ما الذي سيبقى من الغرب؟   
الخميس 1429/9/18 هـ - الموافق 18/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:06 (مكة المكرمة)، 12:06 (غرينتش)

عرض/ نبيل شبيب
الترجمة الحرفية لعنوان الكتاب هي "ما الذي سيبقى منا؟"، فالمؤلف يان روس يتحدث عن الغرب باعتبار انتمائه إليه، وانطلاقا من وصف واقعه الراهن كما يعبر عنه العنوان الثاني على غلاف الكتاب "نهاية سيطرة الغرب عالميا".

-الكتاب: ما الذي سيبقى من الغرب؟
-المؤلف: يان روس
-الصفحات: 228

-الناشر: روفولت، برلين
-
الطبعة: الأولى 2008
والمؤلف معروف من خلال موقعه المتميز في أسبوعية "دي تسايت" كبرى الصحف الأسبوعية الألمانية، ومن خلال كتبه، وكان منها "الأعداء الجدد للدولة" عام 1998، و"أي نوع من العالم نريد؟" الذي نشره بمشاركة الرئيس الألماني السابق ريتشارد فون فايسئكر.

ولم تبالغ دار نشر روفولت باستخدام تعبير "مستوى ثقافي رفيع" في تعريفها بالكتاب، إذ تظهر الخلفية الفكرية الثقافية بقوة عبر طرح رؤى المؤلف ومناقشتها، في عرض تاريخي متعمق وجرد حساب تحليلي حاسم للفترة التي قضاها الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في الرئاسة، أثناء عامه الثامن والأخير فيها.

والكتاب جاء في أربعة فصول، تعبر عناوينها عن المضمون بصورة دقيقة، وهي على التوالي:

- تحولات تاريخية زمنية.
- البرابرة ونحن.. كيف أصبح الغرب وما هي حقيقته؟
- الإمبراطورية ترد الضربة.. أوهام النصر بعد 1989.
- بعد خسارة السيطرة.. كيف يحافظ العالم الحر على بقائه؟

ينطلق المؤلف من محطة تفجيرات نيويورك وواشنطن عام 2001، فيشير كيف أراد بوش الابن جعلها نقطة انطلاق حقبة جديدة تجعل من مطالع القرن الحادي والعشرين الميلادي بداية "الحرب على الإرهاب" أو "الحرب ضد الإسلام" أو "الهيمنة الأميركية عالميا"، ولكن لا يصدُق شيء من هذه العناوين على هذه المرحلة كما يقول المؤلف، فالعنوان الأصح هو "سقوط الغرب".

"
أراد بوش جعل أحداث سبتمبر/أيلول 2001 نقطة انطلاق حقبة جديدة عنوانها الحرب على الإرهاب أو الإسلام أو الهيمنة الأميركية عالميا، ولكن العنوان الأصح لهذه الحقبة عند المؤلف هو سقوط الغرب
"
نظرة أميركية إقليمية
يعدّد المؤلف مواصفات بعض صانعي القرار في واشنطن، مثل تقدير بوش الابن لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق تشرشل، أول من اعتبر هتلر عدوا للحضارة، وتأسّي رايس بالرئيس الأميركي الأسبق ترومان، صانع سياسة الأحلاف لحصار الاتحاد السوفياتي، فكما صُنع ضد الشيوعية آنذاك ينبغي أن يصنع الآن ضد الإسلام، بدءا بمصلياته الصغيرة على الأرض الأوروبية وحتى مدارس تعليم القرآن في باكستان وإندونيسيا.

وهذه الخلفية العدائية كانت ظاهرة للعيان بقوة أكبر في كل كلمة كان يلقيها الشريك البريطاني توني بلير، وهو يطرح ما يجري ليس تحت عنوان "صراع الحضارات" بل تحت عنوان "الصراع من أجل الحضارة"، لينفي وجود حضارة سوى الحضارة الغربية، ولتدور "المعركة" في نظره بين كل من يأخذ بما يراه الغرب وبين كل من يرفض الأخذ به.

لكن هذه الصورة أميركية محضة وليست "عالمية" كما أراد بلير طرحها، فحديث الأميركيين عن الخشية من الإرهاب، يقابله حديث الأوروبيين عن الخشية من الهجرة، والغالبيةُ من البشرية ترى المشكلات الأكبر في الفقر والجوع والمرض والتخلف.

أما تلك المبالغة الضخمة في تحويل المعركة إلى "معركة عالمية ضد المسلمين المتطرفين" فلا تعدو أن تكون نظرة إقليمية (أميركية) ضيقة عند التأمل فيها عبر المنظور التاريخي العالمي.

وفي الوقت الذي شغلت فيه واشنطن نفسها بحربها العالمية الجديدة، كان العالم يشهد ميلاد قوى جديدة سياسيا واقتصاديا.

وبدلا من أن تتحقق نبوءة صحيفة لوموند اليسارية الفرنسية التي كتبت عقب التفجيرات "جميعنا أميركيون"، وقع الانقسام في الغرب بين أنصار حرب احتلال العراق ومعارضيها، ولم تعد المشكلة مشكلة "العراق" وحقيقة وضعه، بل مشكلة الغرب وحقيقة تطور أوضاعه، ومعظم ما يجري الآن يشير إلى أن الغرب لم يعد "وحده" المتصرف عالميا، كما يشهد مثال التعامل مع البرنامج النووي الإيراني.

من خلال هذا التحليل يعزز المؤلف دعائم نظريته الأساسية في قراءة الوضع العالمي في الفصل الأول من كتابه، فمعالم خارطة نظام عالمي جديد لم تحددها ضربات وأحداث مثيرة بل تطورات تغييرية هادئة ومستمرة، تؤكد ظهور مراكز قوى جديدة في أنحاء العالم، لم يعد الغرب قادرا على فرض إرادته السياسية عليها.

وهذا ما نشر داخل الغرب تعبير "تعدد الأقطاب" مقابل "الهيمنة الانفرادية الأميركية".

وقد حمل الطرح الغربي للأزمة عنوان "عداء المسلمين المتطرفين"، والعداء ليس مشكلة، فالمواجهة يمكن أن تؤدي إلى النصر، ولكن نهوض قوى جديدة عدّل جذريا من موقع الغرب العالمي، فبات يسأل نفسه "ألم يعد لدينا ما هو أفضل لنقدمه عالميا؟".

الغرب يواجه تحدي "الأعداء والمنافسين" وتحدي "الآخرين" الذين يتحركون بسرعة أكبر، ولم يعد يمكن التعامل مع هذا التحدي بالوسائل التقليدية للسياسة الخارجية.

والوضع الجديد تجاه الإسلام يختلف اختلافا جذريا عما كان تجاه الشيوعية في الحرب الباردة، وما نشره الغرب من قوات ما بين البلقان وأفغانستان لا يجد سوى الشك والعداء وحتى العمليات التفجيرية المضادة.

وهذا وحده يكفي لانتشار الشك في الغرب نفسه حول حقيقة المهمة التي يقول بها عن نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان.

عودة الإسلام أصبحت صحوة تاريخية قائمة على الاعتقاد بالنهوض من جديد كما هو الحال مع مناطق حضارية عقائدية أخرى، وهنا يختم المؤلف الفصل الأول بفقرة يقول فيها: "لقرون عديدة هيمن الغرب عالميا، وكان عدوانيا توسعيا أنانيا، وكان تفكك دوله الاستعمارية أول انهيار في مسيرته هذه... أما الآن فبدأ تيار التطور التاريخي يتحرك في اتجاه معاكس".

"
انهيار الغرب عملية تفاعلية داخلية أشبه بمسيرة حياة بيولوجية مالت إلى نهايتها مع حتمية السقوط بعد فترة ازدهار حضاري
"
حتمية السقوط
في الفصل الثاني حديث مفصل عن الجذور التاريخية للوعي المعرفي الغربي، فيعود المؤلف إلى أعماق تاريخ المواجهات العسكرية وعصر الإمبراطوريات القديمة.

ثم يستشهد بالأديب والشاعر الروسي جوزيف برودسكي عام 1985 اللاجئ إلى الولايات المتحدة عن إسطنبول بعد زيارة لها، وكيف أنه لم يترك صفة سلبية إلا ووصم بها أهلها من حقبة بيزنطة "الأورثوذكسية" إلى حقبة الخلافة العثمانية.

وقد استعار من ديكارت عبارة أنا أفكر فأنا موجود، ليستخرج منها وصفا للفرد الشرقي "أنا أذبح.. فأنا موجود"، وحاز بعد ذلك على جائزة نوبل للأدب!..

كما ينقل المؤلف ما صوره المؤرخ إدوارد جيبون في القرن الميلادي الثامن عشر وقوله إن معركة بواتييه حالت دون أن يتجاوز المسلمون الراين في ألمانيا ويصلوا إلى التايمز في بريطانيا وأن يكون خريجو أكسفورد الآن من حملة القرآن الكريم في أوروبا.

ثم يقول إن هذه الصورة التاريخية المتوهمة هي بالذات ما أصبح الآن في محور مخاوف الغربيين عندما يتحدثون عن وصول الإسلام إلى البلدان الأوروبية عبر المهاجرين العرب والأتراك وغيرهم من الآسيويين وأبنائهم.

ورغم سقوط القسطنطينية كان التحول حضاريا وثقافيا قد أخذ مجراه لصالح الأوروبيين وأوصلهم من بعد إلى الحقبة الاستعمارية، التي قضت على نفسها بنفسها وكانت نهايتها في الحربين العالميتين.

وفي تلك الحقبة الاستعمارية ازداد انتشار ظاهرة "أنا" الغربي و"الآخر"، وتحولت إلى معادلة الحضارة والتخلف، والحرية والاستبداد، والإنجاز والعجز، ومن خلال ذلك حق السيطرة وبدهية خضوع الآخر.

وهنا يأتي الاستنتاج الرئيسي من النظرة التحليلية التاريخية المطولة في الفصل الثاني، وهو أن "انهيار الغرب عملية تفاعلية داخلية أشبه بمسيرة حياة بيولوجية مالت إلى نهايتها مع حتمية السقوط بعد فترة ازدهار حضاري".

"
بوش الابن سيدخل كتب التاريخ كشخصية مأساوية، مضى إلى أقصى الحدود بالعمل على فرض الزعامة الأميركية وهي في أوج قوتها، فأسقطها في الحضيض
"
نهاية عصر الاستعمار
تحت عنوان "الإمبراطورية ترد الضربة.. أوهام النصر بعد 1989".. يتناول المؤلف في الفصل الثالث أخطاء الحملة الأميركية الجديدة للهيمنة، ويتعمد تأريخها بما بعد العام 1989، أي تاريخ سقوط المعسكر الشرقي، وليس العام 2001 كما شاع الحديث بتأثير سياسة بوش الابن عقب تفجيرات نيويورك وواشنطن.

فالبداية الحقيقية هي في تبسيط كل ما في العالم من أوبئة معقدة وطرح دواء "نشر الديمقراطية" لها، والمؤلف يتبنى أصل هذه الفكرة ويرفض الوسيلة، فنشر الرؤية الحضارية الغربية مطلوب ولكن لا يتحقق في صيغة "إنسانية مسلحة"، كما يجسدها حديث بلير عن "حرب كوسوفو" باعتبارها "حربا إنسانية ضد الاستبداد".

ولا في تعليل حرب العراق في أن "الدول الحرة فقط يمكن أن تصبح شريكة للعالم الحر"، كما يقول الكاتب اليهودي ناتان شارانسكي مقارنا بين أوضاع المعسكر الشيوعي سابقا، ودول المنطقة العربية والإسلامية حاليا، وهو الذي استقبله بوش الابن في مقره بعد حرب كوسوفو الأطلسية.

هذا الطرح "الأخلاقي" من وراء الحرب أوصل مع مطلع القرن الميلادي الحادي والعشرين إلى إعادة الاعتبار إلى كلمة "الإمبريالية" في الغرب، بدعوى فرض الرؤية الثقافية الذاتية عالميا، وانتشر سيل الكتب والدراسات بهذا المعنى في السوق الأميركية.

وهنا يجد المؤلف أرضية غربية مشتركة من وراء الاختلاف الأميركي-الأوروبي بين استخدام القوة ومعارضته.

ففي هذه الأجواء كانت "نهاية التاريخ" عام 1989 وفق فوكوياما نهاية "الصراع الأيدولوجي"، بينما سيطر فكر "صراع الحضارات" عام 2001 كما طرحه "هنتنغتون" منذ العام 1993.

فكان تحرك بوش الابن تطبيقا لنظرية فوكوياما باعتبار "التطرف الإسلامي عقبة جديدة ظهرت على طريق نشر النظام العالمي المتجانس" وفق الرؤية الغربية له.

اليوم "يقف الغرب أمام أنقاض هذا المستقبل، بعد الإخفاق الذريع لحرب العراق وتغيير العالم وفق رؤية المحافظين الجدد".

التدخل باسم أسباب إنسانية وجد الرفض منذ بداية تسعينيات القرن الميلادي العشرين، وفكر الإمبراطورية والإمبريالية بقي مرفوضا مهما جرى تزويقه، ومعارضة فرض نظام عالمي أميركي انطلقت في دول الغرب نفسه وانتشرت عالميا.

ويؤكد المؤلف أن بوش الابن سيدخل كتب التاريخ كشخصية مأساوية، مضى إلى أقصى الحدود بالعمل على فرض الزعامة الأميركية وهي في أوج قوتها، فأسقطها في الحضيض.

فإذا صح قول بريجنسكي عن الرؤساء الأميركيين الثلاثة بعد 1989، أنهم "الزعيم العالمي الأول.. والثاني.. والثالث" فمن العسير تسمية من سيأتي بعد بوش الابن زعيما عالميا!.

"لقد تبخرت أوهام نشر إمبريالية جديدة، وما نعايشه هو المرحلة الثانية والفعلية والنهائية لنهاية عصر الاستعمار"، وفق ما يلخص المؤلف حصيلة الفصل الثالث من كتابه.

"
طرح العولمة الكاثوليكي هو الطريق الثالث للخروج من المواجهة بين الجهاد والسياسة الأميركية
"
بلسم كاثوليكي للحضارة الغربية
ويبحث المؤلف في الفصل الرابع عن سبل محافظة الغرب على بقائه، أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ويفسر نظرية هنتنغتون بأنه لم يطرح من خلالها "الصراع" للسيطرة بالمنظور الغربي، بقدر ما طرح المخاوف من السقوط وبالتالي الصراع من أجل البقاء.

وقد انتقد التناقض الشديد بين حديث "أحرار الغرب" عن مجتمع متعدد الثقافات داخل دول الغرب ومجتمع بشري يخضع للثقافة الغربية على المستوى العالمي، ومن هنا فهو يدعو -حسب قراءة المؤلف لنظريته- إلى تقوية الهوية الغربية داخليا والكف عن العمل لفرضها عالميا.

خوف هنتنغتون من سقوط الحضارة الغربية بدأ يتحقق، أما تصدير "الليبرالية" كما بدأت مشاريع تنفيذه عام 1989 على أساس نظرية فوكوياما فمحكوم بالإخفاق، فما يعتبره الغرب "عالميا" ويفخر به، تتبناه "أقليات" في مجتمعات غير غربية، ويصبح عملها على تسويده "إمبريالية" غربية.

ويستشهد المؤلف بمواقف البابا الكاثوليكي يوحنا بولص الثاني ولا سيما خلال زيارتيه للدار البيضاء ودمشق وكيف أصبح في نظر كثيرين في العالم الإسلامي "صديقا"، ليحذر بعد وفاته من سياسة تنهي صوت المصالحة لصالح صوت المواجهة، ربما بشيء من التلميح إلى مواقف بنديكت السادس عشر، ولكنه يدافع عنها بأنه يريد التأكيد أن العودة الذاتية إلى القيم الغربية شرط لا غنى عنه للحوار مع "الآخر" حضاريا وعقديا.

ومن هنا ينكر المؤلف ارتباط البابا الكاثوليكي بالمحافظين الجدد وفكرهم، ويقول إن طرح العولمة الكاثوليكي هو -حسب تعبير المؤلف- الطريق الثالث للخروج من المواجهة بين "الجهاد" و"عالم ماك" كما يصف السياسة الأميركية استعارة من اسم سلسلة مطاعم "ماك دونالد".

وفي خاتمة الفصل الرابع يؤكد المؤلف مجددا أن الغرب ما يزال يملك مقومات الاستمرار اقتصاديا وعسكريا، بل يملك رصيد "حماية حد أدنى من المستوى الحضاري في غابة الصراع على السلطة والأزمات الاقتصادية".

ويشيد بقول الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون عام 2004 عن المهمة الأميركية إنها "ليست حل كافة مشاكل العالم بل العمل على إيجاد عالم نحب العيش فيه عندما لا نكون القوة الكبرى الوحيدة فيه".

ويطرح عقب ذلك "نصائحه" للغربيين ألا يقفوا سلبيين تجاه تحديات خارجية من جهة، وأن يمتنعوا من جهة أخرى عن تكرار محاولة "تصدير الديمقراطية بالإكراه" وقد أخفقت، ويستعير من الطرح الكنسي الكاثوليكي شعار "وحدة الجنس الإنساني" ليكون من وراء صدام الحضارات، ليختم بالقول إن طوق النجاة للغرب موجود في مكان ما بين واشنطن وروما.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة