على يسار المسيح   
الأحد 1434/4/20 هـ - الموافق 3/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:47 (مكة المكرمة)، 13:47 (غرينتش)

عرض/ حسن السرات

لا يرمي هذا الكتاب إلى عرض "المغامرة" التاريخية التي خاضها مسيحيو اليسار الفرنسي غير المعروفين لدى الرأي العام في الحياة السياسية الفرنسية في النصف الثاني من القرن العشرين، فحسب، بل إن تجربتهم تقدم نموذجا للفحص والاختبار والاستنتاج حول موضوع على قدر كبير من الأهمية، ألا وهو تطور العلاقة بين السياسي والديني في زمن العلمنة الشاملة للمجتمع الفرنسي، وكيف وفرت الجمهورية العلمانية التي أبعدت من حقلها كل أساس ديني، مكانا معتبرا للمناضلين المسيحيين في ساحة النقاش السياسي الديمقراطي.

-الكتاب: على يسار المسيح
-المؤلف: باحثون تحت إشراف دينيس بيليتييه وجان لويس شليغل
- عدد الصفحات: 624
-الناشر: دار لوسوي، باريس، فرنسا
-الطبعة: الأولى 2012

للإجابة عن هذا السؤال العريض جمع الباحثان دينيس بيليتييه، المؤرخ ومدير الدراسات بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا بفرنسا، وجان لويس شليغل، المختص في علم الاجتماع الديني، والعضو في هيئة إدارة المجلة الفرنسية العلمية الشهيرة "إيسبري: روح"، ثلاثة عشر باحثا وخبيرا في تاريخ فرنسا ومسيحيتها، وكتبوا هذا السفر الضخم.

إنها حكاية مهجورة من التاريخ الفرنسي لا تلقي الضوء الكاشف فقط على المسيحية المعاصرة، ولكن على مرحلة من التدافع السياسي بالجمهورية الفرنسية ذات الصفحات المليئة بالتطاحن الديني والسياسي.

ومن أبرز تلك الصفحات ما جاء بعد تأسيس الجمهورية العلمانية الناشئة ضد حضور الدين وهيمنته على الشأن العام، ولكنها مع ذلك تركت رقعة من الشطرنج السياسي للمناضلين المنخرطين في الشأن العام وفق عقيدتهم وإيمانهم الخاص بالإنجيل والمسيح. ولأن الميلاد العلماني كان عنيفا متوترا متأثرا بالجروح العميقة، فإن فرنسا لم يظهر فيها أبدا أحزاب ديمقراطية مسيحية مثل الحزب الديمقراطي المسيحي الإيطالي أو الألماني أو البلجيكي.

نقابات ورهبان
لم يكن هؤلاء المناضلون المسيحيون –على يسار المسيح- قوة سياسية تعيد ترتيب الحقل السياسي فقط، ولكنهم كانوا مجرة من الكواكب تدور في الفلك الفرنسي المشحون، في مدارات مختلفة، بدءا من العمل النقابي، إلى التسلية والترفيه، ومن القضية النسائية إلى التنظيم الأهلي الذاتي للسكن الاجتماعي، إلى انتقاد المجتمع الاستهلاكي.

كما كانوا رموزا ساطعة في سماء الثقافة الفرنسية. وعلى اختلاف المشارب والمجالات، يقدمون البرهان على حقيقة مزدوجة مفادها أن عالم السياسة هو عالم العقيدة والإيمان، في حين أن عالم الدين هو ذاته متقاطع مع الرهانات السياسية.

منذ وقت مبكر، عقب الحرب العالمية الثانية، انخرط عدد من المسيحيين الفرنسيين الملتزمين دينيا مع المؤسسات الكنسية أو الدائرين في فلكها القريب، وكان منهم الرهبان العمال المتحملون لمسؤوليات في الكنائس، ورهبان لائيكيون، في منظمات نقابية مختلفة المجالات، عمالية وفلاحية واجتماعية وأسرية، مثل الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل، ثم الكونفدرالية الفرنسية للعمال المسيحيين، والشبيبة العمالية الفرنسية، والشبيبة الفلاحية الكاثوليكية، والحركة الأسرية الحضرية، والشبيبة العمالية الكاثوليكية، والحركة الشعبية للأسر.

خلفت خمسينيات القرن العشرين عدة يتامى فقدوا صلة الرحم والوالدية مع الاشتراكية السياسية والشيوعية الحاكمة في الشرق الأوروبي، إذ أن قضية الجزائر واستعمار فرنسا لها كان سببا رئيسيا في خيبة الأمل لدى اليساريين

تجمع اليتامى
خلفت خمسينيات القرن العشرين عدة يتامى فقدوا صلة الرحم والوالدية مع الاشتراكية السياسية والشيوعية الحاكمة في الشرق الأوروبي، إذ أن قضية الجزائر واستعمار فرنسا لها ومشاركة اليسار الاشتراكي الفرنسي في تسويغ الاستعمار العسكري والقضاء العنيف على الثورة الجزائرية والمقاومة ضد الاحتلال كان سببا رئيسيا في خيبة الأمل وشعور المناضلين اليساريين المثاليين بالضياع والتيه والصدمة.

واستفحلت الحالة النفسية الصعبة مع دخول دبابات الجيش السوفياتي الأحمر إلى بودابست عام 1956. وإلى جانب هذين العاملين السياسيين، كان هناك سبب ديني ثالث هو انسداد الأفق لدى الأتباع المسيحيين الملتزمين داخل الكنيسة الكاثوليكية على الخصوص، إذ منعوا بقرار من الكرسي الرسولي من ممارسة السياسة داخل الساحة الدينية، كما أغلقت في وجوهمم سبل الإصلاح من الداخل، فلم يبق أمامهم سوى التمرد والخروج، لممارسة نشاط سياسي داخل الأحزاب والمنظمات اليسارية، وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي الموحد.

فرانسوا ميتران وحكومته
لعل أقصى ما تحقق للمسيحيين اليساريين بفرنسا في المجال السياسي هو انتخاب فرانسوا ميتران رئيسا لولايتين متتابعتين، وقد حصد هؤلاء المناضلون ما زرعوه طيلة ثلاثة عقود مضت. فقد انتقلت الحركة السياسية المسيحية اليسارية بالمسألة الاجتماعية في خطابها السياسي من الطابع الديني الصرف باعتبارها تجليا للرحمة والشفقة وتقديم الصدقات إلى الطابع السياسي باعتبارها تجليا للظلم الاجتماعي، وذلك ما أثر تأثيرا كبيرا في الانتخابات الرئسية لعام 1981 وفوز فرانسوا ميتران.

لكن هذا الكسب السياسي لم يكن خاليا من الخسائر والنقائص على الصعيد الديني والصعيد السياسي. ففي المجال الديني تغيرت العقيدة المسيحية، إذ حل محل الإيثار والزهد في الحياة والترف، الرغبة في التنعم بهذه الحياة وتحقيق الجنة الفردية في هذه الأرض، وخفُت الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار والشيطان والحساب والعقاب وعوضتها عقائد لينة باسمة لرب رحيم ودود ومسيح إنساني يغض الطرف عن الصغائر والكبائر ويتفهم النزوات والشهوات ولا يعتبرها آثاما وبلاء.

أما سياسيا، فإن الفوز لم يكن مسيحيا خالصا لأن فرانسوا ميتران كان متدينا على طريقته الخاصة. وإذا كانت انشغالاته وتساؤلاته الوجودية والروحية لم يسفر عنها إلا في الولاية الثانية ليقينه بأنه لن يكون رئيسا للمرة الثالثة ولبلوغه من العمر سنا متقدمة، ولمرضه بالداء العضال، سرطان البروستات، فإنه أصدقاءه من كبار المثقفين والسياسيين المسيحيين اليساريين كانوا على علم بمسيحيته الخاصة، فهو "من الألوهيين الذين يحبون الروح الدينية، ولكنه لا يحب الأديان المنمطة في مؤسسات ظاهرة قاهرة" على حد تعبير جورج مونتارون رئيس تحرير مجلة "الشهود المسيحي". "وهو أيضا لا يحب ذهنيات أولئك المسؤولين الدينيين، ويكره نفاقهم".

سؤال محير
سؤال محير يقف بالمرصاد منذ الوهلة الأولى للقارئ والمهتم والباحث، ولا يفارقه وهو يجول في صفحات هذه التجربة المثيرة حقا، ألا وهو لماذا اختارت فئة من المسيحيين أن تكون على يسار المسيح، مع أن اليسار كان ماركسيا معاديا للدين يعتبره أفيونا للشعوب؟ فكيف تعايش الإيمان المسيحي مع الإلحاد الماركسي؟ وتعايشت الرجعية مع التقدمية؟

الالتزام السياسي للمسيحيين اليساريين (خاصة الكاثوليكيين) مع القافلة الماركسية أو مع غيرها، تعبير عن إرادة لإعادة الاندماج في اللعبة السياسية للجمهورية

إنك لن تجد الجواب عن هذا السؤال المحير إلا في خاتمة الكتاب وبعد قطع مسافة ورقية جاوزت خمسمائة صفحة وأطلت على ستمائة صفحة. فمنذ ما بعد الحرب في سنوات 1970، تبين أن الالتزام السياسي للمسيحيين اليساريين (خاصة الكاثوليكيين) مع القافلة الماركسية أو مع غيرها، هو تعبير عن إرادة لإعادة الاندماج في اللعبة السياسية للجمهورية، وسعي ممن أبعدتهم العلمانية بقانون الفصل للدخول إلى الميدان السياسي عبر النافذة بعد إغلاق الباب في وجه كنيستهم. وهو في الوقت نفسه محاولة أخيرة "لتنصير السياسة" أو "تنشيط سياسية إنجيلية" وبعث الروح فيها، بناء على المظاهر النبوئية والأخلاقية في الأناجيل ولدى الرسل الإنجيليين.

لا يتعلق الأمر بأي حال من الأحوال بسعي نحو الاستيلاء على الحكم من أجل الحكم، ولا بإعادة بناء نظام سياسي مسيحي، ولكن الأمر يتعلق بتصحيح وترميم انحراف محافظ للكنيسة في مجال السياسة، خطأ لا يعود تاريخه إلى الثورة الفرنسية، ولكنه يتطاول في العمر حتى يصل إلى الأزمنة المسيحية الوسيطة، بل إلى أبعد من ذلك، إلى اللحظة الفارقة في عصر الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع، إذ جعل من المسيحيين سادة الإمبراطورية الرومانية وحكامها.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2010 انعقد اجتماع هام للمناضلين المسيحيين اليساريين المنحدرين من تلك التجربة، وأصدروا بيانا ذكروا فيه أن الوقت الحالي ليس وقت التطلع إلى مستقبل الكنيسة، ولكنه وقت النظر إلى تطور العالم موضع رسالة الإنجيل والمسيح، إنه وقت الوقوف في وجه الأخطار والآفات التي حملتها التحولات التقنية والمادية وتهدد بها الإنسانية والكرة الأرضية.

فلم تعد الرأسمالية هي العدو الذي ينبغي دحره، ولم تعد السياسة هي الحصان المفضل لدى هؤلاء الأحفاد الذين ينعتون أنفسهم بالمسيحيين الأحرار، ولكن المعول عليه هو المسؤولية الفردية والجماعية وإحياء الضمير لدى المنتخبين السياسيين.

دروس التاريخ
الأمر المثير فعلا وقولا في هذه التجربة هو الإبداع السياسي الخلاق للمسيحيين، وسعيهم "لتصحيح الضعف السياسي للإنجيل بتقنية سياسية قوية وصلبة"، و"ممارسة السياسة بطريقة أخرى"، وإماطة الظلم والفقر ونصرة الغريب والمريض والأرملة واليتيم" كما كان يفعل أتباع الإنجيل في الأزمنة الغابرة.

لكن التجربة في النهاية أفلت ثم فشلت، نتيجة الطابع اللائيكي للحزب الاشتراكي الفرنسي، وبذلك يكون العلمانيون الاشتراكيون قد انتصروا على المسيحيين المناضلين في صفوف حزبهم، ووضعوا حدا لعلاقة الديني بالسياسي في تقدديرهم.

ليس هذا فحسب، بل إن هؤلاء السياسيين المسيحيين راحوا ضحية سوء تقدير للتحولات وعدم توقع سقوط المثال الاشتراكي في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي ما فتح الباب لعودة الكنيسة واختفاء من كان من المسيحيين على يسار المسيح.

لقد غمرتهم الغصة والمرارة وهم يرون أن أحلاما كثيرة قد تكسرت، وأن المدينة الفاضلة المبنية بكنيسة متجددة قد انهارت. ومهما يكن من أمر فإن أنصار عيسى ذوي الشمال لم يذهب سعيهم سدى، إذ أنهم حركوا البدن الثقيل للكنيسة ليتململ من مكانه ويقطع الطريق على من يريد "احتكار مربط الفؤاد" ونصرة المستضعفين، فليس الكرسي الرسولي غليظ القلب حتى يكون الفقر والغربة والتهميش لديه أمرا منسيا، فما زالت العروق تنبض، وما زالت المشاعر تهمس ولا تكنُس.

كثير من الأحداث لا تفهم حين وقوعها، ولكن أخذ مسافة زمنية منها يتيح وضعها في السياق التاريخي فتظهر الحقائق فيها مختلفة وتفسر الطبيعة البشرية وغاياتها والسبل التي اختارتها

فهل يكون المرض القديم، مرض تفريق الدين والتشيع من أجل التمزق، وراء فشل جميع النصارى، الملتزمين مع الكنيسة أو المارقين منها أو المدنيين منهم، في استعادة المجتمع إلى الكنيسة وإعادة الكنيسة إلى المجتمع والسياسة؟

كثير من الأحداث لا تفهم حين وقوعها، ولكن أخذ مسافة زمنية منها يتيح وضعها في السياق التاريخي، فتظهر الحقائق فيها مختلفة وتفسر الطبيعة البشرية وغاياتها والسبل التي اختارتها للتعبير عن المكنون في الصدور.

ففرنسا الحالية بعلمانيتها الحادة ليست سوى نتيجة لمسار دموي من الصراع بين الكنيسة وخصومها الخارجيين ومصلحيها الداخليين والدولة الفرنسية الحديثة التي ولدت بقانون 1905 الفاصل بين الدين والدولة.

فالدين من أعمق وأقوى حاجات الإنسان، والتدين بناء على الدين المختار لا يمكن محوه ولا تغييره، وإذا أغلقت أمامه سبل التعبير والظهور فإنه يبحث عن مخرج وإلا تحول إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة تجتمع فيها شروط الانفجار.

ومن أصعب الأمور على الإنسان أن تشطره إلى شطرين أو أكثر، فتلك القسمة هي البذرة الأولى للفصام والانفصام وازدواج الشخصية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة