رئيس مع إيقاف التنفيذ   
الثلاثاء 1433/8/28 هـ - الموافق 17/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:20 (مكة المكرمة)، 10:20 (غرينتش)

عرض/عبد البديع عثمان

المرشح السابق لانتخابات رئاسة الجمهورية في السودان لسنة 2010 عن الحزب الاتحادي الديمقراطي الأستاذ حاتم السر علي فتح بابا جديدا، واستن سنة حميدة، بما خطه من توثيق لتجربته الانتخابية في كتابه الجديد حول الانتخابات الرئاسية في السودان بعنوان "رئيس مع إيقاف التنفيذ: تجربتي مع الانتخابات الرئاسية في السودان لعام 2010 م"، معلنا أن التجربة السياسِية السودانية ثرة ومؤثرة وتحتاج للكثير من التوثيق، مشيرا إلى أنه اختار كسر حاجز الصمت وقرر تدوين هذا السفر ليسجل هذه المرحلة من التاريخ من واقع تجربته الذاتية وخوضه لماراثون السباق الرئاسي مرشحا لرئاسة الجمهورية.

-الكتاب: رئيس مع إيقاف التنفيذ
-المؤلف: حاتم السر علي سكينجو
-عدد الصفحات: 528
-الناشر: دار مكتبة جزيرة الورد، القاهرة
المؤلف الذي قدمه حزبه للانتخابات الرئاسية بعد أكثر من عشرين عاما قضاها ناشطا في المجال السياسي والإعلامي والحقوقي معارضا، دون في كتابه الكثير المثير من الخفايا التي لم يكشف عنها من قبل.

ورسم السر على مدى 18 فصلا في كتابه لوحة للعملية الانتخابية كما عايشها، ورصد كل جوانبها، وبحث جميع تفاصيلها، ونظر في دلالاتها ومعانيها، وتحدث عن خبايا العملية وخفاياها، وسرد ما صاحبها من خروقات وتجاوزات، وقدم عرضا للسياق العام للانتخابات الرئاسية السودانية من حيث القانون ومجريات العملية ومخرجاتها.

وتناول من خلال فصول الكتاب الظروف التي نظمت فيها الانتخابات، والأسباب التي أدت إلى إجرائها في هذا التوقيت، كما تناول المؤلف الملابسات التي اكتنفت مسير العملية الانتخابية بالسودان والتجاوزات والانتهاكات التي قوضت نزاهتها وبيان ما لها وما عليها ورصد سلبياتها وإيجابياتها وصولا إلى محاولة الإجابة على السؤال المركزي: لماذا فشل أهل السودان في إجراء انتخابات حرة ونزيهة؟

وكتب الأستاذ حاتم السر مقدمة لكتابه الجديد جاء فيها "إن الجدل المثار حول العملية الانتخابية الأخيرة التي جرت في السودان في الفترة من 11-18 أبريل/نيسان 2010 والتساؤلات الحائرة المطروحة حول نزاهتها وسلامتها ووفائها بالمعايير المطلوبة وردود الأفعال التي صاحبتها قبولا ورفضا والتداعيات التي أحدثتها نتائجها، كل هذا وغيره دفعني إلى الدخول في عالم الكتابة والتوثيق للتجربة".

توثيق تجربة عملية
ويذهب المؤلف في المقدمة إلى "حاولت جاهدا تتبع مراحل العملية الانتخابية المختلفة والإدلاء بشهادتي حولها للأمانة والتاريخ من خلال سرد للأحداث من وجهة نظري كشاهد عيان خاض غمار التجربة مرشحا لرئاسة الجمهورية في السودان ومشاركا في الانتخابات مشاركة حقيقية ومنافسا للفوز على مقعد الرئاسة منذ بداية العملية الانتخابية حتى نهايتها.

ويضيف المؤلف في مقدمة كتابه "ينبغي علي أن أوضح للقارئ الكريم أن هذه الدراسة ليست انطباعات شخصية، كما أنها ليست دراسة نقدية للعملية الانتخابية والممارسات المصاحبة لها، ولم يكن هدفي تحليل وتقييم العملية الانتخابية في السودان، رغم الأهمية القصوى لكل ذلك، لكنه يقع خارج دائرة اهتمام الدراسة التي هي عبارة عن محاولة مني كمرشح لرئاسة الجمهورية لسرد وتوثيق تجربة عملية خضتها شاهد عيان ولاعبا رئيسيا وليس مراقبا، ولذلك كانت مصادر المعلومات نابعة من التجربة ومن المشاهدات ومن الممارسة اليومية للعملية الانتخابية في مراحلها المختلفة وليست نتاج مقابلات أو حوارات أو تقارير لجان ومنظمات.

"وأعترف بأنها ليست دراسة أكاديمية عن الانتخابات، ولكني أتمنى أن تساهم في سد فراغ قائم وأن تكون مصدرا إضافيا للمعلومات الانتخابية في السودان وأن تعين المراكز المتخصصة والباحثين والدارسين والناشطين السياسيين من خلال توفيرها لمادة يمكن تطويرها بالتحليل والتعاطي معها بواسطة الأكاديميين المختصين في هذا المجال بما يفيد التوثيق للانتخابات السودانية على ضوء الحقائق والمعلومات والظواهر التي تمكنت من رصدها وسردها".

مر الكتاب على الأسرار الانتخابية ابتداء من الإعداد لها واللجان المكلفة، ومارثونات العمل المضني التي انتظمت الحزب حينها لحشد الأتباع وترتيب الصفوف وتقوية العزائم، وقبِل أن يخوض فيها، وثق السر أو (الريس) كما يصر أتباعه ومؤيدوه على مناداته لتأريخ الانتخابات في السودان بشكل منهجي ومميز. متحدثا عن الانتخابات وتاريخها في السودان مستحضرا التاريخ المتميز للحزب الاتحادي الذي يقول "إنه تعود سكن القصر الأبيض عبر الانتخابات"، فهو حزب الرئيس أحمد الميرغني والرئيس إسماعيل الأزهري، وهو صاحب أكبر عددية انتخابية في آخر انتخابات نزيهة، في العام 1986.

لماذا حاتم السر؟
عقد الكاتب فصلا خلابا تحدث فيه عن "لماذا تم اختياره مرشحا للرئاسة؟ ولماذا حاتم السر "تحديدا"؟ دون غيره، كشف فيه ما دار وراء الأبواب المغلقة وما لا يعرفه أحد إلا هو وزعيم الحزب الاتحادي السيد محمد عثمان الميرغني، وكيف أنه ورغم امتناعه المبدئي عن الدفع نحو مقاطعة الانتخابات اقتنع ووقف بين يدي الميرغني قائلا "يا سيدي أنت تعلم أني ظللت طيلة حياتي جنديا مخلصا لهذا الحزب لم تأمرني قيادته بشيء أو توكل لي مهام إلا وقمت بها، وأنا لم أتغير ولم أتبدل، ما زلت جنديا مطيعا في صفوف هذا الحزب، ألبي كل طلباته وأنفذ كل أوامره، ولا يمكن أن أرد طلبا من سيادتك تحديدا".

الكتاب في فصل من فصوله تحول إلى نوع من أنواع أدب الرحلة في الفصل الذي يجوب فيه السر السودان في حملته الانتخابية، ويعكس ببراعة استيعابه لكل أطياف المجتمع وتقبله لتنوعه

الكتاب في فصل من فصوله تحول إلى نوع من أنواع أدب الرحلة في الفصل الذي يجوب فيه السر السودان في حملته الانتخابية، ويعكس ببراعة استيعابه لكل أطياف المجتمع وتقبله لتنوعه، فتراه يشدو مع صوت السواقي في كسلا الخضراء ويناجي ضريح السيد الحسن الميرغني، وتراه في نهر النيل "يقدل" فوق عز يعرفه ويعلمه مع شقيقه البروفسير البخاري الجعلي، وفي عروس الرمال يصول ويجول برفقة القامة حاج ميرغني عبد الرحمن سليمان، وفي الجزيرة يتجول مع عثمان عمر الشريف، وفي القضارف يخطب مع الدكتور عبد الله أبو سن، ووسط نخيل الشمالية مع الدكتور أبو الحسن فرح، وفي مدن وأحياء العاصمة الخرطوم برفقة الأمير أحمد سعد عمر، يتحدث حتى عن أصحاب القهاوي في الطرق العابرة وعن "صحن الفول" وأغنيات الشباب، يدون ملاحظاته اللطيفة ويخرجها في أسلوب خلاب.

وفي فصل منفصل تناول الكتاب إدارة المفوضية القومية للعملية الانتخابية ووصفها بأنها إدارة شائهة ومراقبة ناقصة وحيادية منعدمة، وأتى بالمذكرات المدعمة لرؤيته. كما خصص فصلا كاملا للحديث عن دور القضاء السوداني في نزاهة وحرية العملية الانتخابية مبينا خطورة تدخل السلطة التنفيذية والسياسية في القضاء.

وقدم الكاتب قراءة في موقف الصوفية بالسودان من الانتخابات تحت عنوان "الصوفية على خط العملية الانتخابية"، وغطى المؤلف المشهد الإعلامي في الانتخابات بفصل كامل أوضح فيه غياب الحيادية والمهنية وفقدان المصداقية، وكشف بالأدلة والبراهين والإحصائيات إلى أي درجة كان الإعلام خاصة الرسمي منحازا للحزب الحاكم ومرشحيه، ويبين بالإحصائيات كيف خصص له 3% فقط من وقت منافسه البشير، وشرح آثار ذلك وإضراره بنزاهة العملية الانتخابية، وقدم مرافعة عن قيمة "النزاهة" وقيمة الانتخابات، مؤكدا أن الشعب الذي تزور إرادته لا بد أن يغضب غضبة مضرية لا تبقي ولا تذر.

البرنامج الانتخابي
تناول المؤلف البرنامج الانتخابي الذي خاض به انتخابات رئاسة الجمهورية في أبريل/نيسان 2010 باسم (رؤية السودان 2020)، مؤكدا أن برنامجه (رؤية السودان 2020) يمثل محاولة للتعاطي مع قضايا الوطن من خلال منظور متفرد من حيث: تناوله للقضايا وفق إطار كلي ومتكامل من المرتكزات والمبادئ والقواعد العامة والوسائل والغايات، رؤيته للمشكل السوداني ومعالجة قضاياه في البعدين الآني والمستقبلي، عدم التوقف عند معالجة ظواهر المشكلات بل البحث في جذورها، اعتماده على مبادئ أساسية كركائز ومقومات للرؤية الإستراتيجية، ربطه بين الوسائل والممكنات والآليات والغايات الإستراتيجية التي تهدف الرؤية لبلوغها وفق أطر منهجية وزمنية محددة، العمل على استلهام التجارب الوطنية الرائدة والاستفادة من الإرث الإنساني في معالجة المشكلات المماثلة.

استعرض المؤلف السمات والملامح الأساسية لبرنامجه الانتخابي المسمى (رؤية السودان 2020) التي تقوم على أربعة مرتكزات أساسية هي: دولة المواطنة، السلام العادل، الوحدة، الديمقراطية

واستعرض المؤلف السمات والملامح الأساسية لبرنامجه الانتخابي المسمى (رؤية السودان 2020) قائلا إن الرؤية تقوم على أربعة مرتكزات أساسية هي: دولة المواطنة والسلام العادل والوحدة والديمقراطية. وتستهدي الرؤية بسبعة مبادئ وقواعد عامة وحاكمة للبرنامج وهى: الإصلاح والتطوير، رد المظالم وجبر الضرر، التنمية المستدامة والرؤية الاقتصادية، العدالة الاجتماعية والحريات العامة وحقوق الإنسان والحوار الوطني الشامل والشفافية والحكم الراشد.

وتعمل الرؤية على الاستفادة من الإمكانات التي توفرها سبع من المعينات والوسائل والممكنات الإستراتيجية وهي: تشريعات فعالة، سياسات متكاملة، موارد بشرية مؤهلة، خدمات تتمحور حول المواطن، إدارة مالية كفؤة حكومة مؤسسية رشيدة، شبكات حكومية تفاعلية، اتصال حكومي مؤثر.

ويستهدف البرنامج تحقيق عشر غايات إستراتيجية بنهاية الإطار الزمني للرؤية 2020 وهى: الهوية الوطنية المتميزة، إنشاء دولة قوية ذات مكانة، اقتصاد تنافسي يقوم على المعرفة، تنمية بشرية كأساس للتنمية الشاملة، نظم تعليمية حديثة ورفيعة المستوى، نظام صحى عصري ومتكامل، بنى تحتية متكاملة، عدالة قضائية مستقلة وناجزة، مجتمع آمن وأسرة سعيدة، بيئة سليمة وخالية من الأخطار.

حرص السر على وجود الشباب في الكتاب، وذكر دورهم في العمل الانتخابي وبطولاتهم، وكيف أنه حفيّ بهذا الشباب النضر الذي يبذل لأجل الوطن، ربما يستشعر أنهم الشريحة الأقرب إلى شعاراته وطموحاته نحو الحرية والديمقراطية والعمل الوطني القومي، فيتأسى له ويستشهد به ويعتز بوقفتهم على اختلاف مشاربهم، فيقول مستحضرا موقفا من المواقف قاصا "وعندما دخلت عليهم لأول مرة قاموا لتحيتي وهم يرددون (نحن معاك لا نفوت لا نموت، لا تجهجهنا العساكر، لا دقينات المساخر، لا الكلاب الأمنجية) عندما شاهدت هذه الكوكبة الشبابية المؤمنة بحزبها المتمسكة بمبادئها القابضة على جمر قضيتها المناصرة لمرشحها أدركت وأيقنت أنهم نعم السند ونعم النصير وأنهم قادرون على بناء وطن وأمة ويحق لنا أن نفخر ونفاخر بهم، خاصة في هذا العصر الذي عز فيه الرجال الذين لا يميلون حيث تميل بهم الرياح، لقد أشعلوا في نفسي نار الحماس وأججوا في لهيب النضال ومنحوني ضوءا في عتمة المسير".

كتاب غير مكرر
رغم كثرة ما كتب عن الانتخابات السودانية، لا يعد هذا الكتاب تكرارا لما قيل، بل يعد إضافة حقيقية ونوعية، وترجع أهميته إلى أنه واحد من الكتب القليلة والنادرة التي سلطت الضوء ووثقت للانتخابات الرئاسية السودانية من واقع التجربة الشخصية والعملية لأحد المرشحين البارزين في سباق الرئاسة السودانية.

قال إن ما حفزه إلى دراستها والتأمل فيها هو الحرص على أداء واجبه إزاء أمته وهي تعاني آلام المخاض الشديد وهي تحاول من خلال عملية قيصرية أن تنجب نظاما ديمقراطيا من رحم دولة شمولية قابضة وباطشة.

الكاتب حاول أن يطرح جملة من الرؤى والمقترحات والتوصيات حول معايير الحد الأدنى لانتخابات حرة ونزيهة وشفافة وعادلة 

ومن خلال قراءتي للكتاب القيم أدركت أن المؤلف يحاول من خلال الدراسة أن يشخص الأسباب التي افترض أنها المسؤولة عن تعثر التحول الديمقراطي في السودان، الذي تشكل الانتخابات بكل مستوياتها إحدى أهم آلياته. ويحمد له أنه لم يكتف بتوجيه النقد فحسب، بل مد خطوطه لاستشراف المستقبل، فخلص من خلال تجربته على أرض الواقع إلى طرح جملة من الرؤى والمقترحات والتوصيات حول معايير الحد الأدنى لانتخابات حرة ونزيهة وشفافة وعادلة في السودان.

لعل أبرزها وأهمها تأكيده على أهمية إجراء إصلاح تشريعي شامل، لكل القوانين والأنظمة المتعلقة بالعمل السياسي والوطني العام بما فيه قانون الانتخابات، باعتبار ذلك مدخلا وضمانة لخلق بيئة سياسية وقانونية كفيلة بجعل الانتخابات، نيابية كانت أم رئاسية، تحقق أغراضها في تجسيد إرادة الناخبين الحرة والطوعية، ويتمخض عنها بناء مؤسسات تمثل الجماهير وتعبر عنهم، وتفتح باب التداول السلمي على السلطة.

الكتاب جدير بالاقتناء، مارس فيه الأستاذ السر أسلوبا بلاغيا بهيجا، خفف من رتابة الحكاوي السياسية، وأردف بالوثائق والقوانين التي قيم بها انتخابات السودان مستقويا بتقارير المنظمات العالمية، ولكنه لا ينسى أن يبعث الأمل في السودانيين ويقول "رغم كل شيء أنا واثق أن المستقبل أفضل، لأن شباب السودان واع وهو من سيقود التغيير".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة