إلى أين تتجه السياسة الأميركية بشأن فلسطين؟   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: غراهام فولر

لست متأكدا بصراحة إلى أين تتجه السياسة الأميركية بشأن القضية الفلسطينية، لكن على واشنطن أن تتوخى الحذر لأن هذه القضية ربما تكون المفتاح لنجاح أكبر أو فشل أعظم للحرب على الإرهاب.

هناك ثلاث مراحل أراها حتى الآن في تطور سياسة واشنطن بشأن هذه المسألة، فقد بدأ جورج بوش فترة رئاسته دون اهتمام كبير بالمسائل الخارجية وبقدر ليس كبيرا من الإلمام بها، وكان عازما أن لا يكرر ما اعتقده خطأ الرئيس كلينتون الأكبر وهو الانهماك العميق في المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين. واستطاع بوش النأي بنفسه عن هذه المسألة لشهور عديدة رغم تدهور الوضع في فلسطين بسبب انتفاضة الأقصى وزيادة العنف وأعمال الإرهاب.


إن جورج بوش بحاجة لأن يفكر مليا في المخاطر الناجمة عن تشخيصه للمشكلة الفلسطينية الرئيسية بأنها مشكلة إرهاب، وسوف يرتكب خطأ كبيرا إن سار مع إسرائيل في ذلك، لأنه إن خسر في فلسطين فلن يكون قادرا على الانتصار في حربه الكبرى على الإرهاب

وجاءت المرحلة الثانية مع الأحداث الكبيرة التي وقعت في 11 سبتمبر/أيلول. وفي هذا المجال نقول إنه إذا لم تكن الولايات المتحدة راغبة بزيارة الشرق الأوسط فإن الشرق الأوسط هو الذي زار الولايات المتحدة في ذلك اليوم. لكن هذا الهجوم لم يكن من المكان المتوقع، فلم يكن الفلسطينيون هم الذين هاجموا الولايات المتحدة انتقاما من السياسة الأميركية المنحازة لإسرائيل، وإنما كان ذلك من فعل مجموعة غامضة من الإسلاميين غير معروفة حتى في العالم الإسلامي. ولم يكن السبب المباشر لذلك الهجوم معاناة الشعب الفلسطيني أو الشيشان أو الكشميريين أو العراقيين أو حتى الفقر الذي يعاني منه كثير من المسلمين، فكل هذه المسائل قضايا حقيقية في الشرق الأوسط، لكن هذا الثري السعودي أسامة بن لادن صب جام غضبه على الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج والداعم للسعودية، وقد أدى هجومه في 11 سبتمبر/ أيلول إلى لفت انتباه بوش وبقية العالم صوبه.

وحالما أعلنت واشنطن حربها على الإرهاب كان واضحا أن الأجندة السياسية التي تبناها جورج بوش كانت ضخمة، فهذا الرئيس الذي كان قد أظهر قبل ذلك اهتماما محدودا بالشؤون الخارجية أصبح الآن يتبنى أكثر الأجندات الدولية تعقيدا بدرجة فاقت كثيرا الرؤساء الأميركان على مر العقود الماضية. وكان واضحا أن الحرب على الإرهاب تحتاج لدعم من العالم العربي إلى حد ما حتى يكتب لها النجاح، ونتيجة لذلك بدأ البيت الأبيض ينظر إلى الوضع الفلسطيني بعيون مختلفة. فجميع مستشاري الرئيس بوش أوضحوا أن الولايات المتحدة لم تعد تسمح للوضع في فلسطين بالتدهور، وقد ضغط وزير الخارجية كولن باول -المعروف بأنه الأكثر دراية وفهما للأوضاع الدولية من أي مسؤول آخر في الإدارة الأميركية الحالية- من أجل التركيز على هذه المسألة، فباول زار العالم العربي من قبل، ولذلك فهو يعرف ويقدر أكثر من غيره مشاعر الزعماء العرب بخصوص القضية الفلسطينية. إن أي مراقب سياسي للشرق الأوسط يعرف أن حل القضية الفلسطينية ضروري من أجل وضع نهاية للإرهاب في المنطقة.

وكان خطاب باول الرئيسي بشأن هذا الموضوع عندما تحدث عن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط الشهر الماضي يحتوي على القليل الجديد، لكنه أعطى ملاحظات مشجعة بشأن معاناة الفلسطينيين والإذلال الذي يعانون منه كل يوم. وقد استعمل باول في خطابه كلمة "الاحتلال" بشكل مباشر، كما ذكر كلمتي "فلسطين" و"الدولة الفلسطينية". ومن الواضح أنه إذا أمكن حل المشكلة الفلسطينية فسوف يتمتع البيت الأبيض بمقدار أكبر من المصداقية في الشرق الأوسط ومن ثم يستطيع الضغط من أجل إحداث تغييرات يمكن أن تضعف الجماعات الإرهابية.


عندما تطلب الولايات المتحدة من الفلسطينيين وضع حد للإرهاب أولاً فإنها تطلب منهم نزع أسلحتهم من جانب واحد قبل الدخول في مفاوضات، وهو أسلوب لن يكون ناجحا بل يدعم إستراتيجية شارون دعما مباشرا

لقد شعرت بالارتياح عندما تم تعيين الجنرال زيني للعمل على حل المشكلة الفلسطينية لأن زيني يعرف العالم العربي معرفة جيدة كونه عمل قائدا للمنطقة الوسطى في الخليج لعدة سنوات، كما أنه يمتاز بالحزم والجرأة ولذلك يستطيع مخاطبة الطرفين دون الخوف من ردود الأفعال داخل الولايات المتحدة.

ثم جاءت التفجيرات "الإرهابية" التي وقعت أوائل ديسمبر/كانون الأول والتي بلغت ست عمليات خلال 24 ساعة ضد مدنيين إسرائيليين. والواقع أن هذه التفجيرات كانت هدية لشارون لأنه استطاع توظيفها واستغلالها على الفور، فقد أصر على أن حربه على السلطة الفلسطينية وعرفات مطابقة للحرب الأميركية على بن لادن والقاعدة. وللأسف الشديد بدا أن بوش قد قبل هذا التفسير. وإذا لم يتم التراجع عن هذا القرار فسيكون كارثة على الفلسطينيين وعلى إدارة الولايات المتحدة للمسألة الفلسطينية وكذلك على الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على الإرهاب.

وبقبوله منطق شارون بأن جذور المشكلة واحدة وهي الإرهاب، يبدو بوش وكأنه قبل تماما برنامج العمل الذي يتبناه حزب الليكود. نعم توجد هنا مشكلة إرهاب بالطبع، لكن المشكلة الأساسية ليست الإرهاب وإنما 35 عاما من الاحتلال الإسرائيلي القاسي، وما لم يتم حل مشكلة الاحتلال أولا لن يتم حل مشكلة الإرهاب أبدا. وعندما تقوم دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة ستكون السلطة الفلسطينية -بعدها وليس قبلها- قادرة على حل مشكلة الإرهاب بشكل فعال. وعندما تطلب الولايات المتحدة من الفلسطينيين وضع حد للإرهاب أولا فإنها تطلب منهم نزع أسلحتهم من جانب واحد قبل الدخول في مفاوضات. إن هذا الأسلوب لن يكون ناجحا ويدعم إستراتيجية شارون دعما مباشرا.

ونتيجة لذلك أعتقد أننا نتجه نحو أزمة أكثر عمقا بين إسرائيل وفلسطين، فشارون قد يتحرك قريبا للقضاء على عرفات والسلطة الفلسطينية مما سيتسبب بحالة من الفوضى التامة والتي لن تخدم في النهاية حتى مصالح إسرائيل نفسها. كما أن إثارة نزاع في فلسطين سيعني أن بوش لن يحصل على أي دعم لحربه على الإرهاب من العالم العربي، ولن يكون قادرا على العمل من أجل إزاحة صدام حسين عن السلطة. ومن ناحية أخرى إذا تم حل القضية الفلسطينية حلا عادلا فسوف يكسب بوش رضا المنطقة وسيحصل على تعاون أكبر منهم بخصوص الجوانب الأخرى في السياسة الأميركية، ولكن ذلك كله لن يكون دون حل القضية الفلسطينية.


هناك فرق بين العمليات الفدائية والإرهاب، فالإرهاب هو الاستهداف المتعمد للمدنيين وخصوصا النساء والأطفال، وإذا كان لابد من العنف فمن الحكمة أن يكون محصورا في الأهداف العسكرية والأمنية في الأراضي المحتلة، فهذه حرب فدائية وليست إرهابا

غير أننا لا نستطيع أيضا تجاهل مسألة الإرهاب. إنني أدرك جيدا أن إسرائيل تستخدم أساليب عسكرية ضد السكان الفلسطينيين تقتل مدنيين أبرياء وتنشر الإرهاب بينهم، ولكن هناك فرق من وجهة نظري وربما من وجهة نظر العالم بشكل عام بين العمليات الفدائية والإرهاب. إن تعريفي للإرهاب هو الاستهداف المتعمد للمدنيين وخصوصا النساء والأطفال، وعندما يقوم "إرهابيون" فلسطينيون أو من جماعة بن لادن بعمل ذلك فإنهم يخالفون الأعراف والمفاهيم المتفق عليها دوليا بما فيها الإسلامية. ويجادل البعض ومنهم بعض الفلسطينيين بأن المقاومة السلبية ربما تكون الأسلوب الأكثر فعالية ضد إسرائيل. ولكن إن كان لا بد من استخدام العنف فمن الحكمة أن يكون محصورا بالأهداف العسكرية والأمنية في الأراضي المحتلة، فهذه حرب فدائية وليست إرهابا. وكما هو الحال الآن فإن الفلسطينيين فقدوا مقدارا كبيرا من التأييد الدولي بسبب أعمالهم في حين كسب شارون هذا التأييد. إنني لا أعتقد بأن شارون سيكون قادرا على الانتصار في هذا الصراع، لكني أيضا لا أعرف إن كان الطرف الفلسطيني سيكسب هو الآخر المعارك القادمة أم لا. ولذلك ينبغي على الفلسطينيين أن يفكروا مليا في هذه الأساليب في الفترة القادمة التي ستكون فيها الأمور السياسية غامضة وغير معروفة النتائج.

وأخيرا فإن جورج بوش هو أيضا يحتاج لأن يفكر مليا في المخاطر الناجمة عن تشخيصه للمشكلة الرئيسية بأنها مشكلة إرهاب، فالإرهاب مجرد مشكلة ثانوية، وسوف يرتكب خطأ كبيرا إن سار مع إسرائيل في هذا المستنقع، لأنه إن خسر في فلسطين فلن يكون قادرا على الانتصار في حربه الكبرى على الإرهاب.

للمشاركة بالرأي والتعليق

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة