قضايا المهاجرين العرب في أوروبا   
الثلاثاء 1432/5/24 هـ - الموافق 26/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:09 (مكة المكرمة)، 13:09 (غرينتش)

عرض/ شرين يونس

أصبحت قضايا الهجرة والمهاجرين ضمن البنود الرئيسية في المؤتمرات والقمم الدولية والإقليمية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول وما تلاها من اتهامات وجهت للمهاجرين العرب والمسلمين، وبعد تزايد وتيرة ضحايا قوارب الموت، وتعاظم تجارة البشر عالميا.

يتناول كتاب "قضايا المهاجرين العرب في أوروبا" للباحث مصطفى عبد العزيز مرسي, مجموعة من القضايا المتعلقة بالمهاجرين العرب في الدول الأوروبية، كمشكلات اندماجهم، وكيفية حماية حقوقهم، ومغانم ومغارم الهجرة.

دوافع الهجرة

-الكتاب: قضايا المهاجرين العرب في أوروبا
-المؤلف:مصطفى عبد العزيز مرسي
-عدد الصفحات: 280
-الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية, الإمارات
-الطبعة: الأولى/ 2010

لا توجد نظرية متكاملة أو نموذج شامل لتفسير أسباب الهجرة، فتتراوح محفزاتها بين الدوافع الاقتصادية بالرغبة في تحسين الوضع الاقتصادي، في ظل تباين الأجور بين الشمال والجنوب، ومساهمة التحويلات المالية للمهاجرين في خلق نسق قيمي يجعل الهجرة حلمًا لدى مجموعات أخرى من الإقليم ذاته.

وهناك الدوافع الاجتماعية في البحث عن المكانة الاجتماعية، وأثر هذه الهجرات في مستوى الحياة الاجتماعية والهياكل الاجتماعية وتغيير أنماطها وظروف التنمية بها، إضافة إلى ازدياد الفجوة بين دول الشمال والجنوب، وتحول الأخيرة إلى دول الهامش في النظام الاقتصادي الدولي.

إلى جانب طبيعة بعض المجتمعات المحفزة للترحال والهجرة، مثل المجتمعات الأفريقية، سواء للظروف السيئة أو الكوارث البيئية والحروب والصراعات، فضلا عن العلاقات التاريخية التي تربط بين دول معينة في الشمال والجنوب منذ حقب الاستعمار السابقة.

ولا تعتبر كل أنواع الهجرة طوعية، فهناك التهجير الذي يحدث باقتلاع مجموعات بشرية من أوطانها، نتيجة لصراعات إقليمية أو دولية، كما حدث مع العراقيين إثر احتلال العراق عام 2003، و هجرة تيارات من اللبنانيين خلال فترات الحرب الأهلية وبعد حربه مع إسرائيل في 2006.

وهناك الهجرة الإحلالية كالهجرة اليهودية إلى فلسطين، التي ترتب عليها تهجير قسري للسكان الأصليين و إحلال مهاجرين يهود محلهم.

ينتقل الكاتب للحديث عن تأثيرات الهجرة على الوضع الديمغرافي، من خلال ما تلعبه الهجرة من إعادة توزيع النوع البشري على مساحات أرضية معينة، والمواءمة بين هذه الأعداد السكانية والموارد الطبيعية، بالإضافة إلى اعتبارها آلية للتغير الاجتماعي.

وبرغم ذلك يؤكد الكاتب ضرورة التعامل مع مسألتي الهجرة والوضع الديمغرافي بشكل منفرد، لما في اللجوء للهجرة كحل لمعالجة لانخفاض في عدد السكان من آثار سلبية في الهيكلين الاجتماعي والسياسي في الدول، وأخذ تأثير الهجرة في التجانس السكاني في الحسبان.

معاناة الاندماج
يتطرق الكاتب في الفصل الثاني للحديث عن أنماط التفاعل والتأقلم بين المهاجر والمجتمع الجديد، ويحددها بأربعة مستويات للتفاعل والتأقلم، هي: العزلة الاختيارية، والتهميش، والاندماج، والاستيعاب والانصهار.

فتحدث العزلة طوعا أو كرها عند تقليل نقاط حالات التفاعل والتعايش إلى أقل حد ممكن، وقصر ممارسة الحياة العادية داخل جيتو العزل، وهو إما لمنطلقات عنصرية بزعم التفوق والخشية من الذوبان لدعاوي دينية أو اجتماعية أو سياسية، وإما من منطلق الإحساس بالنقص وانعدام الثقة بالنفس.

أما التهميش فهو فقد مجموعة من المهاجرين الاتصال بثقافتها وتقاليدها، مع بقائها في الوقت نفسه خارج الاتجاه السائد بالمجتمع المضيف، وكلما زاد عزل المهمشين، أصبحوا أكثر راديكالية في أفكارهم وتصرفاتهم وردود أفعالهم.

ويعني الاندماج في أحد معانيه "الثنائية التوفيقية"، فهو يتضمن عملية ذات اتجاهين للمواءمة المتبادلة بين المهاجرين والشعوب المضيفة، حيث يتعلم كل طرف من ثقافة الآخر، مع الإبقاء على بعض الميراث الثقافي.

"
تفاعل المهاجر العربي والمسلم داخل المجتمعات الأوروبية والأميركية يرتبط نتاجه في النهاية بمدى استعداد المهاجر للاندماج، وما تسمح به الأوضاع والظروف من هذا الاندماج أو عرقلته
"
وفي إطار الاستيعاب والانصهار يصبح المهاجر جزءا لا يتجزأ من المجتمع الذي هاجر إليه، فينشغل بهمومه ومشكلاته، في مقابل التخلي عن جانب كبير من مقومات هويته الثقافية.

وتختلف الدول الأوروبية في نظم تعاملها مع المهاجرين، فبينما تسعى فرنسا لفك ارتباط المهاجرين بثقافاتهم الأصلية والسعي لاستيعابهم وتذويبهم في بوتقة الانصهار الوطنية الفرنسية، يتيح النموذج البريطاني مجالا للتنوع الثقافي والتنوع العرقي.

وفي حين لا تتوافر بيانات إحصائية متكاملة لأعداد المهاجرين العرب والمسلمين إلى دول الاتحاد الأوروبي، تشير بعض التوقعات إلى أن عدد العرب في أوروبا بعد ثلاثين سنة سيصبح بين 25 و65 مليون شخص، وتقدر مصادر أخرى عدد مسلمي الاتحاد الأوروبي بما بين 15 و20 مليون مهاجر.

ويذكر الكاتب أن وجود الجاليات العربية والإسلامية بصفة عامة في الاتحاد الأوروبي، أوجد تفاعلا اجتماعيا وثقافيا باتجاهين، أولهما سلبي يدعو إلى الانعزال و الانغلاق، والآخر يتعايش والقيم الغربية السائدة واضعا دورا للإسلام الأوروبي في إطار الحداثة الأوروبية.

ويخلص الكاتب إلى أن تفاعل المهاجر العربي والمسلم داخل المجتمعات الأوروبية والأميركية يرتبط نتاجه في النهاية بمدى استعداد المهاجر للاندماج، وما تسمح به الأوضاع والظروف في بيئة الدولة المضيفة من عوامل ميسرة لهذا الاندماج أو معرقلة له.

سياسات الهجرة والاندماج
يخصص المؤلف الفصل الثالث للحديث عن سياسات الهجرة والاندماج بدول الاتحاد الأوروبي، وما يشهده الواقع من فجوة بين المفاهيم والتطبيقات.

فقد لعبت ظاهرة القصور الديمغرافي دورا مهما في تشجيع دول الاتحاد الأوروبي على استقبال المهاجرين، خاصة فيما يتعلق بانخفاض النمو السكاني وتراجع أعداد العمال من الشباب.

فتتوقع المفوضية الأوروبية أن تصل نسبة المسنين في قوة العمل إلى نحو 32% من إجمالي السكان، وستنخفض نسبة فئة الشباب في قوة العمل بمقدار 18% من إجمالي السكان عام 2025.

أما بالنسبة لتراجع عدد السكان، فنجد مثلا أن 10 ملايين فرنسي من أصل 55 مليونا من الذين تجاوزوا الستين سيصبحون 15 مليونا عام 2020، دون أن يزيد العدد الإجمالي للسكان، وفي ألمانيا سيتراجع سكانها من 79 مليون نسمة إلى 60 مليونا عام 2020.

ولمواجهة هذا العجز، قدر قسم السكان بالأمم المتحدة في أحد تقاريره أن أوروبا بحاجة إلى استدعاء 47.5 مليون مهاجر في الحد الأدنى و 159 مليون مهاجر في الحد الأقصى في السنوات القادمة حتى عام 2050.

"
أحداث 11 سبتمبر/أيلول  وتفجيرات لندن ومدريد، عرقلت عمليات الاندماج بدول الاتحاد الأوروبي، وزادت من الهاجس الأمني، تجاه المهاجرين المسلمين والعرب
"
ورغم هذه الحاجة الملحة للمهاجرين، اعتبر المؤلف أن أحداث 11 سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة الأميركية وتفجيرات لندن ومدريد، عرقلت عمليات الاندماج بدول الاتحاد الأوروبي، وزادت من الهاجس الأمني، خاصة تجاه المهاجرين المسلمين والعرب.

فبدأت دول أوروبية في تطبيق سياسة انتقائية لاختيار المهاجرين الجدد، وسعت أخرى لتقليل أعداد المهاجرين العرب المقيمين فيها، وظهرت تشريعات تؤكد نظرة الخوف من الإسلام كحظر البرلمان الفرنسي للحجاب في المدارس العامة في مارس/آذار 2004.

ويؤكد الكاتب أن التغيير الإيجابي المأمول في هذه النظرة إلى المهاجرين المسلمين والعرب في قلبهم سيتطلب جهودا متواصلة من المسلمين ووقتا طويلا.

الهجرة غير القانونية
انتقل الكاتب في الفصل الرابع للحديث عن إشكالية الهجرة غير القانونية التي عدها إحدى إفرازات الفجوة التنموية بين الشمال والجنوب، والتي قدرت عائداتها بعض المصادر بنحو 12 مليار يورو سنويا، في حين بلغ عدد ضحايا قوارب الموت بالبحر الأبيض المتوسط خلال الفترة 1989-2002 بما بين 8000 و10,000 شخص سنويا.

ويرى الكاتب أن تشديد قوانين الهجرة وتطبيق سياسات انتقائية للمهاجرين خاصة ضد العرب والمسلمين، أديا إلى زيادة الهجرة غير الشرعية.

ورغم تشدد دول الاتحاد الأوروبي في مواجهة مشكلة الهجرة غير القانونية، يرى المؤلف صعوبة الاكتفاء بالطرائق الأمنية التي تتبعها معظم الدول، وضرورة السعي لتنمية المناطق الفقيرة والعمل على فض النزاعات المسلحة في القارة السمراء، وحشد الجهود الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة.

وانتقل الكاتب للحديث عن مغانم الهجرة ومغارمها، واعتبر أن تحويلات المهاجرين المالية أكثر فوائد الهجرة الدولية الفورية والملموسة، والتي ارتفعت على المستوى العالمي بأكثر من الضعف خلال العقد الماضي طبقا لتقديرات البنك الدولي، فبلغت قرابة 276 مليار دولار عام 2006.

"
من أجل تشجيع عودة المهاجرين من ذوي المهارات لابد من السماح بازدواجية الجنسية وتسهيل تحويل الموارد المالية، وتقديم إعفاءات ضريبية، وتوفير فرص العمل عند العودة
"
وبرغم الأهمية الاقتصادية لتحويلات المهاجرين، يرى البعض أنها غرست النمط الاستهلاكي المحموم، وأدت لتزايد التفاوت في مستويات الدخل وتدهور القيمة الاجتماعية للعمل المنتج وتفكك الروابط الأسرية، والانصراف عن القضايا القومية إلى الانشغال بالمكسب المادي.

ويرى الكاتب أن صافي العائد الإيجابي للتحويلات يرتبط بحسن توظيفها وتوجيهها الوجهة الإنتاجية وخلق البيئة الاستثمارية القادرة على جذبها.

ومن بين مغارم الهجرة، ما يعرف بهجرة العقول والكفاءات من دول الجنوب، التي تعاني منها المنطقة العربية على الأخص، حيث بلغت خسائرها جراء هجرة علمائها نحو مائتي مليار دولار طبقا لتقرير لجامعة الدول العربية نشر عام 2001.

ودعا الكاتب إلى تشجيع عودة المهاجرين من ذوي المهارات، بالسماح بازدواجية الجنسية وتسهيل تحويل الموارد المالية، وتقديم إعفاءات ضريبية، وتوفير فرص العمل عند العودة والسماح بدخول المهاجرين من ذوي المهارات من بلدان أخرى.

وتطرق الكاتب إلى ظاهرة فك الارتباط التكنولوجي الإجباري لدول الجنوب، التي ظهرت جليا بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001، للحيلولة مستقبلا دون امتلاك العرب القدرات العلمية والتكنولوجية الحديثة.

وأورد ما جاء في دراسة أعدتها الرابطة الأميركية للتقدم العلمي، أوصت فيها بحظر عدد من المعارف والبرامج التعليمية والتدريبية على مبعوثي العالم النامي، وبضرورة تقصي وضع الطلاب الوافدين الأجانب المسلمين منهم والعرب، خاصة حاملي تأشيرات الدخول التعليمية.

ومن هنا دعا المؤلف إلى أهمية السعي لاكتساب الاقتدار التكنولوجي بالاعتماد على الجهود العربية الذاتية وتوجيه مزيد من الاهتمام لعلمائنا المهاجرين وبحث سبل توثيق الروابط بهم بشكل أفضل.

حقوق المهاجرين وضغوط العولمة
في فصله الأخير يرى المؤلف أن العولمة أضافت أبعادا جديدة وقواعد للتعامل الدولي والعمالة الوافدة، تم تقنين بعضها والآخر في طريقه إلى استكمال تقنينه، وقد أوجد ذلك شكلا مستجدا أكثر عمقا للتداخل بين الشؤون الداخلية والالتزامات الدولية.

"
معالجة قضايا الهجرة تستوجب التعاون الدولي على أساس تحقيق النفع المتبادل لكل من الدول المرسلة للمهاجرين والدول المستقبلة إياهم
"
وتحدث المؤلف عن سياسات الدول العربية تجاه أبنائها المهاجرين، مؤكدا أن معظمها لا تتوفر لديه سياسات متطورة وشاملة للتعامل مع قضايا الهجرة.

ودعا المؤلف إلى ضرورة اتخاذ الدول العربية مواقف منسقة وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني فيها لتتمكن من ممارسة ضغوط مؤثرة في مواقف الدول الأوروبية على المستويين الرسمي وغير الرسمي.

ويخلص الكاتب إلى أن معالجة قضايا الهجرة تستوجب التعاون الدولي على أساس تحقيق النفع المتبادل لكل من الدول المرسلة للمهاجرين والدول المستقبلة إياهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة