فلسطين في السينما   
الخميس 1428/1/20 هـ - الموافق 8/2/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:00 (مكة المكرمة)، 11:00 (غرينتش)

عرض/ زياد منى
في هذا الكتاب، يطل علينا قيس الزبيدي بصفته باحثا في عالم السينما حيث يقدم لنا في هذه الموسوعة عرضا لـ(799) فيلما.

وقبل نحو ثلاثة عقود عندما غادر المخرج العراقي بلاده بعد إتمامه دراسة التصوير والمونتاج في ألمانيا إلى دمشق فبيروت، ليلتحق بالحركة الوطنية الفلسطينية الصاعدة في ذلك الحين، ربما لم يكن مدركا أنه كان يخطو الخطوة الأولى نحو تأسيس تأريخ القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي المصور، عبر أفلامه التسجيلية عن فلسطين ونضال شعبها، إضافة إلى مجموعة كبيرة أخرى من الأفلام.

قيس الزبيدي كما كثير من الوطنيين العرب ترك وطنه الصغير العراق ليتدثر بفلسطين، التي كانت في ذلك الوقت متدثرة ببلاد العرب كلها ومازالت.

أسئلة تلخصها نقاط خمس
-اسم الكتاب: فلسطين في السينما
-المؤلف: قيس الزبيدي
-
عدد الصفحات: 274 مع أسطوانة (دي في دي) تحوي مقاطع من (6) أفلام قصيرة
-الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت
-الطبعة: الأولى/2006
ويحوي الكتاب مقدمة كتبها المؤلف وأخرى بقلم الناقد الفلسطيني فيصل دراج تعد "إكمالا" له لأنها ترصد أهميته والأسئلة التي يطرحها ويرى أنها تتلخص في خمس نقاط هي:

* الشتات الفلسطيني الذي يحرم الفلسطيني أرضه ولا يمنع عنه ذاكرة فلسطينية.

* عروبة فلسطين المترجمة سينمائيا والموزعة عربيا عبر مساهمات سورية ومصرية وعراقية ولبنانية وأردنية وسودانية وجزائرية... إلخ.

* دور السينمائيين والفنيين اليهود في علاقتهم بالقضية الفلسطينية التي تأخذ شكل حضور "يهودي" وتقني كثيف في أفلام فلسطينية، أو شكل حضور مستقل.

* كونية القضية الفلسطينية، حيث لا يوجد في العالم بلد لم ينجز فيه فيلم عن القضية الفلسطينية.

* معضلات تجميع هذا الأرشيف التاريخي البصري الهائل وتنظيمه ورعايته، كي تدخل معه الذاكرة الفلسطينية وبالتالي العربية في حوار خصب تمسح عن الذاكرة أشياء من التزوير والأحكام النمطية واللامبالاة.

بنظر كاتب المقدمة فيصل دراج فإن الكتاب أنطولوجيا التراجيديا الفلسطينية في وجه منها بقدر ما هو أنطولوجيا الملحمة الفلسطينية، حيث عبر الفلسطينيون عن مهارة في البقاء وحكمة في الوجود، وإن كان في الحكمة اللاطوعية ما يجرح القلب.

بعدها ينتقل المؤلف إلى عرض الأفلام وما توافر من معلومات عنها (اسم المخرج، اسم الفيلم، نوع الفيلم، السيناريو، التصوير، الصوت، الإنتاج)... إلخ، بدءا من سبع كلمات شرحا حتى ما يزيد عن (150) كلمة.

تأريخ كامل للقضية
الكتاب يؤرخ لحقبة تاريخية كاملة من القضية الفلسطينية وتطورها من العام (1911م) إلى العام (2005م) في أفلام أغلبها وثائقي، وهي مهمة، ويرى المؤلف أن الفيلم الروائي غير قادر على إنجازها، لأن "الفيلم التسجيلي يعنى ويهتم بالبحث عن كل الوسائل الوقائعية والإيضاحية والبصرية التي تسجل تاريخا أو حدثا أو قضية بشكل واقعي حقيقي".

من هنا انصب اهتمامه على الصنف السينمائي الأخير، علما بأنه أخرج عدة أفلام عن القضية الفلسطينية أهمها (سجل شعب).

"
يظهر في أفلام الزبيدي موضوع فلسطين زمنيا من وعد بلفور إلى ملحمة مخيم جنين (2002م)، ومن كفر قار مكانيا إلى ألمانيا وبلدان أخرى، متوزعة على مواضيع متشجرة تساوي أو لا تساوي الأقدار الغريبة التي جاءت مع النكبة واغتصاب فلسطين
"
تركيز الكتاب على هذه الأفلام جميعها، بصرف النظر عن طولها أو مستواها الفني، سببه أنها جميعها "تقريبًا؟"، تشكل مصدرا مهما للبحث الاجتماعي ولكتابة التاريخ.. وحارسة ذاكرة وشاهدا على تسجيل الأحداث والتاريخ وتعبيرا عن الهوية الثقافية، لقيمتها التربوية والثقافية والعلمية والتاريخية.

لذا فإن وضع كل هذه الأفلام في الكتاب هدفه، وبحق، أن تظهر فلسطين متكاملةً في وثيقة سينمائية تشكل بانوراما واسعة وتشريحا عميق النفاذ ومادة مؤرقة متعددة الأزمنة والأمكنة والمواضيع والرؤى.

يظهر فيها موضوع "فلسطين"، زمنياً، "من وعد بلفور إلى ملحمة مخيم جنين (2002 م)، ومن كفر قار، مكانيا، التي تبعد 60 كيلومترا عن تل أبيب، إلى ألمانيا وبلدان أخرى، متوزعة على مواضيع متشجرة تساوي، أو لا تساوي، الأقدار الغريبة التي جاءت مع (النكبة) واغتصاب فلسطين".

باختصار يفي بمبتغى مؤلفه ما مجموعه 799 بطاقة فيلم تقنية، حسب تسلسل ورودها في الكتاب.

تضم كل بطاقة المعلومات المفترض تدوينها ليأتي التعريف مستوفيا في أغلب الأحيان شروط التوثيق العلمي.

يلفت هنا الطابع اليقظ والمستنفر دائما تحت لواء الموضوعية، لنصوص سطرت للتعريف بمحتوى معني بالقدر الفلسطيني، وينتمي في معظمه كيفما جاءت معالجته للقضية إلى النوع التسجيلي، ومن ثم إلى الروائي القصير فالروائي فإلى الرسوم المتحركة.

ذلك أن ثمة هاجسا ملحاحا يحرض مؤلفه على التفاعل العنيد مع عمله التوثيقي، هو هاجس البحث عن ثنائية "الهوية والتاريخ" الملتصقة في ضميره كعراقي "شاء أن يكون العراقي-الفلسطيني الذي قاده منفى قسري إلى التحالف مع شعب قاسمه منفى قسريا آخر، رغم اختلاف المعنى والشروط"، حسب مقدمة فيصل دراج.

كان المهم بداية علاقة السينما بفلسطين وما نتج عنها من صور، وبعد ذلك من أصوات صاحبَتها. لقد استطاعت تلك الأفلام أن تختزن ذاكرة غنية لا يمكن إغفال أهمية وضرورة الرجوع إليها، ما دامت تنتمي بحق إلى تاريخ البشر، وشكلت بالتالي وفقا لخصوصية هذا التاريخ ذاكرة وهوية للشعب في فلسطين وفي الشتات.

من هنا كان على مقياس البحث والتصنيف والتبويب أن يأخذ في الاعتبار الأفلام التي تناولت موضوع المصير الفلسطيني وكل ما يرتبط به مباشرة.

أرشيف سينمائي وطني فلسطيني
هذا الكتاب الفريد، كما يرى النقاد الذين اطلعوا عليه يجمع بين غلافيه ما رصدته آلة التصوير عن أحوال فلسطين، في تسعة عقود من الزمن. لذلك فإنه رفيق درب مشروع (الأرشيف الوطني للسينما الفلسطينية) الذي تبناه المؤلف ورعاه منذ سنوات في ألمانيا، بهدف جمع شتات ذاكرة تعرضت للتشرذم والحفاظ عليها.

ولا شك في أن إنجاز هذا الكتاب التوثيقي سيساعد على تحقيق الهدف الأصعب، وهو تأسيس أرشيف سينمائي وطني فلسطيني.

"
إنجاز هذا الكتاب التوثيقي سيساعد على تحقيق الهدف الأصعب وهو تأسيس أرشيف سينمائي وطني فلسطيني تبناه المؤلف ورعاه منذ سنوات في ألمانيا بهدف جمع شتات ذاكرة تعرضت للتشرذم
"

الحديث هنا ليس عن صور وأصوات محفوظة في علب مجهولة، إنما إعادة البحث عن صور ذاكرة شعب قد تختفي في ظلام النسيان وذاكرة تتشكل لا يراد لها أن تلقى المصير نفسه.

الحديث عن فلسطين في السينما ليس عمل عالم آثار، مهمته البحث عما تبقى من آثار حضارة مندثرة ومنسية: قطع منكسرة مهشمة ليقوم بترميمها ومن ثمة إعادة قراءة ما يجد فيها وحفظها في متحف.

ومن هنا فإن هذا العمل الذي يسجل تراجيديا الفلسطيني لا يخص ذاكرة البشر فقط وإنما أيضا الوطن الفلسطيني نفسه.

من الأمور الواجب أخذها في الاعتبار عند عرض هذا الكتاب وتقويمه كيفية جمع المؤلف المعلومات.

فالعثور على المعلومات المبعثرة في دول كثيرة مترامية الأطراف لا يتوافر فهرس لها مهمة تخص مؤسسات، لكن أنجزها فرد.

ولأن الكاتب لم يكن بإمكانه مشاهدة الأفلام جميعها كان من الضروري أن يتبع أثرها في كل وسائل الإعلام، إضافة إلى خبراته الخاصة، وهنا تكمن القيمة الإبداعية للكتاب.

فلو أن قيس الزبيدي لم يكن مرتبطًا ارتباطا وثيقا بالمشهد السينمائي العالمي وكذلك المعنوي والعاطفي بفلسطين قضية وشعبا لما كان بمقدوره جمع تلك المعلومات.

لكن جمع المعلومات ذات العلاقة على نحو علمي يحتاج إضافة إلى الجهد الكبير إلى وقت طويل. ولأن الزمن والعمل في أفلام جديدة عن فلسطين قضية وشعبا لا ينتظران الكاتب الأمر الذي وضعه إزاء خيارين، إما الاستعجال مع ما يعني ذلك من تقصير في الأداء لا مناص منه أو التروي والصبر المملان.

المؤلف ومعه (مؤسسة الدراسات الفلسطينية) صاحبة المشروع انحازا بالطبع إلى الخيار الثاني، خدمة للمشروع ومادته، ما أدى إلى امتداد العمل فيه إلى فترة سنوات خمس، كان خلالها يكبر ويزداد ثراء. والنتيجة عوضت الانتظار وكوفئ الصبر بعمل استثنائي كما وكيفا.

"
يكتسب هذا المؤلف مكانة خاصة من ناحية أنه يؤسس لتقليد إيجابي وهو إثراؤه بأسطوانة (دي في دي) تحوي ستة نماذج من أفلام فلسطينية وعربية وأوروبية، إضافة إلى صور ضوئية غير موجودة أصلا تم معالجة قسم منها ونقلها من الأفلام نفسها
"
كما يكتسب هذا المؤلف مكانة خاصة من ناحية أنه يؤسس لتقليد إيجابي، وهو إثراؤه بأسطوانة (دي في دي) تحوي ستة نماذج من أفلام فلسطينية وعربية وأوروبية، إضافة إلى صور ضوئية غير موجودة أصلا تم معالجة قسم منها ونقلها من الأفلام نفسها.

الآن هل ندعي أننا لم نفاجأ بأن هذا الكتاب لم يصدر عن "وزارة الثقافة" التابعة لسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية وإنما عن مؤسسة خاصة.

الحديث عن "كونية القضية الفلسطينية"، وبالتالي ما يكتب عنها مرتبط ربما بحقيقة أن أغلب مراجع الكتاب ليست عربية، ما يعكس في نظرنا نقصا معرفيا في العالم العربي بهذا الخصوص.

ولأن هذا العمل موسوعي بالدرجة الأولى فما لا شك فيه أن إعادة طباعته ستكون ضرورية، وستكون أيضا مناسبة لفهرسته على نحو يسهل على القارئ العثور على المعلومة المطلوبة وفق اسم الفيلم والجهة المنتجة وسنة الإنتاج ونوع الفيلم (تسجيلي أو روائي).. إلخ.

وسيكون مناسبة أيضا لوضع أسماء الأفلام والمعلومات عنها بلغاتها الأصلية، ربما في فهرس خاص، وسد بعض النقص في المعلومات، إضافة إلى مراجعة المصادر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة