مركز جديد للهولوكوست   
الأربعاء 1427/9/4 هـ - الموافق 27/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 11:41 (مكة المكرمة)، 8:41 (غرينتش)


سيغود سكيربيك

نشرت الصحف النرويجية يوم 23 أغسطس/ آب رسالتين متعلقتين بالتاريخ اليهودي، رغم أن كلا منهما مستقلة عن الأخرى في ما يبدو.

أما الرسالة الأولى فتمثلت في تقرير لمنظمة العفو الدولية (آمنستي إنترناشيونال) يتهم الجنود الإسرائيليين بخرق القانون الدولي إبان حربهم على لبنان.

وأما الثانية فكانت خبر حصول أوسلو على مركز للهولوكوست خاص بها يقع في فيلا فخمة خارج أوسلو، كان فيدكوم كويسلين (الذي حكم النرويج خلال الحرب العالمية الثانية وتحالف مع هتلر قبل أن يعتقل عام 1945 ويعدم) يتخذ منها محل إقامته خلال الحرب العالمية الثانية.

وهناك من يحاول الربط بين السياسة الحربية الإسرائيلية والأيديولوجيا المهيمنة على مراكز الهولوكوست عبر العالم.

"
المعرض الذي تم فتحه أمام العامة والسياسيين وأطفال المدارس لم يكن مقنعا بما فيه الكفاية، لأنه لم يعط صورة تعكس البرنامج الموسع لهذا المركز، بل أغلب الصور والنصوص المعروضة تتعلق بمصير اليهود النرويجيين خلال الحرب العالمية الثانية
"
وحسب موسوعة ويكيبيديا فإن حوالي 30 من تلك المراكز منتشرة عبر العالم، وأغلبها في الولايات المتحدة الأميركية، والهدف منها من بين أمور أخرى هو أن تكون نصبا تذكارية تذكر بما آلت إليه حال اليهود في البلدان التي كان النازيون يسيطرون عليها خلال الحرب العالمية الثانية، وأن تكون كذلك مراكز بحث حول العلاقة بين اليهود والنازيين، وكيف أن ذلك تطور ليصبح سياسة شاملة تهدف إلى إبادة اليهود تعرف بـ"الهولوكوست".

وتعتبر الطريقة التي اتبعت لتفسير هذه المأساة بوصفها مرحلة أخيرة في تاريخ طويل من التمييز والتقتيل جزءا مهما من فكرة أوسع انتشارا بين اليهود، يرون من خلالها أنفسهم مجموعة إثنية، أصدقاؤها قلة وأعداؤها كثر.

ولذلك فهم يعتقدون، والحالة هذه، أنهم مجموعة يجب عليها تحديد قواعد دفاعها عن نفسها بنفسها، وعليه ينظر إلى جزء من السياسة الحربية الإسرائيلية على أنها تعبير عن هذا النوع من المواقف.

ومن البدهي أن يمثل هذا الطرح خطرا في حد ذاته، إذ يحول بين الناس ورؤية الصراعات إلا من منظورهم الخاص، بل إنه قد يجعل هؤلاء الناس غير قادرين على فهم المعاناة التي يسببونها للآخرين من خلال ممارستهم لما يعتبرونه مجرد دفاع عن النفس.

ولا يعني هذا أن كل الأفكار المنبثقة عن هذا التصور خاطئة، إذ يمكن بالفعل تبرير القول إن بعض العمليات التي قادت إلى إبادة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية اعتمدت على أحكام تاريخية محضة.

ولكن لمعرفة ما هو فريد حول هذه القضية وما هو غير فريد تجب علينا مقارنة هذه الحوادث بحوادث أخرى وقعت في مناطق أخرى من العالم في ظل ظروف ثقافية متنوعة وتحت أنظمة سياسية مختلفة.

وهذا هو ما اعتمد عليه عدد من الكتاب وأساتذة الجامعات وممثلو الجماعات المهاجرة في النرويج عندما كتبوا إلى الوزارة المعنية بتشييد المركز النرويجي للهولوكوست، فور الإعلان عن ذلك أواخر العام 2000, وأنا أحدهم.

إذ لم نكن نود أن يكون المركز النرويجي قريبا بشكل كبير في منهجه لدراسة ظاهرة "الإبادة الجماعية" من مراكز أميركية مماثلة.

وقد قلنا في رسائلنا التي وجهناها للوزير المختص إن على المركز الجديد أن يركز على بيانات وتجارب تغطي أفقا أوسع، إذا أريد له أن يوفر معلومات بشأن العمليات التي تقود إلى اقتراف الإبادة الجماعية.

وقد أشرنا بصورة واضحة إلى دراسات أعدها خبراء في قضايا الإبادة الجماعية، بمن فيهم آر جي رومل ودانيال شيرو وفرانك تشوك وكيرت جوناسون.

كما حذرنا من أن التركيز الضيق المقتصر على مصير اليهود قد يبعث على طرح استفسارات مشروعة من قبل بعض الجماعات ويصبح وقودا يغذي جدلها السياسي.

وقد نبهنا إلى الدراسة التي أعدها بيتر نوفاك عام 1999 حول مراكز الهولوكوست في الولايات المتحدة التي نشرت في كتاب بعنوان "الهولوكوست في حياة الأميركيين".

والآن وقد فتح المركز النرويجي أبوابه حان الوقت لإجراء تقييم أولي لمظهره ومحتواه البحثي، ومن المهم هنا أن نشير إلى أن الاسم الرسمي الذي أطلق على هذا المركز هو "مركز دراسة الهولوكوست والأقليات الدينية"، ما يعني أن الهدف منه يتعدى مجرد الاهتمام بمصير اليهود.

"
أي مركز يحاول إيجاد أسس مشتركة لتوضيح أي ظاهرة كظاهرة "الإبادة الجماعية" يجب أن يكون مفتوحا أمام نظريات أخرى غير تلك المهيمنة حاليا في مراكز الهولوكوست
"
وقد أكد مديره البروفيسور أورد بيون أفوري ومديره الإداري إيان ميري للجزيرة أن هذا المركز يصبو إلى ضم بحوث متعلقة بمجازر ارتكبت في بلاد مختلفة، بما في ذلك روسيا/الاتحاد السوفياتي والصين وكمبوديا وأوغندا.

إن القائمين على هذا المركز يدّعون أنه يقدم الهولوكوست النازي عبر مشهد أوسع وأكثر عمقا من المراكز الأخرى المشابهة له.

لقد كان الهولوكوست جزءا من علوم النازية المتعلقة بتحسين النسل والسلالة، وكان سياسة ترمي إلى تحقيق التجانس القومي، ونظرا لذلك كان موجها ضد الغجر والسلاف والمعارضين السياسيين، فضلا عن الأقليات الدينية.

وعلى عكس مراكز الهولوكوست الأخرى فإن المركز النرويجي لديه برنامج يرمي إلى رسم خطوط تمتد من الحرب العالمية الثانية إلى الصراعات الحالية، ولهذا فإن لديه موظفا مختصا في دراسة الهولوكوست وغيره من أنواع الإبادة الجماعية الأخرى.

وقد أكد مدير المركز أنه يرحب بأي باحث فلسطيني داخله، شريطة أن تكون مؤهلاته العلمية مقبولة.

لكن المعرض الذي تم فتحه أمام العامة والسياسيين وأطفال المدارس لم يكن مقنعا بما فيه الكفاية، لأنه لم يعط صورة تعكس البرنامج الموسع لهذا المركز، إذ الأغلبية الساحقة من الصور والنصوص المعروضة فيه كانت متعلقة بمصير اليهود النرويجيين خلال الحرب العالمية الثانية.

يشار إلى أن 700 يهودي نرويجي اقتيدوا إلى مخيمات الإبادة النازية، بعد عملية اعتقالات شملت نرويجيين آخرين، كما استطاع 1100 يهودي أن يفروا بفضل مساعدة النرويجيين، وهذه أعداد زهيدة مقارنة بما كانت عليه الصورة في البلاد الأوروبية الأخرى.

وقد عانت مجموعات أخرى في النرويج من خسائر أكبر خلال الحرب العالمية الثانية، خاصة ذوي الأصول السلافية من سجناء روس وبولنديين وصرب.

ولا يعني هذا أن حالات الانتقاء الطائفي أو العرقي التي تجاوزت، إلى حد ما في هذا المعرض، الحجم المطلوب لتوضيح ما يعرف بـ"الإبادة الجماعية" في العصر الحديث، هي وحدها التي اتسمت بضيق الأفق بل أيضا النظريات التي استخدمت لتفسيرها.

فالتمييز المدني والنظريات النخبوية المعتمدة على الفروق العنصرية لا يمكنها أن تتخذ عاملا مشتركا لتوضيح المدى الواسع للمجازر التي شهدها العالم خلال القرن الماضي.

إذ لا يمكن مثلا أن نختزل المنافسات السياسية والصراعات على الأراضي والموارد والاختلافات الدينية والثقافية في خانة روافد وأنواع العنصرية والتمييز.

ويمكن أن نقول إن غالبية البلدان تشجع التمييز أو على الأقل التركيز على الفوارق بين "نحن" وبين "هم" كجزء من سياسة المحافظة على الهوية والانسجام الوطنيين.

وتستخدم مجتمعات كثيرة الخصائص الأثينية كجزء من هذا التمييز، لكن في أغلب الحالات لم يؤد هذا التمييز إلى أي شيء مشابه للهولوكوست النازي.

"
أليس من واجب دول أخرى الآن أن تنشئ مراكزها الخاصة بدراسات "الإبادة الجماعية" كبدائل وكمراكز بحث منافسة لمراكز الهولوكوست
"
وهذا يعني أن أي مركز يحاول وجود أسس مشتركة
لتوضيح أي ظاهرة كظاهرة "الإبادة الجماعية" يجب أن يكون مفتوحا أمام نظريات أخرى غير تلك المهيمنة حاليا في مراكز الهولوكوست التي شيدت في السنوات الأخيرة.

بل يجب على هذه المراكز أن تكون مفتوحة أمام القائلين بأن الاقتصار على الحديث عن مصير اليهود قد أسهم بالفعل في تمسكهم بمواقفهم وقيامهم بأعمال لم تكن في صالح الحل السياسي المنطقي لبعض الصراعات السياسية.

وهنا نعود كما بدأنا إلى رسالة 23 أغسطس/ آب، فهي تقول إن الإسرائيليين خرقوا القوانين الدولية بقصفهم المدنيين إبان حربهم على لبنان.

لكن الأسوأ هو أن انتقادات المعارضين السياسيين داخل إسرائيل لرئيس الوزراء إيهود أولمرت وحكومته لم تنصب على انتقاد أعمال الجيش الإسرائيلي العسكرية المبالغ فيها في لبنان، بل على الجيش الإسرائيلي نفسه لأنه لم يكن فعالا بما فيه الكفاية، وكأن مزيدا من الجهود العسكرية كان سيؤدي إلى حل صراعات الشرق الأوسط.

فالمبررات التي جعلت أصحاب القرار في الولايات المتحدة وإسرائيل أحاديي التوجه بهذا القدر معقدة دون شك، لكن أحد تفاسيرها يكمن في فكرة "الاستثنائية اليهودية"، وهي فكرة اكتسبت شرعيتها من عدة مراكز من مراكز الهولوكوست في الولايات المتحدة.

وقد كان هناك أمل في أن تسهم مراكز الهولوكوست الأوروبية في الترويج لنظرة أكثر توازنا حول مصير اليهود، بل إن تلك هي الحال الآن إلى حد ما، وإن كان الأمر لا يزال ناقصا بشكل كبير.

وعلى هذا يمكن التساؤل عما إذا كان من واجب دول أخرى الآن أن تنشئ مراكزها الخاصة بدراسات "الإبادة الجماعية" كبدائل، وكمراكز بحث منافسة لمراكز الهولوكوست، خاصة أن هناك في الشرق الأوسط أغنياء يمكنهم توفير الموارد المالية الضرورية، كما أن هناك باحثين وعلماء من مناطق مختلفة من العالم لديهم الخبرة والإرادة الضروريتين للبحث في مثل هذه المراكز.
__________________
كاتب نرويجي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة