيا للدين؟

السؤال هنا، كيف يكون الإسلاميون مرفوضين من المجتمع وهو يصوت لهم في كل انتخابات نزيهة وغير نزيهة؟ هل هذا المجتمع غبي غباء يمنعه من التمييز، أم إنه خائف منهم لدرجة الرعب؟

ثم ألا يدفع الإسلاميون الأثمان الباهظة من حياتهم وحرياتهم وأرزاقهم وعائلاتهم من أجل آرائهم فقط، ألم يقتلوا ويصلبوا ويعذبوا عذابا لم يعذبه أحد في هذه الدنيا، وهل الدول هشة إلى الحد الذي يسيطر فيه الإسلاميون على مقاليد المجتمع والحكم، ألا تقوم بدور الشرطي والدركي والسجان بدعم من الأنظمة الغربية المهيمنة اليوم. لماذا عمي الكاتب عن رؤية هذا الواقع؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة