يمين.. يسار.. إلى الخلف در   
الثلاثاء 1434/2/18 هـ - الموافق 1/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:25 (مكة المكرمة)، 11:25 (غرينتش)

في سياق عجائب الانتخابات الأردنية، يأتي إعلان ما أسمي بتحالف "القوى اليسارية والقومية مع النظام الأردني" والذي تمّ في لقاء الملك بممثلي أحزاب قومية ويسارية بمنزل مستشاره أيمن الصفدي.

التخوف من اللقاء، والذي جعل متنفذي الديوان الملكي يحاولون منعه، كان من أن يواجَه الملك بنقد حاد من المدعوين، وهو تخوف محق (منطقيا وعلى افتراض أن المدعوين يمثلون ولو جزءا من القوى القومية واليسارية) شاركهم فيه ذات الصفدي ولكنه عوّل على ما يعرفه عن "شخوص" من دعاهم وليس عن أية "قوى" قومية أو يسارية.. فجاء انبطاح هؤلاء مفاجئا جدا للمضيف وللملك بإجماع كل التصريحات والتسريبات، وبما لا يقل عن عرض الأمينة العامة لحزب "حشد" نفسها وزملاءَها بقولها صراحة للملك: نحن جاهزون.. لماذا لا تتحالف معنا حتى نحدَّ معا من نفوذ وتأثير الإخوان المسلمين؟!

وهكذا عرض صريح يستلزم بحثه أقصى درجات الصراحة، بعكس "الإشارات المرمّزة" التي تسرب أنه جرى تبادلها لاحقا بين الطرفين. والذي يجيب عن سؤال لزوم "الترميز" بعد هكذا انبطاح صريح هو: كيفية إيصال الحلفاء الجدد لمجلس النواب بداية.

الملك عبد الله الثاني يدرك أنه في مأزق، لكن ليس بسبب مواجهة الإخوان بل بسبب مواجهة حراك شعبي بدأ قسم متعاظم منه يخرج عن مطلب إصلاح النظام لإسقاط النظام

ونبدأ بما أراده الملك من اللقاء، إذ بدأ الحديث بقوله إنه "مستهدف شخصيا" من جماعات الإخوان المسلمين، وإنه "بحاجة لالتفاف الأردنيين حوله في هذه المرحلة الدقيقة جدا" فيما يتعلق بالأردن.. أي أنه مدرك لمأزق الحكم، ولكن ليس في مواجهة الإخوان الذين سنأتي لحالهم، بل في مواجهة حراك شعبي بدأ قسم متعاظم منه يخرج عن مطلب إصلاح النظام لإسقاط النظام.

والمتسبب في رفع سقف المطالب هو ذات النهج الالتفافي على مطالب الحراك على أمل شراء الوقت لحين انقضاء تسونامي الربيع العربي، وهو نهج تقوده ذات الحاشية (طاقم لعبة الكراسي) التي منها منظم اللقاء. ولضيق مساحة المقال سنعرّف الصفدي فقط بمآل آخر كرسي شغله، وهو نائب رئيس الوزراء في حكومة سمير الرفاعي الثانية.

ولكوننا مقبلين على انتخابات نيابية يجدر التذكير بأنه كان قد مر عام بأكمله على حكومة سمير الرفاعي الأولى (رغم رفضها شعبيا ابتداء) مما أتاح لها أن تجري انتخابات نيابية بقانون عجائبي من وضعها هي، ولكن ما إن أعطى البرلمان ثقة غير مسبوقة لحكومة الرفاعي الجديدة التي ضمت الصفدي حتى اندلع الربيع الأردني مطالبا بعزل الحكومة والبرلمان، وتم للشعب عزل الحكومة خلال شهر واحد فيما أبقي المجلس للدور الذي يعد له المجلس القادم أيضا، وفتح طرق "التفافية" لتمرير انتخابات تقاطعها المعارضة وكل ذوي الوزن السياسي.

وفي ظل الحديث عن مقاطعة "الحزب المعارض الأكبر" (الإخوان المسلمين) الذي تلقفه إعلام غربي غير معني بالتوقف عند حقيقة أن ذلك الحزب هو ربيب النظام الأردني منذ نشوئه ويدين للنظام بكل ما يسمى "ثقله"، أصبحت الحاجة ملحة لتسمية "أحزاب معارضة" تخوض الانتخابات، فجرت دعوة منتقاة من مخزون شخوص يساريين وقوميين منتهي الصلاحية.

الطريف أن الأحزاب الأربعة التي أنتج ذلك التحالف مع النظام خوضها الانتخابات القادمة بقائمة موحدة تقودها الأمينة العامة لحزب الوحدة الشعبية (حشد) مكافأة لها لكونها من قدمت العرض السخي للملك؛ تشكلت من أربعة عشر مرشحا -مع أن القائمة الوطنية تغطي سبعةً وعشرين مقعدا- بمرشح واحد لكل حزب، والبقية "شخصيات مستقلة" أغلبهم لم يُسمع به بتاتا، مما يدل على حدود إمكانية تسويق قائمة مدعومة من الدولة بأعلى مستوياتها!! وإذا كانت أحزاب أربعة يلزمها لقائمة مجزوءة مستقلين يأتونهم بأصوات الناخبين، فأي ثقل يمثله هؤلاء؟!

والحقيقة أنه إذا استثنينا الإخوان المسلمين، لم تستطع كافة الأحزاب الأردنية إيصال مرشح لها لمجالس النواب منذ ما أسمي بعودة الديمقراطية بعد انتفاضة نيسان 1989، باستثناء مرشح واحد "لحشد"، وكان ذلك في ظل قيادة بقامة المرحوم سالم النحاس.

وبمرضه ووفاته بدأ أداء الحزب بالتراجع، فلم تصل أمينته العامة الجديدة أبو علبة إلا عبر كوتا نسائية لمجلس النواب السابق المزوّر حدّ اعتراف رئيس المخابرات حينها أنه "عيّن" خمسين من أعضائه، وتوافقها مع الحكم أكده أداؤها. وسأضطر هنا -كونه سيوظف من يرد بأن المرأة لا يمكنها الوصول للنيابية في الأردن إلا بالكوتا، مكررين زعم أنني وصلت برافعة كوتا الأقلية الشركسية- بالرد مسبقا بحقيقة موثقة في سجلات الدولة تفيد بأن وصولي جاء دونما حاجة لكوتا، كوني كنت من الخمسة الحاصلين على أعلى الأصوات، وفي "دائرة الحيتان" المخصص لها خمسة مقاعد.

وفي الانتخابات التالية لم يمكن تقليص ما حصلت عليه من أصوات لأقل من مجموع  ما حصل عليه ثلاثة من خمسة رجال دخلوا المجلس نوابا عن ذات الدائرة، ومنعت أنا بحجة ذات كوتا الأقلية.

وبصراحة تُلزم بها صراحة عروض وصفقات التحالف الجارية بما يحيل المشهد السياسي بكامله للعبة "أشخاص" وليس مؤسسات رسمية أو أهلية، نتوقف عند مسار نائب "حشد" الأول والوزير الحالي بسام حدادين.

حدادين لا يحمل حقيبتي "التنمية السياسية والشؤون البرلمانية"، بل يحمل حقيبة فيها عشرات المقاعد النيابة التي يعرضها ذات اليمين وذات اليسار!

فبناء على أداء النائب حدادين قرر الحزب عدم ترشيحه ثانية. عندها جاءني طالبا توسطي له لدى رئيس الوزراء حينها السيد عبد الكريم الكباريتي كون الأخير لم يرد على سلسة طلبات لقاء معه، مع أن هذا مما يسعى إليه رؤساء الحكومات. فأعلمت الرئيس أنني وزميلي حدادين نريد مقابلته، فجاء الرد واللقاء الفوري في مكتب الرئيس في البرلمان.. لأفاجأ باعتراف حدادين للرئيس بأن حزبه لن يرشحه وأنه لا يملك بالتالي أية فرصة للفوز ولا أي مؤهل جامعي أو مهنة يعتاش منها، وتمنى أن تتقدم الحكومة بقانون تقاعد يساوي النواب بالوزراء كي يضمن تقاعدا يعيش عليه.. ولن أخوض في أحقية الطلب أو موقفي منه كمشرّعة كونه غير ذي صلة بموضوع مقالتي، وأكمل فقط سرد "حقائق" أن القانون لم يقدم من الحكومة ولا قدّمته أنا، وأن حدادين لم يراجعني ثانية بشأنه رغم صعوبة وضعه، ولم يفز بالانتخابات التالية فقط بل جلس على مقعد النيابة لعشرين عاما أتاحت للحكومات أن تزعم أنه ممثل اليسار المخضرم في البرلمان.

وسواء أوصل الكباريتي النائب اليائس لدائرة المخابرات التي تدير كافة انتخاباتنا وكان مديرها حينها سميح البطيخي صديق الكباريتي (قبل انفصام عرى الصداقة) ونسيبه لاحقا، أم أن حدادين أمكنه أخذ موعد ووصل وحده، فإن الكباريتي سيشهد على الجزء الذي جرى بحضوري وقد يتطوع بإنارة ما جرى بعده. ومن جهتي فهمت إعلان حدادين مؤخرا أنه لن يترشح للنيابة بكونه تلقى وعدا بموقع آخر، وبالفعل أعطيت له حقيبة وزارية ذات صلة بالانتخابات.

وما يؤكد كل ما أوردته عن استمرار وتفاقم الترتيبات المسبقة لكامل المشهد مما لا علاقة له بأية انتخابات، وعن تراجع سوية شخوص المؤدين للمشهد؛ تصريح الوزير حدادين في مناظرة مع قيادي إخواني بأن الحكومة لم تقصر في حق الإخوان، بقوله "أنا شخصيا عرضت عليهم عشرين مقعدا"!! أي أن حدادين لا يحمل حقيبتي "التنمية السياسية والشؤون البرلمانية"، بل يحمل حقيبة فيها عشرات المقاعد النيابة التي يعرضها ذات اليمين وذات اليسار! 

افتقار هذه الأحزاب للقواعد سبق وثبت في عجزهم عن حشد خمسمائة عضو حين عدل قانون الأحزاب بطلبه كحد أدنى للتسجيل. وبقيت أغلب تلك الأحزاب قائمة بغض طرف الحكومات عن غياب النصاب عنها. والآن يُثبت غياب أي امتداد شعبي لهم أن طلبهم الرئيس من الملك كان "تمويل حملاتهم الانتخابية"!! القاعدة أن حملات الأحزاب الانتخابية تمول من أعضائها ومؤيديها، ومثلهم المرشحون الأفراد، والتبرع والتطوع للحملات الانتخابية مشروع وهو أحد أدلة شعبية المرشحين.

فيما طلب التمويل من الملك غير جائز دستوريا وقانونيا ولا مخصصات له في قانون الموازنة، والأرجح أن يتم الإغداق على هؤلاء "بمكرمات" ملكية أو مدهم سراً كالعادة -وأحيانا علنا في رسالة للمزوّر ضدهم ولمؤيديهم- "بالمال السياسي" المنهوب أساسا من الشعب.

ومع أن ذلك اللقاء المحفوف بمخاوف القصر والحكومة كان فرصة ذهبية للمحسوبين على اليسار   والقوميين لإملاء شروطهم ولو بالحد الأدنى لمطالب الشارع، فإن الطلب "العام" الوحيد الذي قدموه للملك اقتصر على إطلاق سراح معتقلي الحراك، بدل وقف اعتقالهم نهائيا كونهم "معتقلي رأي" ووقف تحويل المدنيين غير الدستوري لمحكمة أمن الدولة ومحاسبة من تورطوا بتعذيبهم.. وهكذا طلب إفراج  يكرس الاعتقال عقابا بحد ذاته يمارس على النشطاء بالدور، وكما تفعل إسرائيل، مقابل كل "صفقة" إفراجات تجري اعتقالات مساوية بل تزيد.

تفاجؤ الملك بغياب أي اشتراط سياسي لهذا "اليسار" أدى لاستنتاجه (رغم طول إصراره على وجوب قسمة الأردنيين ليمين ويسار ووسط قبل الحديث عن مجالس نيابية وحكومة منتخبة) أنه هو أيضا "يساري" في ما يتعلق بالصحة والتعليم والتأمين الاجتماعي.. ولكنه يميني فيما يتعلق "بالجيش والتسلح"!! وإعلان الملك أنه "يساري" لم يؤد لأن يتحدث من سُموا "قادة اليسار" عن الفساد الهائل الذي رافق مشاريع الخصخصة، بل سكتوا حين أعلن أنه يؤيد قرارات رفع الأسعار الأخيرة!

ولفهم طبيعة التحالف الذي جرى، نعود لذات مناظرة الوزير اليساري حدادين مع القيادي الإخواني حيث قال حدادين: "كنتم ذراعا أمنيا للنظام في الماضي وشاركتم في قمعنا نحن اليساريين وساهمتم في سجني شخصيا ثلاث مرات"! 

ما يجري في مصر وتونس وأيضا حرب الشوارع في سوريا لا يقوي إخوان الأردن، بل يضعهم على منزلق يزداد حدة وينفي فرصهم للوصول إلى الحكم بالوسائل الديمقراطية

الحقيقة أن التصدي لما يتبقى من "نفوذ" الإخوان بعد سحب تحالف النظام معهم لا تلزمه تحالفات بل تلزمه الديمقراطية الحقة. فالنقد والمعارضة التي يجدها الإخوان من غالبية الشعب الأردني غير مسبوقة. ولكن النظام يعرف أنه نقد ومعارضة لمحاولة الإخوان إحياء تحالفهم القديم مع النظام بخفض سقف الشعارات ومطالب الحراك وصولا للقفز عنها بزعم قبول "جدولتها". وما يجري في مصر وتونس وأيضا حرب الشوارع في سوريا لا يقوي إخوان الأردن بل يضعهم على منزلق يزداد حدة وينفي فرصهم للوصول للحكم بالوسائل الديمقراطية.

حقيقة التحالف الذي جرى تتبدى من مقولة لأحد اليساريين الذين حضروا اللقاء قصدت المديح: "هذه المرة بدا لنا أن المتحدث هو الملك حسين وليس الملك عبد الله الثاني". صحيح، فالمشهد هو عودة للعام 57 حين تحالف النظام مع الإخوان المسلمين للإطاحة ببرلمان وحكومة منتخبين، وتلك كانت نهاية الديمقراطية الأردنية بعد أشهر فقط من ولادتها، وقبلها كان حمل ومخاض لربع قرن احتملتهما "كرهاً" الأحزاب والقوى السياسية الوطنية القومية واليسارية.. ولكنها عودة  بنقل البندقية هذه المرة من الكتف اليمين للكتف اليسار لذات النظام.

وبالنسبة للشارع الأردني المشهد ليس لانتخابات تتنافس فيها أحزاب، بل هو أقرب لمشهد من "حريم السلطان" حيث عبلة تقود "الأربعة" الجدد قائلة "نحن جاهزات"، ليس للدفع بمطالب القواعد القومية واليسارية وطلب الحقوق والحريات، بل برد الكيد للضرة القديمة بتطليقها للحلول محلها.
وكما يقول المثل في الضرائر، "ما يبيض وجه القديمة هو فقط مجيء الجديدة"!!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة