من أجل بناء الاتحاد العربي   
السبت 12/2/1430 هـ - الموافق 7/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:38 (مكة المكرمة)، 13:38 (غرينتش)


ربما لا يصدّق أحفادنا أن أجدادهم عرفوا حضيض العجز الذي نعيش مثلما يصعب على الصينيين أن يصدقوا أنه وجد يوما لافتة على باب حديقة عمومية في بلدهم مكتوب عليها "ممنوع على الكلاب والصينيين"، أو على اليهود أنه وجد من تجرأ عليهم وحشرهم في المحتشدات.

قد تعقد الدهشة لسانهم وهم يستعرضون عبر ما سيعرف بمجزرة وملحمة غزة أهم مظاهر هذه الحقبة المشينة من تاريخنا.

- أطفال ونساء يستغيثون وامعتصماه طيلة ثلاثة أسابيع تحت كل أصناف القنابل ليلا ونهارا ولا من نصرة جدية.
- شعوب عربية تغلي غضبا ولا تستطيع شيئا وهي محاصرة بجيوش جرارة تقف مكتوفة الأيدي وإن استعدّت في ثكناتها فلضربها هي.

- اثنان وعشرون دولة لا تزن صفرا، وأعجز على صعيد السياسة العالمية من فرض الحقوق الدنيا لضحايا أكبر جرائم حرب بداية القرن الحادي والعشرين.
- ملوك طوائف أضعف حتى مما عرفت الأندلس في أوج تفككها، نظموا ثلاث قمم "للتشاور" ولم تخرج واحدة بنتيجة لإنقاذ أطفال غزة ونسائها.

- رئيس أكبر جملكية عربية طرف في حصار غزة ووزير خارجيته يهدّد بقطع رجل أي جائع أو مريض يتجاسر على حدود مزرعة سيده، ووزير مخابراته يلعب دور الوسيط بين العدوّ الصهيوني والضحية العربية بل ويسعى لفرض شروط الأول على الثانية.

"
لماذا يبدو وكأنه حكم علينا نحن العرب بأن نبقى مشتتتين ضعفاء مهزومين تابعين عاجزين عن حماية أنفسنا وثرواتنا وفرض مصالحنا المشروعة؟
"
ولأننا نفترض أنه سيكون لنا مستقبل غير الأظلم الذي ينذر به الوضع الحالي فإننا سنجعل تلامذتنا يبدون استغرابهم وذلك لعيشهم في وضع جد مختلف، ومنه النظام السياسي.

كم سيبدو لهم بديهيا أن شيئا كمجزرة غزة ما كان يحصل لو كان لعرب تلك الجاهلية الأخرى كيان سياسي مثل الذي يحميهم ويعطيهم مكانتهم في العالم: الاتحاد العربي.

نعم هل كانت غزة تعيش ما عاشته لو كان للعرب اتحاد له رئاسة دورية فاعلة وبرلمان حقيقي منتخب من قبل شعوب هي سيدة مصيرها ومعاهدة دفاع آلية.

هل كانت قيادة إسرائيل تتجاسر على مغامرتها الخرقاء وهل كان الربيب الأميركي يسمح لها بإطلاق رصاصة واحدة ونحن متحدون، بل هل كنا نجد نفسنا أصلا في الوضع الذي سمح بالمأساة المخزية؟

لكن لماذا نعجز عن إيجاد الحد الأدنى من التنسيق الفعال، والحال أن الاتحاد العربي، لو وجد، لجعل منا خامس أمة عظمى بعد الصين والهند والولايات المتحدة وأوروبا؟

ما الذي منع ولا يزال من قيام مثل هذا الاتحاد الموجود وإن بسلطات مختلفة، في أوروبا، وفي الهند، وفي الولايات المتحدة، وكلها بلدان تعيش شعوبها في كنف نظام سياسي يجمع دولا مختلفة تقوى ببعضها ومن ثم تستطيع الدفاع عن مصالحها بنجاعة أكثر؟

لماذا يبدو وكأنه حكم علينا نحن العرب بأن نبقى مشتتتين ضعفاء مهزومين تابعين عاجزين عن حماية أنفسنا وثرواتنا وفرض مصالحنا المشروعة؟

أخيرا لا آخرا لماذا فشلت لحد الآن كل محاولات بناء اتحاد جدي وفعال بدأت مع المغفور لها الجامعة العربية التي تتواصل بمفاوضات البحث عن وحدة الفصائل الفلسطينية مرورا بالتجربة الناصرية والبعثية واتحاد المغرب العربي ودول الخليج وكل الهياكل الفارغة التي تولدت عنها مثل البرلمان العربي؟

الرد ببساطة لكن دون تبسيط: طبيعة النظام السياسي العربي المسلط على شعوبنا من الخليج إلى المحيط.

هذا النظام لا يختزل في شخص هذا الدكتاتور أو ذاك، حيث من الثابت أنه لن يجدينا نفعا أن يستلم السلطة غدا القلال أو السرياطي بدل بن علي في تونس، أو سيف الإسلام بدل معمر في ليبيا، أو جمال بدل حسني في مصر، مثلما لم يغير شيئا استلام بشّار بدل حافظ في سوريا ومحمد بدل الحسن في المغرب وعبد الله بدل الحسين في الأردن.

خذ أحسن الناس وضعهم لإدارة النظام السياسي العربي الحالي ولن تختلف النتيجة عما وصلت إليه الناصرية. الداء ليس في الأشخاص وإنما في نظام له نفس الخصائص وطرق العمل وبالتالي نفس النتائج الكارثية.

إن أردت أن تفهم بعمق طبيعة الأسد الذي علينا، والنعامة التي وضعت رأسها عميقا داخل الرمل في الحرب على غزّة، تخيله كثمرة الخوخ.
- القشرة الخارجية هي السلطة الصورية (برلمان وانتخابات ومؤسسات وكل مظاهر الدولة العصرية).

- اللب هو السلطة الفاعلة لأجهزة القمع الممثلة أساسا بالمخابرات.
- النواة الصلبة وهي السلطة الفعلية المتمثلة في إرادة الزعيم الأوحد وحقه المطلق في أخذ كل القرارات ناهيك عن حقه في التأبيد والتوريث.

"
طبيعة نظامنا السياسي تمنع كل تقدم فعلي وكل إمكانية الإصلاح السلمي عندما تختل التوازنات كما تمنع أي تنسيق فعلي بين دولنا، فما بالك بوحدة القرار
"
مثل هذا النظام أينما وضعته سيكون طريق المجتمع إلى الهلاك بآليات لا تخفى على أبسط الناس.
- اصطفاء الزعيم الأوحد لكل من هو متملق وخانع، وتخلصه من كل شخصية قوية قد تشكل خطرا على تسلطه ومن ثم امتلاء مراكز القرار بالردائقراطية التي تصبح هي فعلا سيدة البلاد والعباد.

- انتشار الفساد بما أن السلطة المطلقة تعني نهب المال العمومي وتوزيعه على العائلة والبطانة، بل واستعماله لشراء الذمم كإحدى أنجع وسائل الحكم.

- لا فعاليات السياسات الاقتصادية والاجتماعية والخارجية لأنها تقاد بمعزل عن كل نقد وتقييم ولا تخضع إلا للقرارات "السديدة" و مزاج وأهواء القائد المفدى وحكمته "الفطرية"، ومن ثم كثرة الأزمات المغطى على عمقها وخطورتها واستفحالها المتواصل.

- أخيرا ولا آخرا ضرورة تثبيت وضع يتناقض مع مصالح الأغلبية وقيمها بإرهاب الدولة، وخاصة التعذيب الذي يجب أن تصل بعض صرخاته للمجتمع ليفهم أنه لا مزح مع سيده المطلق.

كل هذه الآليات تنهك المجتمع وتستنزف طاقاته نتيجة الأزمات الناجمة عن سوء الإدارة والقمع الوحشي، وخاصة نتيجة كسر روحه المعنوية وكرامته بفرض تصرفات الخنوع وانتشار الجبن والانتهازية والعدمية، وتصاعد مشاعر المهانة التي كثيرا ما تنتهي بكره الذات والوطن نفسه.

هذه الشعوب المنهكة الخائرة القوى هي التي أفشل الاستبداد كل قدرة لها على أن يكون لها وزن على الصعيد الخارجي، أو أن تستطيع فعل شيء، ومثل هذا النظام يمنع آليا قيام أي نوع من التنسيق -اللهم إلا في المجال البوليسي- بين دولها.

فالأسياد لا يقبلون أي تدخل في شؤون مزرعتهم أو أي تنازل عن ذرة نفوذ لصالح سلطة أعلى من سلطتهم، اللهم إلا إذا كانوا هم من يمارسونها. أضف لهذا أن كل دكتاتور مصاب بتورم في الأنا يصل به أحيانا إلى جنون العظمة، ومن ثم فهو لا يطيق كبيرا بجانبه خاصة إذا كان جارا يمكن أن يشكل تهديدا له ويتطلب الوضع الاستعانة بالأجنبي عليه.

كيف نستغرب ألا يخرج شيء من قممهم ومتى اتحدت الدكتاتوريات بينها؟ لنفرض الآن أن أحدهم هداه الله لمصلحة الشعب والأمة فقام بينهم مناديا بالإصلاح الداخلي والاتحاد الفعلي ولو على حساب سلطته هو، متصورا أنه يستطيع المناورة داخل نظام فاسد برمته، مثل هذا المسكين لن يعمر طويلا وقد أصبح خطرا على الجميع.

إنها الآلية التي طولب بموجبها برأس عبد الناصر، إذن فطبيعة نظامنا السياسي تمنع كل تقدم فعلي وكل إمكانية الإصلاح السلمي عندما تختل التوازنات كما تمنع أي تنسيق فعلي بين دولنا، فما بالك بوحدة القرار.

لذلك نحن اليوم أكثر من أي وقت مضى في مفترق طرق مصيري، إما أن نقضي على نظامنا السياسي الحالي وإما أن يقضي هو على امتنا لأجيال طويلة.

قيل إن كل الأحلام لا تتحقق، لكن ما تحقق من كبريات الأمور في تاريخ الأمم كان يوما مجرد أحلام. وما نحن مطالبون به اليوم العودة إلى الأحلام الكبرى، وخاصة التخطيط لها لتصبح مشروعنا الجماعي وهديتنا للأجيال القادمة.

واليوم لا وجود لشعوبنا إلا بحلمين اثنين وهما مترابطان، الأول هو تحقيق الاستقلال الثاني عبر وضع نظام يكون نقيض النظام الفاسد أي يبنى على سيادة الشعب عبر ممارسة كل الحقوق والحريات وخاصة حرية اختيار من يحكمه عبر انتخابات نزيهة تنظم التداول السلمي على السلطة، وحل البوليس السياسي وتجريم التعذيب وحماية المال العام وإرساء استقلال القضاء على أصلب الدعامات.

"
تحقيق الاتحاد العربي مسؤولية قوى سياسية جديدة تربط في برامجها بين تحقيق الديمقراطية في القطر وتحقيق الاتحاد مع بقية الأقطار كالدعامتين الأساسيتين للخروج من التخلف داخليا والتبعية خارجيا
"
مثل هذا النظام السياسي السليم هو الذي سيطلق كل القوى الهائلة من عقالها، ومثل هذا النظام هو القادر وحده على إرساء أول دعامات الاتحاد العربي، ذلك لأن انتصاب الدولة الديمقراطية في كل شبر من أرض الوطن الكبير -ولا يهم أن تكون جمهورية أو ملكية- هو الشرط الضروري لقيام الاتحاد العربي.

بديهي أن دولا يحكمها القانون وتخضع لرغبة شعوبها مؤهلة أكثر من غيرها لبناء سلطة مشتركة تنسق بينها، إن أوروبا لم تخرج من حروبها الأهلية ولم تخلق الاتحاد الأوروبي إلا بعد تصفية النازية والفاشية والأنظمة الاستبدادية الشيوعية.

لكن الديمقراطية شرط غير كاف، حيث يمكن للديمقراطيين في هذا البلد أو ذاك أن يكونوا انعزاليين وطنيين شوفينيين، بل يكرهون كل ما هو عروبة وإسلام.

يكفي أن يعرف المرء كيف يفكر غلاة العلمانية والليبرالية في تونس أو الجزائر أو لبنان أو مصر ليقدر الخطر، ويجب إذن أن يكون وراء المشروع قوى تتمسك في نفس الوقت بالرؤية العربية الإسلامية للأمة بوصفها معطى ثقافيا موجودا ومعطى سياسيا للإيجاد، وتأخذ في الاعتبار فشل كل الأنظمة الاستبدادية في تحقيق الحد الأدنى من التقدم الداخلي والتنسيق الخارجي أيا كان الغلاف العقائدي ولو كان الغلاف القومي والإسلامي.

كما أن من مصلحة الديمقراطيين العرب -إن أرادوا دورا- أن يمتلكوا الهوية وقيمها، ومن مصلحة العروبيين والإسلاميين أن يمتلكوا سلاح الديمقراطية وإلا أعادوا نفس النظام البائس الذي أوصل أمتنا للحضيض الذي يريدون الخروج منه.

هذا ما يجعل تحقيق الاتحاد العربي -لنقل في العقدين أو الثلاثة الآتية- مسؤولية قوى سياسية جديدة تربط في برامجها بين تحقيق الديمقراطية في القطر وتحقيق الاتحاد مع بقية الأقطار باعتبارهما دعامتين أساسيتين للخروج من التخلف داخليا والتبعية خارجيا.

هذه القوى لن تجد صعوبة في ربح معركة القلوب والعقول، والتجارب المأساوية التي نمر بها هيأت أمتنا لقبول فكرة تزاوج قيم العروبة والإسلام وتقنيات الديمقراطية.

وهي لن تجد صعوبة للتغلغل في مشاريع التنظيمات الاجتماعية والأحزاب السياسية القطرية التي تناضل لدفن النظام المتعفن، وقد أظهرت محرقة غزة قوة حسها العربي.

ثمة مسؤولية خاصة لكل الاتحادات المهنية العربية، كاتحادات الأطباء والمحامين والكتاب إلخ.. لدفع المشروع قدما ثقافيا وسياسيا وكذلك التنظيمات السياسية كاتحاد الأحزاب العربية أو كالمؤتمر القومي والمؤتمر القومي الإسلامي.

ربما يجب التفكير في مراجعة مصطلح "قومي"، لا لما تعلق به من دنس فقط لفرط استعماله من أبشع الأنظمة الاستبدادية العربية، لكن لأنه يوحي بأننا نتحرك من باب العدوانية ضد أقوام أخرى، أو أننا لا نقبل بأن يكون لهويتنا مستوى أرقى هو انتماؤنا للإنسانية، ومن ثم يستحسن استبداله، وتسمية التيار بالعربي أو بالاتحادي.

يجب أن يكون بديهيا للجميع أن المستقبل ليس للتجمعات المركزية المحكومة باستبداد هذا الحزب الإسلامي أو ذاك -ومصيرها المحتوم كيوغسلافيا أو الاتحاد السوفياتي- وإنما لتجمعات شعوب حرة تحافظ على خصائصها الوطنية وتسييرها الذاتي لشؤونها، وتتفق فيما بينها على آليات تنسيق عادلة وممثلة وفعالة وفق قيم وقوانين تضمن مصالح الكل والأجزاء الذي تكونه.

إنها الآليات التي سمحت البارحة بتكوين وبقاء الولايات المتحدة والهند، واعتمدتها أوروبا لبناء اتحادها الذي يصلب عوده يوما بعد يوم، نعم ثمة تحديات اللحظة لكن المستقبل الذي ندين به للأجيال المقبلة هو أيضا كامن في هذه اللحظة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة