الحركة الوطنية الفلسطينية وأخطار الأساطير المؤسِّسَة   
السبت 1433/6/28 هـ - الموافق 19/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 9:43 (مكة المكرمة)، 6:43 (غرينتش)

 

الذكرى الرابعة والستون لاغتصاب فلسطين وطرد أهلها منها تمر هذه الأيام وكأنها تزداد بعدًا عنا. "النخب" المزعومة، أو من عينت نفسها قيادة على أبناء أمتنا ووصية على قضايانا، تلهي نفسها بمحاولة تضليلنا، نحن العرب، أبناء القضية، الذين عشنا تداعياتها المباشرة، المادية والنفسية على حيواتنا، بأن خلاصنا من أسر الكارثة الوطنية التي ألحقها الغرب، ومعه بعض حكام العرب آنذاك، لن يقترب إلا بالمزيد من الخضوع لإملاءات العدو ومطالبه.

في هذا الزمن العربي الحزين والمفجع، أضحت قضية اغتصاب فلسطين وكأنها سوء تفاهم بين جيران، وبين زملاء وأصدقاء، غدر سوء التعبير عن نواياهم بالمحبة التي ربطت بهم منذ الأزل، وإلى الأبد!

لقد عين الغرب وصاة، منا، على شعبنا وقضيتنا، استحالوا، بمحض إرادتهم "أعضاء لجنة تنسيق أمني" اسمها المضلِّل "السلطة الوطنية"، مع العدو، لحماية الاحتلال والمغتصب، بل ولتثبيته أيضًا.

والسلام، صار، في منظور تلك "النخب" المزعومة، الالتزام بعدم مقاومة العدو، واستبدال بالنضال الوطني، الطريق الوحيد للحفاظ على القضية والاقتراب من الوطن المغتصب، الذي أثبت جدواه في الماضي في بلادنا، وفي كل بقاع الأرض، الخضوع لإملاءات الغرب المستعمِر وبتحويل مؤسساتنا الوطنية إلى مؤسسات توظيف يتقاضى أفرادها معاشهم الشهري من مؤسسات النقد الدولية، لكن فقط إن تمكنوا من المحافظة على رضا القائد والزعيم الملهم وعبقري عصره وجيله، والذي بدوره، كما نعلم، جميعنا، بأنه هو ومؤسساته المهترئة الرثة، لن يتمكن من المحافظة على منصبه إلا عبر استمرار تقديم أوراق اعتماده لمن عينه ويحافظ عليه في منصبه.

فتجده، بعد لحظة حماس أصابته في ليلة ليلاء، يهدد بالويل والثبور وعواقب الأمور في ما إذا استمر "شريكه في صناعة السلام" في تجاهل طموحاته غاية في التواضع، يعود فيهدأ ليؤكد من جديد أهليته، التي لا نشك فيها، بأنه، ومعه أعضاء مؤسسته الحاكمة/المحكومة، لن يحيد عن الطريق الذي اختطه له العدو مسارًا وأسلوب عمل وطريقة حياة.

ففي هذا الزمن العربي الحزين والمفجع، أضحت قضيتنا المقدسة، قضية العرب الأولى، قضية اغتصاب فلسطين وحقنا، نحن العرب، جميعنا، في استعادتها كاملة غير منقوصة، وكأنها سوء تفاهم بين جيران، وبين زملاء وأصدقاء، غدر سوء التعبير عن نواياهم بالمحبة التي ربطت بهم منذ الأزل، وإلى الأبد!.

لقد سار بعض العرب، أو لنقل: أغلبهم، منذ أن ولدوا، في طريق البحث عن سراب سلام، كاذب، تبين لكل من يملك ذرة عقل أنه استسلام كامل لشروط العدو. أولئك العرب أدركوا أن ما كان يدعونه وهم ليس غير، وبدلاً من أن يعترفوا بحقيقة تقصيرهم وقصر نظرهم وعماهم السياسي، إن افترضنا حسن نواياهم أصلاً، أطلقوا على الهزيمة اسم النصر، وعلى التبعية للمستعمِر القديم/الجديد، ادعاء التحرر والقرار الوطني المستقل، وعلى الفقر والإملاق والإفلاس الاقتصادي صفات الإصلاح وإعادة البناء.. إلخ.

كما توهم بعض العرب، اعتمادًا على ادعاءات "نخب" مستوظِفة، بأن ما يجري في بلادنا من ثورات أو انتفاضات أو تمردات.. سمها ما شئت، ستجلب الخلاص المنتظر أو الموعود. وكنا حذرنا منذ بدء اندلاع الحراكات الشعبية، التي لا نشك ولا نشكك إطلاقًا في صدق مراميها وصحة طموحاتها للتخلص من ظلم الطغاة واستئثارهم الاقتصادي، وبالتالي السياسي والفكري.. إلخ، من أن الافتقار إلى برامج وطنية قومية، سياسية واجتماعية واقتصادية، واضحة سينتهي بها إلى استبدال طاغية سطا على كرسي الحكم بقوة السلاح بطاغية سيغتصب ذاك الكرسي اللعين بقوة "صندوق الاقتراع" وهمي الحرية، وبالمقدرة على مداهنة العدو الحقيقي، وبرفع شعارات شعبوية براقة، تعمي البصر والبصيرة، وبتأسيس نظم سياسية لا تنطلق من الوقائع السياسية والاجتماعية والفكرية والنفسية التي نعيشها، نحن العرب، في مختلف بقاع وطننا الكبير، فننتهي إلى ما هو أسوأ مما أردنا الخلاص منه.

كنا حذرنا من أنه "لا شرعية لثورة شعارها ليس فلسطين"، وبأن الأمور غالبًا ما ستنتهي إلى "أسيادكم في الجاهلية أسيادكم في الإسلام"، وأننا نسير في طريق تكرار أخطاء التاريخ.
لقد صورت القوى العربية الظلامية، قوى الرجعية، التي تفتقر حتى إلى الحد الأدنى من الالتزام الوطني/القومي، بأن طريقها هو الصائب، وحكمتها وحنكتها هي التي ستحيل الصحراء فردوسًا، وستعيد فلسطين، أو بعضًا منها، أرضًا عربية "طاهرة" محررة من "دنس" الاحتلال.

القضية الفلسطينية لم تكن يومًا صراعا على حدود بيننا وبين العدو الصهيوني المغتصب، ولا سوء فهم لتاريخ، حقيقيًا كان أو وهميًا، بل قضية شعب شرده الغرب المستعمِر بقوة السلاح من وطنه وتواطأ مع حكام عرب

الآن، وبعد مرور كل هذه القرون على الوعود الفارغة الكاذبة، عن سبق إصرار وتصميم، وبعد أن تبين لكل من أغلق عينيه عن الحقيقة الملموسة التي أثبتتها التجارب التاريخية المحلية والعالمية، إما جهلاً أو تجهيلاً، أن المستوظِفين الجدد، كما الأقدمين، وبصرف النظر عن النوايا، لا هم لهم سوى الوصول إلى ذلك الكرسي، والاحتفاظ به، ما أمكن. وها هم يديرون ظهورهم، الواحد تلو الآخر، لقضية العرب الأولى، بعدما استخدموها، صادقين كانوا أو مدعين، سُلمًا وجسرًا لاحتلال قلوب أبناء أمتنا العربية والإسلامية.

لقد سار "عرب السلام" منذ عام 1967 في طريق ادعوا أنها طريق الخلاص المنتظر. ثم استحالت القضية الوطنية، في مجالسهم ومؤتمراتهم، إلى خلاف حدودي، لينتهي الأمر بهم إلى الادعاء بأن لب المشكلة يكمن في طبوغرافية الحرم القدسي الشريف، وما إذا كان سطحه ملكا لنا، أما ما تحته فلا علاقة لنا به بعدما دفنته قرون من تاريخ ليس لنا.

القضية الفلسطينية لم تكن يومًا صراعا على حدود بيننا وبين العدو الصهيوني المغتصب، ولا سوء فهم لتاريخ، حقيقيًا كان أو وهميًا، ولا هي مشكلة أمكنة مقدسة يمكن التفاوض على كيفية الوصول إليها، برًا أو برًا أو جوًا، بإذن من المغتصب العنصري. القضية الوطنية الفلسطينية قضية شعب شرده الغرب المستعمِر بقوة السلاح من وطنه وتواطأ مع حكام عرب لا هم لهم سوى العروش القصبية، على طرده من دياره وحقوله ومدنه وقراه ووديانه وجباله وسهوله ومروجه، بهدف إقامة كيان عنصري بغيض يعيد إنتاج من زرعه، تمهيدًا لتصحيح مسار تاريخي مزعوم، و"استعادة (أرض التوراة)" التي استولى عليها عربان جلف مكانهم الصحراء ومأواهم الخيام.

القوى الفلسطينية التي تبدو أنها ممسكة بمسار قضيتنا الوطنية والقومية تصور أن كل نضالاتنا الماضية كانت خطأ، ظانة أنها قادرة على حجب الشمس بالغربال وحقيقة أنها هي من قاد الشعب الفلسطيني إلى التهلكة وأنها هي من دعا بداية إلى "الكفاح المسلح" طريقًا وحيدًا، وأنها هي من تخلت عن ذلك الطريق بسبب هزائمها الدائمة فأسمته طريق المغامرة.

القوى الفلسطينية التي تسمى نفسها "سلطة وطنية" التي منذ انخراطها الحماسي في الاستسلام لشروط العدو والتخلي عن ثوابتنا الوطنية، لم تكن يومًا أكثر من "لجنة تنسيق أمني" مع العدو، وهي من قاد شعبنا إلى ما نحن عليه من ضياع. هي التي استبدلت فتح كل أبواب عواصم العالم أمام العدو بالحصار الدولي الذي فرضته شعوب العالم المقهورة عليه. هي من حولت القضية الوطنية، قضية شعب اغتصبت منه أرضه وطرد منها إلى إشكال حدودي يمكن حله بمفاوضات تنتهي بعد ألف عام بوعود بوعود بوعود.

مع ذلك نقول: ليس ثمة حلول جاهزة ولا وصفات عامة لمشاكلنا، الوطنية/القومية، الاقتصادية وبالتالي السياسية والاجتماعية والفكرية والنفسية.. ليس ثمة دليل نصر جاهز شبيه بكتيبات انتشرت في بلادنا في خمسينيات القرن الماضي وستينياته عنوانها "تعلم اللغة (كذا) في أربعة أيام من دون معلم".

علينا التحلي بالصبر والإمعان بالتفكير وقراءة الوقائع كما هي وليس كما نتمناها. علينا قراءة عدونا كما هو، أحسن قراءة، كما فعل أعداؤنا بنا فانتصروا علينا. الانتصار في معاركنا الوطنية/القومية لن يتم برفع الشعارات الحماسية ولا بترديد مقولات عامة تخاطب المشاعر لكنها خالية المضامين.

طريقنا إلى النصر في معاركنا صعب وطويل، لكن أجدادنا رسموا خطوطه من قبل فتمكنوا من تحقيق انتصارات مهمة ووضعوا علامات السير على هداها يقصر درب آلامنا ويحد من عذاباتنا.

طريقنا إلى النصر في معاركنا الخارجية والداخلية يتم بالعِلم، بدراسة الواقع كما هو والانطلاق من الحقائق والدروس المستقاة من المعارف العلمية الموثقة والتجارب التاريخية التي مر بها أجدادنا وشعوب الأرض المضطهدة.

لقد اختار الشعب الفلسطيني بعد اغتصاب العدو الصهيوني وطنه، طريق النضال الصعب، المليء بالتضحيات الجسام، فكسب احترام العالم واستعادت القضية عبره، جوهرها وأساسها كونها قضية تحرر وطني/قومي وليس قضية لاجئين يبحثون عن فتات يرمى به إليهم، أو مأوى يتسولونه.

قراءتنا لتجربتنا النضالية ستعمق من إدراكنا لأسباب واقعنا المرير وأسباب انزلاقنا إليه، والتعلم من دروس الماضي القاسية سيسهم في نجاح نضالاتنا المستمرة

لقد مرت الحركة الوطنية الفلسطينية بتجارب كبيرة ومهمة، وقراءتها بتعمق ودراستها ستقود بلا شك إلى اكتشاف مكامن قوتنا وزوايا ضعفنا. قراءتنا لتجربتنا النضالية منذ خمسينيات القرن الماضي إلى سبعينياته ستعمق من إدراكنا لأسباب واقعنا المرير وأسباب انزلاقنا إليه، والتعلم من دروس الماضي القاسية سيسهم في نجاح نضالاتنا المستمرة، الحالية (على هزالتها) والمستقبلية.

لكن، كي نتعلم من دروس الماضي، فمن الضروري للأجيال الجديدة من أبناء أمتنا معرفة تاريخ النضال القريب، بإيجابياته وسلبياته. هذا غير ممكن إن استمرت الشخصيات القيادية، التي مارست أدوارًا مهمة في نشوء الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وامتلكت رؤية ثاقبة للأخطار المحدقة بمستقبل القضية الوطنية/القومية في حال عدم توقف الحركة الوطنية عن اللهاث وراء سراب التسويات "الوطنية" في صمتها، والنأي بنفسها عن تسجيل تجربتها الشخصية الفردية والجماعية، أي كانت الأسباب والمعاذير التي تستحضرها لسكوتها.

لقد كتب بعض قادة الحركة الوطنية الفلسطينية مذكراتهم، لكنها بقيت دون الهدف المنشود منه ألا وهو إخبار الأجيال الشابة من أبناء شعبنا وأمتنا بما جرى حقًا. إن القسم الأكبر مما تتداوله وسائل الإعلام/التضليل العربية وغير العربية عن تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية غير صحيح وهدفه نشر أباطيل وأساطير.

نريد للأجيال الشابة معرفة ما جرى حقًا وليس الغرق في الأساطير المؤسِّسة. لقد رحل كثير من كبار المناضلين المؤسسين الذين مارسوا أدوارًا مهمة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وقلة قليلة فقط تركت بعض ما لديها. وكل ما أخشاه أن يرحل كل من يعرف أسرارا من حق الأجيال الشابة القادمة معرفتها، ويبقى تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة أساطير ينشرها مجموعة من المدعين، تمامًا مثل الأساطير المؤسسة للكيان الصهيوني المغتصِب.
فهل من يستجيب؟!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة