الثورات العربية المنجزة والقادمة   
الأحد 17/3/1432 هـ - الموافق 20/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:56 (مكة المكرمة)، 12:56 (غرينتش)


 

يحمل الحديث عن ثورات عربية شرعية مفهومية وواقعية بيئية، ذلك أن الواقع العربي -على مختلف مستوياته- ينطوي على قدر كبير من التوافق، إن كان على مستوى النخب التي غرقت في الفساد المبتذل والمستفز، أو على مستوى المجتمعات التي وصلت شرائح كبيرة منها إلى أفق مسدود.

وإذا كانت الثورة التونسية بدأت تقطف ثمار تضحيات أبنائها، فإن نظيرتها المصرية الواصلة لتوها إلى ميدان حريتها، بعد أن أصرت على بلوغ الخواتيم السعيدة، بدأت في تفكيك حزمة العقد التي وضعت في طريقها على جبهات متعددة، في حين راحت ثورات عربية أخرى تتحضر للظهور، وإن كانت حالة التحضير هذه تمتد من استطلاع طريق الثورة واستكشاف شكل ومدى ردة فعل الأنظمة إلى ثورات بدأت في تجهيز شعاراتها وملصقاتها.

"
الثورة التونسية ألهبت المشاعر وولدت مزاجاً عربياً متفائلاً، كما أنها طرحت تحديات خطيرة على المجتمعات العربية ستؤدي تفاعلاتها إلى خلق واقع عربي مختلف تماماً عما قبل حدوث الثورة التونسية
"
لقد كان للثورة التونسية تأثيرات مهمة في البيئة العربية، فهي وإن بدت في الشكل ثورة عفوية، فإنها ألهبت المشاعر وولدت مزاجاً عربياً متفائلاً، كما أنها في المقابل طرحت تحديات خطيرة على المجتمعات العربية ستؤدي تفاعلاتها إلى خلق واقع عربي أياً تكن توصيفاته فإنه مختلف تماماً عما قبل حدوث الثورة التونسية.

- التحدي الأول: إدراك أن أوضاع المجتمعات العربية لم تكن سليمة، بل يجب أن تشكل المرحلة السابقة حالة استثنائية، لابد من أن تنتهي، لينتهي معها ذلك الإحساس بالخديعة الذي مارسته النخب الحاكمة تحت شعارات زائفة ومضللة.

- التحدي الثاني: إدراك المجتمعات العربية لمستوى هشاشة الأنظمة التي حكمتهم على مدار عقود، فبالرغم من هول ماكينة القمع التي وظفتها السلطات العربية في مواجهة مواطنيها، فإن سر نجاح تلك الماكينة اعتمد بالدرجة الأولى على تقنية استغلال الخوف بدرجة كبيرة، لذا فإن الظاهرة "البوعزيزية" قد أسهمت في تعطيل تلك الماكينة وتفكيك لغزها.

- التحدي الثالث: تأكد المواطن العربي من أن وسائل الأنظمة العربية في التعاطي مع التحديات الكبيرة التي يفرضها الواقع العولمي، ليست مجدية وفاعلة في إيجاد حلول للمشاكل الكبيرة التي بات يغرق بها العالم العربي، الأمر الذي تولد عنه الإحساس بأن العبور إلى المستقبل بات مستحيلاً في ظل وجود هذه الأنظمة.

لم تكن ثورة الشباب المصري بعيدة عن منطق مواجهة هذه التحديات، بل بدت معنية بها أكثر من أي ساحة عربية أخرى، وذلك بحكم درجة التطور التي توفرت للمجتمع السياسي المصري، إما نتيجة للخبرة التاريخية المديدة في الشأن السياسي، أو بالنظر لديناميكية النخب في مصر وفاعليتها، وكل ذلك في موازاة نظام اجتماعي اقتصادي انطوى على خلل كبير في توزيع الثروة بين فئات المجتمع وطبقاته، أدت إليه اللوحة الاقتصادية/الاجتماعية الجديدة التي تشكلت في عهدي أنور السادات وحسني مبارك (مرحلة الانفتاح)، والتي كان من نتيجتها إفراز طبقات وفئات اجتماعية ثرية جديدة من البرجوازية الجديدة ومرتبطة بشكل وثيق مع السلطة.

وقد ساهم خلل النمو وطبيعة البرجوازية الجديدة ذات الطابع الخدماتي والوسيط في عدم قدرتها على استيعاب القادمين الجدد إلى سوق العمالة، وهو ما استفحل منذ الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي ألقت بظلالها القوية على غير بلد عربي، هنا اجتمع الاحتجاج الاقتصادي والاجتماعي ليتوجه ضد سلطة سياسية شكلت الخيمة والإطار لولادة هذا النمط الاقتصادي والاجتماعي، والذي أتت من خلاله أو في ظله ثروات الأغنياء البرجوازيين الجدد، مما أدى إلى أن يكون الانطلاق من الاقتصاد ليس محصوراً أو محدداً بمطالب اقتصادية واجتماعية محضة، وإنما يصل إلى النظام السياسي الذي كان الخيمة والقوة الدافعة للخريطة الاقتصادية والاجتماعية خلال العقود الماضية.

"
بدأت ملامح المشهد المصري الرافض للواقع في التشكل في بواكير هذا القرن، وقد شكلت "حركة 20 مارس من أجل التغيير" في بداية عام 2003 أول نذر الصدام بين السلطة والمجتمع المدني
"
حركياً، بدأت ملامح المشهد المصري الرافض لهذا الواقع في التشكل في بواكير هذا القرن، وقد شكلت "حركة 20 مارس من أجل التغيير" في بداية عام 2003 أول نذر الصدام بين السلطة والمجتمع المدني، وكان بيان تأسيس هذه الحركة قد حمل خطاب التغيير الجذري، حيث أكد أنه "أصبح من الصعب أن يستمر الوضع على ما هو عليه"، ودعا إلى بناء "حركة مفتوحة أمام الجميع تعبر عن أوسع تحالف يقوم على مبدأ التغيير مع الناس ومن أجل الناس".

وبموازاة الطابع الجذري الذي ميز خطاب هذه الحركة، فقد مثل ظهورها ولادة نمط جديد من العمل العام في مصر يختلف عن الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني في شكله وطابعه واتجاهاته، وهو نمط الاحتجاج المنظم على الأوضاع القائمة، والعمل من أجل التغيير الديمقراطي عبر البيانات والمؤتمرات، ثم المظاهرات والوقفات الاحتجاجية، وسيظهر هذا النمط بشكل أكثر تنظيماً مع ظهور حركة "كفاية" أواخر عام 2004، وكذلك حركة "الجمعية المصرية من أجل التغيير".

غير أن الواقع الحركي المصري سيشهد قفزة نوعية مهمة مع ظهور حركة "6 أبريل" التي يعتبر الكثير من خبراء الشأن المصري أنها ساهمت في خلق الأجواء التي مهدت لحالة جديدة في مصر بعد أقل من خمسة أعوام، وظهر خلال هذه الفترة أيضاً العديد من الحركات ذات الطابع التغييري مثل "الحركة المصرية من أجل الديمقراطية– شركاء"، التي ركزت على التداعيات السلبية للتعديلات الدستورية عام 2007، وحركة "تضامن" التي اختارت طريق "التحرك الجماعي المنظم: ابدأ في شركتك، في مدرستك، في مصنعك... نظموا أنفسكم ووحدوا صفوفكم"، وقد اعتمدت هذه الحركات على شبكة الإنترنت وبراعة أعضائها في امتلاك تقنيات التواصل الإلكتروني.

والواقع، أنه إذا كانت الثورة التونسية بحماسها وعفويتها قد ألهبت الوجدان العربي، فإنها تبدو من الناحية العملية صعبة التكرار، لأنها من نمط الثورات الخاصة جداً، في حين تبدو الثورة المصرية أكثر قابلية للاستنساخ في الواقع العربي، وذلك لمنهجيتها الحركية وتطبيقاتها العملية التي امتدت على مدار 18 يوماً، وفق برنامج ثوري ابتدأ من الاحتجاج إلى التظاهر، وصولاً إلى حالة العصيان المدني في يوميها الأخيرين.

ولعل القاسم المشترك بين الحالة المصرية والعديد من البلدان العربية -التي أخذت تتهيأ للثورة- هو ظاهرة نهوض الطبقة الوسطى التي كانت قد انسحبت من التأثير السياسي على مدار عقود مضت، وإن كان نهوضها قد تمظهر بشكل عفوي عبر محاولتها تأهيل أبنائها بمتطلبات العصر تعليماً وتدريباً، وقد ساهم ذلك في رفع منسوب الوعي لدى هذه الطبقة التي غالباً ما تربط أوضاعها الاقتصادية بمتطلبات سياسية أكثر اتساعا وتأثيراً في الوقت نفسه، لارتباط متطلباتها بالمزاج المجتمعي العام.

"
أثبتت الثورتان التونسية والمصرية أن القدرة التي تمتعت بها الأجهزة الرسمية على امتداد العالم العربي بدأت في التداعي، ويشهد على ذلك خروج الآلاف من الشباب العربي مطالبين بالتغيير والحرية
"
إضافة لذلك، ثمة تشابه كبير قائم بين النظام المصري الراحل وبقية الأنظمة العربية، ويكاد هذا التشابه يصل إلى درجة التماثل والانطباق الذي يصل إلى حد تكرار النسخة بحد ذاتها، وهو ما يشجع على الاعتقاد بأن هذه الأنظمة مقبلة على مواجهة مصير واحد يبدو شبيهاً بمصير النظام المصري.

لقد أثبتت الثورتان التونسية والمصرية، أن القدرة التي تمتعت بها الأجهزة الرسمية على امتداد العالم العربي بدأت في التداعي، ويشهد على ذلك خروج الآلاف من الشباب العربي مطالبين بالتغيير والحرية، كما أن الأنظمة ذاتها بدأت تشعر في قرارة نفسها بعدم قابليتها للاستدامة لقناعتها بأن مطالب الجماهير قد تجاوزتها، وكذلك لعدم قدرتها على القيام بالإصلاحات المطلوبة التي ستؤدي حتماً إلى تفكيك بنى الدولة السلطوية التي بنوا عليها أنظمة الخوف المديدة.

لقد تجرأ الكثير من العرب على التفكير في ما لا يمكن تصوره وباتوا يشعرون بالقدرة، وقد تخلصوا من حالة اللامبالاة السياسية التي عاشوا في ظلها عقودا طويلة، وهاهم ينضمون إلى المجال السياسي بانتظار الفجر الديمقراطي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة