مراجعات أم إجبار على التراجع؟   
الخميس 1428/12/18 هـ - الموافق 27/12/2007 م (آخر تحديث) الساعة 12:35 (مكة المكرمة)، 9:35 (غرينتش)


فاتح كريكار

التسلسل المنطقي للعمل المسلح عند من ناضل قبلنا من أهل اليمين واليسار من الذين أنشؤوا الحركات التحررية وبنوا الدول الحديثة عدلا أو ظلما، تطلب أولا وجود رؤية فكرية وفلسفية تعطى التعاريف للإنسان والكون والحياة.

ومنها انبثق الخطاب السياسي الذي بشرت به سلميا جماعةٌ حركية، اضطرت لأسباب ذاتية وموضوعية للانتقال إلى مرحلة النضال المسلح في مهاجر آوتها.

هذه هي القاعدة التي سار عليها كل مُتبَنٍ للعمل المسلح في التاريخ! فهل خالفت الجماعات الجهادية هذه القاعدة وهي تنطبق تماما على دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

"
حياة المخلوقين صراع منذ آدم وإبليس, وحتى لو لم يظهر منك وأنت الصالح المسلم ما يهدد حياة أحد تتعرض لتهديد من يرى في صلاحك فسادَه, وهذه إحدى العبر في قصة ابني آدم يوم لم يكن أمامهما من أسباب الاختلاف شيء إلا رفض الآخر
"
لنسأل بعد تداول أجوبة شافية تأتينا من مناخ حرية الاعتقاد والتعبير، عن المراجعات التي يراد لها الترويج لزعزعة الثوابت، وقبول التدين في قوالب معولمة لها الهيمنة الفرعونية وهي المسلحة بأسلحتها الذرية التي لا ترتدع من استخدامها لفرض أيديولوجيتها الشيطانية.

تَدَيُّنٌ غريب يأتينا مع غرائب القيم، تدينٌ فرداني نفعي، مليء بسلوكيات منحرفة.. كما ملئت برؤى سوفسطائية عبثية، المتبحر فيها خارج بالجهل نفسه الذي دخلها به من قبل!

بديهي لدى المسلم أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم خطاب إلهي عرَّف الخالق بالمخلوق، وأعطى المخلوق عِبر خيارهم الرؤية الواقعية التي تنسجم مع فطرتهم عن الإنسان والكون والحياة.. فاصطدمت دعوتهم هذه بمن خالفهم في الرؤية الفلسفية (كما هو اليوم كذلك).

وهو أمر طبيعي لأن حياة المخلوقين صراع منذ آدم وإبليس. وحتى لو لم يظهر منك وأنت الصالح المسلم ما يهدد حياة أحد، تتعرض لتهديد من يرى في صلاحك فساده, وهذه إحدى العبر في قصة ابني آدم يوم لم يكن أمامهما من أسباب الاختلاف شيء إلا رفض الآخر!

هذا الصراع بهذه الصورة المبسطة هو نفسه بصوره المعقدة عند داروين وفرويد ودوركايم وماركس وصولا إلى هنتيغتون ومن حوله!! فالكل يعطي تفسيرا من خلال رؤيته الفلسفية لصراع الحياة, فما المانع من إعطاء المسلم فرصة التعبير للتعريف؟!

ويتبنى المسلم البسيط خطابا دعويا تربويا هو من مكملات الرؤية الفطرية حيث يدعو إلى تهذيب النفس البشرية على نموذج الصفوة المختارة عليهم السلام, ويفعل ذلك غيره بحرية, فهل المراد أن نقتدي جبرا بروبسبير وميرابو أو بجورج واشنطن ونيكسون أم بلينين وماوتسي تونغ!! حيث لكل أسوته!! فما المانع من إعطاء المسلم البسيط كذلك فرصة ذكر أنبيائه كما عرفهم هو!

صنف المسلم البسيط هذا أفراد مجتمعه إلى كافرين بدعوته ومؤمنين وبينهما منافقون لا يعرفهم إلا بسلوكهم ولا يحكم عليهم بشيء, هذا ما يفعله غيره الذي صنف الناس وهو يحكم إلى بروليتاريين وبورجوازيين ورجعيين مصلحيين يتأرجحون كالمنافقين بين بين.

وآخر صنف الناس وهو يحكم كذلك حسب إيمانهم بما هو عليه إلى أخيار وأشرار، وحدد لكل منهما محاور، واعتبر من ليس معه فهو ضده, ولِمَ لا يعطى المسلم البسيط المحكوم المحروم فرصة لتصنيف من حوله، والناس حوله يصنفونه إلى إرهابي وأصولي وظلامي ورجعي ومتحجر!

"
ما المانع في أن تعطى فرصة للناس ليروا أهل المساجد ويقارنوهم أحرارا بغيرهم, ما جُرمهم إن اختاروهم من دون غيرهم في الجزائر وماليزيا وفلسطين وتركيا؟!
"
يرى هذا المسلم البسيط تزكية من استجاب لدعوته على ما هو بنظر أنبيائه سلوكا مستقيما, فيقول لهم لا تكذبوا حتى في الأول من أبريل, لا تسرقوا ولو من أموال الكافرين، وعيشوا كمن يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (فقر)، وقولوا للناس حسنا، وأوفوا الكيل والميزان.

وغيره يمتهن الكذب جهارا نهارا لأن الغاية عنده تبرر الوسيلة، فما كان من الكذب لصالح الحكام والمترفين من ورثة فرعون وهامان وقارون سماه الكذبة البيضاء!! وما كان من صالح المستضعفين سماها خيانة وتدليسا وإخفاء للحقيقة!

فما المانع أن تعطى فرصة للناس ليروا أهل المساجد ليقارنوهم أحرارا بغيرهم. ما جُرمهم أن اختاروهم من دون غيرهم في الجزائر وماليزيا وفلسطين وتركيا؟!

هذا المسلم البسيط حوَّل سلوكه اليومي النابع من رؤيته الدينية إلى قيم اجتماعية، فصار الصالح والمصلح بين مجتمعه, أو هكذا يراه الشعب أو البسطاء من أمثالنا الذين لم يتعمقوا في السياسة, ممن لا يقرؤون بين أسطر الدبلوماسية الدولية أو ممن لا يفهمون أن السياسة لا دين فيها ولا سياسة في الدين كما يقول السيد الرئيس وحاشيته الذين لم ينجب مثلهم رحم الأمة منذ قرون! وهم يحكمون منذ ربع قرن وقد جددت لهم البيعة أبد الدهر ثم لنُطَفهم وهي ما زالت في ظهورهم!!

آمن هذا المسلم البسيط بأن الذين آمنوا هم عصبته, فهم إخوته في الله, وحق المسلم على المسلم ست, لا بد من ترجمته عمليا بينهم, وغيره قال يا عمال العالم اتحدوا والبروليتاري لا وطن له, وآخرون قالوا: لا بد للمجتمع الدولي من تحمل مسؤوليته في نشر الديمقراطية في أفغانستان والعراق!

ومن قبل طالت دعوة لنشر الحضارة 200 عام فما المانع أن يصبح للمسلمين البسطاء جماعة علنية يخرجون من المسجد ليجمعوا التبرعات لمن قتل الحاكم أباه, أو لمن هو في عداد المليارات الثلاثة الذين لا يحصلون على دولارين في اليوم!!

لم لا يُعطى المسلم البسيط حقَ إنشاء جماعة ممن آمن بمثل ما آمن هو به, ولغيره جماعات سياسية لا تؤمن بالله أصلا وهو في بلد الألف مئذنة, أو تنكر النبوة وهو على بعد أمتار من الحرمين، أو يؤمن بحق ولي الأمر حتى في بناء المرافق الصحية!

فما الجرم إن لم يجد هذا المسلم البسيط وإخوانه حرية في المسجد أو في الزقاق، أو لقمة بكرامة أو أمانا من صولجان أن يهاجر إلى قرية، آمن أهلها بما آمن به البسيط هذا؟! وشكل مع إخوانه من أهل القرية الذين آووا ونصروا مجتمعا من البسطاء؟!

"
ما مكمن التعجب في تسلح أهل قرية من المهاجرين والأنصار بوجه المخاطر، خصوصا ممن يفترسون في الظلام أو يتسللون لسرقة الخيرات أو يأتون متغطرسين في النهار لنهب البترول علنا لأنهم لما يحصلوا على بديل الطاقة بعد؟!
"
فهو لم يُبِدْ أهل القرية ليحل محلهم.. ولا أوقع حروبا أهلية فيها, فهي قرية أفغانية أهلها مسلمون مثله، رغم أنهم لا يفهمون لغة بعضهم بعضا, ما الجرم في ذلك وقد مات ماجلان في مندناو ومات كريستوفر كولومبس في أميركا، وكم مات في أستراليا ممن أباد الهنود الحمر؟!

وما الجرم في هجرة المسلم من مصر إلى قرية بوسنية دافع عن حرماتهم حتى قتل، كما هاجر تشي جيفارا إلى بوليفيا حتى قتل، أو هاجر تروتسكي قبلهما إلى المكسيك وعاش مناضلا لفكره حتى قتل!

وما مكمن التعجب في تسلح أهل القرية مهاجرين وأنصارا بوجه المخاطر، خصوصا ممن يفترسون في الظلام أو يتسللون لسرقة الخيرات أو يأتون متغطرسين في النهار لنهب البترول علنا لأنهم لما يحصلوا على بديل الطاقة بعد!!

وما الجرم في دفاعهم عن أنفسهم في مهجرهم بوجه من يريد قتالهم لتغيير بطاقته الخضراء إلى الجنسية الأميركية!! والدفاع هذا غريزي في كل ذي روح, فلمَ دفاع المسلم عن روحه إرهاب وعدوان يستحقان الحروب الاستباقية؟!

لو أراد هؤلاء البسطاء من أهل القرية من المهاجرين والأنصار انتخاب مختار لهم يرأسهم، وحاكم يدير شؤونهم، ومدير شرطة يوفر لهم الأمان ويوفر للقانون قوة التنفيذ، وناطق يتكلم باسمهم، ووفد يتفاوض عنهم عندما يريد المقابل استرجاع المهاجرين البسطاء أذلاء إلى الجلادين في بلادهم أو مكبلين إلى غوانتانامو أو مختطفين إلى سجون طائرة أو إلى جزر الواق واق.

فلو امتنع المهاجرون والأنصار فصار قتالا, فاجتمعت الأمة من الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا، والذين آووا ونصروا, هل في ذلك جريمة؟! وقد اجتمع قبلهم الكادحون على مانيفيست ماركس وإنجلز ثم على ثورة لينين، وصهاينة الآفاق على دعوة هرتزل وهاغانا وشتيرن إسحاق شامير؟! ولم تجرمهم محكمة؟!

مم نتراجع؟! أمن رؤيتنا الفلسفية عن الإنسان والكون والحياة؟ أم من دعوتنا لتغير مجتمعاتنا من الجاهلية التي هم فيها إلى إسلام الراشدين..؟ أنتراجع من تصنيف الله الناس إلى كافرين ومؤمنين إلى مواطنين وأجانب؟! أنتراجع عن قيمنا رسخها الإسلام فينا لألف وأربعمائة عام؟! وترفَّعنا بها عن الجاهلية وقيمها، أم عن شعورنا بجسدية الأمة الواحدة والبنيان المرصوص؟

"
نعم لمراجعات من خلال فكر هادئ ناضج عميق نابع من عقيدة سليمة وعقلية متفتحة تستوعب ما بالأمة من أمراض, نعم لمراجعات العلماء الأحرار وحملة الدعوة في الأجواء الصحية، وألف لا لمراجعات في السجون
"
أنتراجع عن آصرة الإيمان والهجرة والجهاد والإيواء والنصرة، أركان تنشئتنا الاجتماعية، إلى أوحال "البلد أولا", وقد أيقنا أن الجاهلية لا أطعمتنا من جوع ولا آمنتنا من خوف, فلمَ العودة بالناس إلى عبادة الأصنام وشرعة أبي لهب؟!

مم نتراجع؟ وكل الأحرار في العالم يؤمنون أن بين الناس والحاكم عقدا اجتماعيا، تنازلوا باختيارهم عن بعض حقوقهم لتتحول بيده سلطة تحمي الجميع، وكل ذلك طبق دستور مدون اقتنعت به الرعية بعد المداولة والمدارسة، واختار الناس بمحض إرادتهم مجلس شعب يشرّع حسب قواعد الدستور الثابتة واختاروا حكومة تنفذ القوانين بينهم دون محاباة أو محسوبية.

مم نتراجع؟ عن الثوابت ومنها الجهاد الذي أيقن البر والفاجر أن لولاه بعد الله تعالى لحمل المغاربة الأناجيل الأربعة وتحدثوا كأميركا الجنوبية بالإسبانية أو الفرنسية بدلا من العربية. وهل مدافعة الروس والشيشان ببعيد!

نعم للمراجعة إلى مزيد من التأصيل الشرعي، إلى الرؤية القرآنية في الفكر والممارسة، مع الفهم الواقعي لمناط التكليف زمانا وواقعا, زمانا نفهم فيه استضعافنا لنخطط لإستراتيجية تعطينا الوضوح الرباني لرؤية الصراع, وواقعا نتفهم فيه معركة الوعي بالذات.

نعم لمراجعات من خلال فكر هادئ ناضج عميق نابع من عقيدة سليمة وعقلية متفتحة تستوعب ما بالأمة من أمراض.

نعم لمراجعة الأخطاء، فالتوبة لغة شرعا توقف وإقلال وندم وتراجع عن خطأ حصل نتيجة الشبهات أو الشهوات!! ولكن هل تغير نظرة هابيل تجاهنا وهو ما زال يمقت قبول الله قرباننا؟! وهل تغير الوصف الذي أخذناه من صفة القوم؟! ألم يتغير الوضع إلى الأسوأ؟

نعم لمراجعات العلماء الأحرار وحملة الدعوة في الأجواء الصحية، وألف لا لمراجعات في السجون.
ـــــــــــــــــ
مؤسس حركة أنصار الإسلام الكردية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة