صعود وأفول السلام الدافئ مع الأردن   
الثلاثاء 1434/2/25 هـ - الموافق 8/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:47 (مكة المكرمة)، 11:47 (غرينتش)

عرض/ عدنان أبو عامر

لم يأت صدور هذا الكتاب منقطعاً عن حالة التوتر في العلاقات السياسية بين الأردن وإسرائيل، ووصولها في الفترة الأخيرة مرحلة الذروة، بعد قناعات باتت تسود القصر الملكي بأن حكومة اليمين في تل أبيب معنية باستغلال الأحداث الدائرة في الوطن العربي، لتحويل الأردن إلى دولة فلسطينية، وهو ما يفسر إدارته الظهر لرئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو"، وتصعيد حدة لهجته، وانتقاداته ضده مؤخراً.

-الكتاب: صعود وأفول السلام الدافئ مع الأردن
-المؤلف: شمعون شامير- أول سفير إسرائيلي بعمان
-لغة الكتاب: العبرية
-عدد الصفحات: 598
-الناشر: الكيبوتس الموحد, تل أبيب
الطبعة: الأولى/ 2012

يناقش الكتاب حالة القلق الإسرائيلي المتزايد في الآونة الأخيرة على مستقبل اتفاق السلام مع الأردن، والخوف من تعرضه لاهتزازات قوية، تكون لها امتدادات ستمس إسرائيل وأمنها، من خلال رصده لعدة تعبيرات لهذا القلق المتصاعد والمتزايد داخل أروقة صنع القرار الإسرائيلي، كاشفاً النقاب عن أن وزارتي الدفاع والخارجية، وعلى ضوء تصفحهما لتقارير استخباراتية إسرائيلية وأميركية، تتابعان باهتمام كبير التطورات في الأردن مع شعبة الاستخبارات العسكرية.

ويضيف: ما قد يعرض السلام الأردني الإسرائيلي للخطر الفعلي أن عمان تتدحرج وتنزلق نحو اضطرابات داخلية، وصراع لن يكون محصورا بين النظام الملكي والمعارضة الإسلامية ممثلة بالإخوان المسلمين والسلفيين، وإنما يشمل أيضاً أطرافاً ليبرالية وعلمانية، وجميع هذه الأطراف تضع اتفاق وادي عربة مع إسرائيل، على أنه الخطيئة الكبرى للعائلة المالكة، لاسيما بعد حالة البرود التي تعانيها اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، وظهور الأردن كما لو كان الحليف الوحيد لإسرائيل في المنطقة العربية.

كما يبرر المؤلف حالة "الاستنفار" التي تعيشها القيادة السياسية والأمنية الإسرائيلية في الفترة الأخيرة لمتابعة تطورات الوضع في الأردن، بالموقع الذي تحتله المملكة، وما تشكله من خطورة وحساسية بالنسبة لأمن تل أبيب، في حالة حدوث أي تغيير فيها، مما دفع صناع القرار فيها لاستدعاء قادة الاستخبارات والجيش للاستفسار منهم عن التداعيات التي قد تنتج عن الاحتجاجات واسعة النطاق التي يشهدها الأردن قبل أسابيع.

ويبدي "شامير" مخاوف تل أبيب مما أسماها "النقطة الجوهرية والمحورية"، التي تشدد عليها تل أبيب من مخاطر أفول اتفاق السلام الأردني الإسرائيلي، لأنها تفوق المخاطر التي تتشكل على حدود إسرائيل مع مصر أو لبنان أو سوريا، مرجعاً ذلك إلى قرب الحدود الأردنية وطولها، حيث تمتد لأكثر من ستمائة كيلومتر، وأي تغيير في الأردن سيحمل معه نظاماً جديداً سيكون عدواً لإسرائيل، وعدائياً لها، على الأخص إذا كان ذا توجهات إسلامية، كما أن تعميم أنظمة متجانسة في الأردن ومصر وغزة، بالإضافة لدول عربية أخرى، سيوفر فرصة كبيرة لقيام تآلف ضد إسرائيل، يضم الأردن ومصر بعمق إستراتيجي.

ويتطرق الكتاب في فصوله إلى أهم محاور معاهدة السلام مع الأردن، التي تعالج في معظمها التعاون بين البلدين، الاقتصادي والأمني، خلافاً لمعاهدة السلام مع مصر التي جاءت في الأساس لتكرس الأمن بينهما، زاعماً أن الملك حسين أراد من المعاهدة أن تصبح إسرائيل شريكاً إستراتيجياً للأردن، بدلاً من أن تبقى تهديداً، ودفن فكرة "الوطن البديل"، فضلاً عما يعود به السلام على الأردن بالنفع الاقتصادي.

الجبهة الشرقية
ومع ذلك فإن هذه المبادئ الثلاثة التي دفعت الحسين إلى عقد السلام مع "إسحق رابين" تزعزعت، وفقاً لما يقول المؤلف، لأن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تثبت هذه المبادئ، مسهباً في تفصيل الأحداث التي مست بالعلاقة البينية، وخلقت جواً من عدم الثقة بين البلدين مثل: محاولة اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وسط العاصمة عمان، واستمرار الحديث عن فكرة "الوطن البديل"، والتصرف بمدينة القدس الشرقية دون التشاور مع الأردن، ورغم أن هذه الأحداث في مجموعها لم توجه ضد الأردن بالأساس، لكن تداعياتها وضعته في مواقف محرجة، داخلياً وخارجياً.

ورغم أن الكتاب يهدف كما يقول مؤلفه لتحليل الأخطاء، والاستفادة منها لتحسين العلاقات مع المملكة، لكن المتابع لسرد تطور السلام بين الدولتين يخرج بانطباع مفاده أن إسرائيل تخلت عن "الاستثمار" في الأردن بعد ضمانها الهدوء من "الجبهة الشرقية"، بعد أن شكل الغزو الأميركي للعراق، واتفاق وادي عربة واقعاً جديداً من ناحيتها، أسقط التهديد من هذه الجبهة، مع بقاء تل أبيب ضاغطة على واشنطن بدعم عمان بما يقرب من 350 مليون دولار سنوياً، عبر لعبها دوراً مهماً في إقناع الكونغرس بنقل هذا العون دون انقطاع.

وذكر الكتاب أن معاهدة السلام بين البلدين تحدثت عن تطوير العلاقات الثنائية في المجالين الأمني والاقتصادي، مسهباً في الحديث عن مشاريع تتعلق بالغاز، والزراعة والغذاء والماء، لكنها جميعاً لم تثمر حتى الآن، فالأردن ما زال بلداً فقيراً، والشارع الأردني لم يشهد ثمار السلام مع إسرائيل بعد!

وأكد الكتاب، الذي استند إلى العديد من الوثائق والحوارات السياسية مع جملة ممن شاركوا في اتفاق السلام مع الأردن عام 1994، أن مستقبل المملكة المجاورة محفوف بالمخاطر في ظل الظروف السياسية الراهنة، ولجوئها المتتابع إلى المساعدات الدولية الممنوحة لها لمواجهة التحديات، معرجاً على ما تسببت به الانتفاضات العربية بالفعل في تدهور توازن إسرائيل الجيو-إستراتيجي.

رغم السلام البارد جدا القائم مع الأردن، فلا تزال إسرائيل تصر على ضرورة الحفاظ على حوار معقول معه، بعد أن ترك القضاء على نظام مبارك في مصر فراغاً كبيراً

ورغم السلام البارد جدا القائم مع الأردن، فلا تزال إسرائيل تصر على ضرورة الحفاظ على حوار معقول معه، بعد أن ترك القضاء على نظام مبارك في مصر فراغاً كبيراً، وهو ما يرفع من مستوى التخوف الإسرائيلي من أن العلاقات بين عمان وتل أبيب غدت مقتصرة على اتصالات بين الأجهزة الأمنية في البلدين.

يذهب الكتاب إلى سبب آخر فيما أسماه "برود السلام" بين إسرائيل والأردن، ووصل حد تهجم الملك عبد الله على "نتنياهو" شخصياً في لقاءات متلفزة وحوارات خاصة، ويتعلق بالتخوف الذي يسيطر على العائلة المالكة في الآونة الأخيرة، ومفادها أن فرضية إقامة الدولة الفلسطينية آخذة في التراجع، والخشية أن تدفع أطراف سياسية محلية وإقليمية ودولية باتجاه أن يكون الأردن هو الدولة الفلسطينية الموعودة! وهو ما يفسر أن تصريحات عمان الأخيرة بهذا الاتجاه القاسي تجاه تل أبيب تعبر عن أزمة خانقة تحيط بالقصر الملكي، وقناعة سائدة بأن كرسي المملكة ليس بالضرورة آمناً، في ضوء الأغلبية الفلسطينية في الأردن!

ينتقل الكتاب إلى محور يؤرق تل أبيب أكثر من أي أمر آخر، ويتمثل بالمخاوف الشديدة من تحوّل حدود إسرائيل مع الأردن إلى قنبلة موقوتة، لتهريب السلاح والوسائل القتالية من جهة، وتسلل العناصر المعادية من جهة أخرى، كما هو عليه الحال مع الحدود المصرية، واصفاً ما قد يحدث إذا ما تضرر اتفاق السلام مع عمان بـ"القنبلة الموقوتة".

الاستقرار الإقليمي
كما أن منطقة البحر الميت، قرب الحدود الأردنية، تقض مضاجع كبار الضباط في المنطقة الوسطى من الجيش الإسرائيلي، الذين ينبهون إلى حركة الفلسطينيين ممن يستطيعون اليوم الوصول بلا عائق تقريباً إلى شواطئه، كما أن قوات الجيش تجري في هذه المنطقة دوريات دائمة، وتبذل قدر استطاعتها جهوداً تقنية جديدة لإحباط كل محاولة مسلحة عدائية في هذه الحدود المصنفّة إسرائيلياً بـ"السلمية"، كاشفاً النقاب عن خطة أعدها الجيش لشراء قطع بحرية خاصة تبحر في البحر الميت، لاصطياد كل من يحاول تنفيذ عمليات تهريب من الجانب الأردني.

كما أن الخوف الرئيسي عند أجهزة الأمن في إسرائيل من قارب مطاطي ذي محرك، يدخل البحر الميت من جهة الأردن، ويستطيع في غضون عشرين دقيقة الوصول للجانب الإسرائيلي، وينفذ عملية فدائية، مفصحاً عن قيام قوات الأمن الأردنية بإحباط محاولات التهريب، ومنع تنفيذ العمليات العسكرية ضدّ إسرائيل!

الكتاب، وانطلاقاً من كون مؤلفه يرتبط بصلات وثيقة مع دوائر صنع القرار في تل أبيب وعمان، يكشف عن لقاءات عديدة عقدت بين مسؤولين إسرائيليين وأردنيين بعيداً عن وسائل الإعلام، حتى في لحظات التوتر والجمود، على اعتبار أن هناك مصالح متبادلة بينهما تجعلهما حريصين على بقاء اتفاق السلام، رغم ما قد يعترضه من إشكاليات داخلية وخارجية، لأن موقف الأردن من معاهدة وادي عربة تُمليه بقدر كبير مصالح إستراتيجية حيوية، ونظرة أمنية بعيدة المدى، والعلاقات مع الولايات المتحدة، مما يُملي عليه الحفاظ عليها، وإن جرى تطبيقها بمستوى منخفض فقط.

ويعتقد المؤلف أن نجاح الملك عبد الله في صد الضغوط الأردنية الداخلية لإلغاء المعاهدة سيكون منوطاً بعدد من التطورات أهمها: المسيرة السياسية الإسرائيلية الفلسطينية، مساهمة إسرائيل في دعم الاقتصاد الأردني، التعاون الثنائي في مواضيع المياه، الطاقة والبنى التحتية، مشاريع اقتصادية مشتركة، وكل ذلك سيشكل حاجزاً يحمي المعاهدة في وجه الضغوط التي تمارس عليها، وسيساعد في إسكات بعض الأسس المناهضة لتل أبيب في عمان.
نجاح الملك عبد الله في صد الضغوط الأردنية الداخلية لإلغاء المعاهدة سيكون منوطاً بالمسيرة السياسية الإسرائيلية الفلسطينية، ومساهمة إسرائيل في دعم الاقتصاد الأردني

ويؤكد الكتاب أن إسرائيل ترى في الأردن "شريكاً إستراتيجياً" في الاستقرار الإقليمي، والعلاقة الخاصة المتبادلة على الصعيد الأمني، التي تتميز بـ"الشفافية والانفتاح"، بعكس مصر، ما يحتم عليها الاستمرار في الالتزام بسلامة المملكة وأمنها ومصالحها، والمساهمة في تحقيق ذلك، رغم ما قد يلاحظ أحياناً من اتجاه عمان نحو سياسة "تبريد" العلاقات مع تل أبيب، في ظل استمرار التنسيق حول قضايا الأمن والمياه.

يصل الأمر بالكتاب لأن يصف هذه الفترة بـ"الأسوأ" في التاريخ القصير للسلام بين الدولتين، مع ما قد يحمله ذلك من خسارة إسرائيلية لما تعتبره "ذخراً إستراتيجياً" من الطراز الأول، وأي مخاطر تهدد بقاءه من خلال اتفاق السلام تعتبر تهديداً وجودياً لإسرائيل، لأن الآلاف من الإسرائيليين مدينون ببقائهم على قيد الحياة للجهود التي تبذلها أجهزة أمن المملكة!

المؤلف.. باحث ودبلوماسي
يكتسب الكتاب الصادر لتوه أهميته من كون مؤلفه البروفيسور "شمعون شامير" (80 عاماً)، فضلاً عن كونه السفير الإسرائيلي الأول في الأردن، والسفير الثالث في مصر، فإنه باحث إسرائيلي مخضرم في شؤون الشرق الأوسط بالجامعات الإسرائيلية، ونشر العديد من الكتب والمؤلفات التي تعالج الجذور التاريخية للصراعات في المنطقة منذ الدولة العثمانية، وبعد اتفاقية كامب ديفيد، أقام معهداً بحثياً خاصاً بدراسة المجتمع المصري من جميع نواحيه التاريخية والاجتماعية والسياسية.

كما أسس "شامير" عدداً من المحافل البحثية والعلمية أهمها "معهد شتاينميتس" لأبحاث السلام، والمعهد الدبلوماسي والتعاون الإقليمي، ومركز دراسات الشرق الأوسط بالتعاون مع جامعة هارفارد، وباحث زائر بجامعات بنسلفانيا وكورنيل وكاليفورنيا، وانخرط في العمل البحثي ضمن مركز دراسي تابع للكونغرس الأميركي.

ومن خلال عمله كسفير أول في عمان، أقام "شامير" علاقات جد وثيقة مع القصر الأردني، لاسيما الملك حسين، وبذل جهوداً حثيثة لتبديد أي مخاوف مشتركة، وإزالة جميع العقبات التي اعترضت الجانبين لتطبيق اتفاق السلام.

ومن أهم مؤلفاته المنشورة: سوريا وأرض إسرائيل في المرحلة العثمانية، المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، النخب الثقافية في مصر والعالم العربي، تاريخ مصر في العصر الحديث، العلاقات الإسرائيلية العربية وعملية السلام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة