صدقنا مخاوف الملك.. وباتت لدينا شكوك   
الثلاثاء 1430/3/14 هـ - الموافق 10/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 14:50 (مكة المكرمة)، 11:50 (غرينتش)


قبل أقل من شهرين حين كان العدوان على غزة في ذروته, صرح الملك عبد الله الثاني بأنه متخوف من الأخطر القادم لكون هذا العدوان هو جزء من مؤامرة على الشعب الفلسطيني وعلى مستقبله.

وفهم هذا في حينه, أردنيا وعربيا, على أنه تخوف من مخطط الوطن البديل الذي ظل قادة إسرائيل يعلنونه منذ ما قبل تأسيس دولتهم على أرض فلسطين, ولكنهم كانوا في الأشهر السابقة على العدوان قد شرعوا في الحديث عن تفاصيل تطبيقه, وكان من يقوم بهذا ليس أقل من شخصيات سياسية رئيسية ومراكز دراسات أميركية وإسرائيلية, بل ورافق هذا نشر خرائط جديدة للمنطقة.

"
القلق الأردني من مخططات إسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية بلغ ذروته بإعلان جلالة الملك أن هنالك مؤامرة.. ولكن لا الحكومة ولا أي مسؤول رسمي مطلع أطلعنا, ولا حتى رشح من ثنايا قول أو فعل رسمي ما يجيب على أي من تساؤلات الصحافة حول ما استجد في الموضوع
"
حينها انبرى الكتاب الأردنيون, المرتزقة الذين يهللون لكل خطاب رسمي وكذلك المستقلون, للحديث عن هذا الخطر المحدق. والتساؤل كان عما استجد من معلومات لدى الدولة الأردنية, لكون المخطط ذاته ليس جديدا, ليطلق الملك هذا الإنذار الذي "يستدعي توضيحات رسمية حول الأجندة الإسرائيلية والتحرك الأردني لمواجهتها.. فالقلق الأردني من مخططات إسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية بلغ ذروته بإعلان جلالة الملك أن هنالك مؤامرة".. ولكن لا الحكومة ولا أي مسؤول رسمي مطلع أطلعنا, ولا حتى رشح من ثنايا قول أو فعل رسمي ما يجيب على أي من تساؤلات الصحافة هذه, بل ولم يتم تبني أي من مقترحات الصحافة والشارع السياسي بأكمله لتوحيد وتقوية الجبهة الداخلية اللازمين للتصدي لهذا الخطر.. والسبب أن هذه التقوية والتوحد لا يتأتيان إلا بالإصلاح السياسي, كما يجمع كل السياسيين والمفكرين ومعهم العسكريون الذين استحضروا قصة النصر في معركة الكرامة. والكل عاد ليقول إنه لا نية رسمية للتوجه لذلك الإصلاح, بما في ذلك التعقيبات على التعديل الحكومي الأخير.

تصريح الملك ذاك كان قبل أن يظهر أثر العدوان على غزة في مجرى الانتخابات الإسرائيلية, وهي الانتخابات التي يجمع المراقبون على أنها السبب الرئيسي لشن ذلك العدوان. والآن, وبعد أن ظهرت النتائج, بل وحسم الخلاف الدقيق حول من الأولى بتشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة, وبعد أن جاء الحسم لصالح اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو على يد ليبرمان الأكثر تطرفا في كامل طيف اليمين الإسرائيلي.. الآن جاء التصريح الثاني للملك بعد مضي أقل من شهر ونصف فقط على الإنذار السابق بالخطر المحدق, ليقول, وأقتبس من نص حديثه أثناء لقائه مجموعة من الشخصيات الأردنية كما نشرته وكالة الأنباء الأردنية (بترا): "أنا متفائل جدا على مستقبل بلدنا ومش خايف من المؤامرات. إحنا عارفين قوة الأردن وإمكانيات الأردن والتخوف بيكون من الشكوك داخل المجتمع الأردني. هذا اللي بخوفنا أكثر من أي شي تاني. إذا إحنا بنشتغل بروح الفريق الواحد وبناخذ موقف قوي بالنسبة للأردن ما في تخوف".

وتضيف وكالة بترا أن الملك أشار إلى أن عدم إنهاء الصراع على أساس حل الدولتين يهدد إسرائيل, لافتا إلى أن عدد العرب في إسرائيل سيصل إلى 50% من سكانها خلال أعوام, وبالتالي فإن "الدولة اليهودية تحت الضغط اليوم وليس الدولة الهاشمية".

وهنا, ليست الصحافة الرسمية فقط, ولكن تلك التي تصف نفسها بأنها مستقلة, وبعد أن استخلصت أن حديث الملك هذا يعكس سقفا للتوقعات الأردنية متدنيا للغاية, انتقلت لتصف الحديث بأنه "تحليل استباقي جريء للملك حين بادر إلى إلقاء الكرة في الملعب الإسرائيلي بدل الاستسلام لمشاريع مشبوهة تسعى لتحميل الأردن نتائج فشل حل الدولتين"!!

ولكن ماذا لو أن إسرائيل قررت قذف الكرة خارج ملعبها نهائيا بقذف مليون ونصف مليون فلسطيني خارج حدود دولة إسرائيل؟؟ وهذا ما أعلنت ليفني نيتها فعله مزاودة على نتنياهو المدعوم من ليبرمان, والأخير يجاهر بأن هذا هو برنامجه الأول لتصبح إسرائيل "بيتهم", وهو أيضا برنامج شارون مؤسس كاديما الذي لأجله خرج من غزة المزدحمة بلاجئي الـ48 وبنى الجدار العازل في الضفة وشرع في تهويد القدس بالاستيطان كما بقذف أهلها العرب خارجها مما تتابعه حكومة أولمرت حتى وهي راحلة.

أي أن هذا هو البرنامج المعلن لكامل يمين الوسط واليمين المتطرف الذي اقتسم الغالبية الساحقة لمقاعد الكنيست ويسعى كل طرف فيه لتعزيز فرصه في ظل الائتلافات النسبية الهشة بأن يزداد تطرفا. فهل هو مستبعد على نتنياهو الرافض صراحة لفكرة الدولة الفلسطينية على علاتها وعلى كل هذه الألغام المزروعة فيها؟؟ وإلى أين سيتم الإبعاد؟؟ هذا ما يستدل عليه بمعرفة أين يتم حاليا.

ودون الخوض في أعداد من جرى ترحيلهم على امتداد السنوات الماضية إلى الأردن, فإن ما هو ظاهر الآن أن جل المبعدين مؤخرا يتم ترحيلهم إلى المناطق المنوي تسميتها "الدولة الفلسطينية".. وهي الدولة التي سبق أن قال لنا صراحة الأستاذ الباحث في جامعة تل أبيب كاري سوسمان (في تقرير نشره في مارس/آذار عام 2005 واختصرته في مقالتي الأسبوعية في "الراية" القطرية بتاريخ 18-5-2005 مذكرة قرائي بوجوب احتفاظهم به لأنه سيشكل مرجعية تلقي الضوء على أحداث كثيرة ستلي) إن شارون "سيد التكتيك الذي يمتلك إستراتيجية بعيدة المدى" يعي أن هذه الكانتونات المكتظة على نصف مساحة الضفة الغربية التي ستسمى دولة ستكون "غير قابلة للحياة", وأن ترتيبات الدولتين لن تجلب نهاية للصراع الفلسطيني/الإسرائيلي, ولكن ما يأمله شارون هو أن تذوب الدولة الفلسطينية على المدى الطويل في الأردن.

"
دون الخوض في أعداد من جرى ترحيلهم على امتداد السنوات الماضية إلى الأردن, فإن ما هو ظاهر الآن أن جل المبعدين مؤخرا يتم ترحيلهم إلى المناطق المنوي تسميتها "الدولة الفلسطينية" وهي الكانتونات المكتظة على نصف مساحة الضفة الغربية
"

وإذا أضفنا رفض نتنياهو لحل الدولتين, وإصرار كل قادة إسرائيل على "يهودية" دولتهم, والرفض التام لحق اللاجئين في العودة الذي قبلت به السلطة الحالية أكثر من مرة وبأكثر من صيغة مما يعني أن لا عودة للاجئين أو النازحين المقيمين في الأردن, والعودة إسرائيليا للحديث صراحة عن "الترانسفير" بإلباسه لبوس حق "العودة" المنتقاة التي تقبل بها إسرائيل للدولة الفلسطينية الموعودة.. فإن الخطر الديموغرافي الذي يهدد إسرائيل هو آخر ما يمكن أن نركن إليه, لكونه خطرا فتحت قنوات تصديره إلينا منذ البداية.

وهو خطر يهدد "الدولة الأردنية", أما لماذا تمت الإشارة إليها هذه المرة بتعبير "الدولة الهاشمية" فهو ضمن ما سنشرح لبيان التباين بين التصريحين, والذي يمثل مرحلة متقدمة خطرة من الاختباء وراء العرش الذي يمارسه لاعبون خسروا تماما على المستوى الوطني, ومرشحون لخسارة ما هو أكثر من مواقعهم عند أول خطوة إصلاح, أو استقرار للمؤسسات الدستورية بما فيها مؤسسة العرش.

فهؤلاء الذين تجمع الصحافة والشارع العادي قبل المسيس ليس فقط على أنهم لا قواعد لهم, بل على أنهم ومن استزلموا بهم عن طريق العطايا والامتيازات على حساب المال والمنصب العام, يشكلون عبئا على النظام ونقطة ضعفه الشعبية الأولى (التناقض المنطقي في وجود مراكز قوى مجمع صحفيا وشعبيا على أنها بلا أي قوة أو قبول شعبي أوضحته في مقالتي المعنونة "مأزق يدعو للقلق "المنشور على هذا الموقع نهاية يناير/كانون الثاني وأوائل فبراير/شباط عام 2007, وننصح بقراءته لكونه تناول أكثر من شأن مطروح بقوة الآن وبصورة استشرافية أثبتت الأيام صحتها).

ولهذا كانت "الحاشية" في عهد الملك الراحل محط الاعتراض المشترك من الموالاة والمعارضة على السواء, بل والسبب الرئيسي لانتقال الكثيرين, وبتسارع بعد توقيع "وادي عربة" واستشراء نفوذ عرابيها بين الحاشية, من الفئة الأولى إلى الثانية. وللمعنيين بتدقيق هذا الشأن وتوثيقه, فإن عودة إلى وثائق "انتفاضة نيسان" عام 89, تبين بدقة عجيبة (في أقرب مثال لتاريخ يكرر نفسه) أسماء وأدوار ذات الشخوص الذين قامت الانتفاضة ضدهم تحديدا, وكذبوا على الملك الراحل بشأنها عند اندلاعها وكان مسافرا للخارج حينها, وحاولوا قمعها بوسائل أدت إلى تصعيدها, وحضوه على مزيد من القمع لدى عودته ولحظة استقباله في المطار.. ولكنهم عزلوا جميعا بطلب شعبي حددهم بالاسم, وجرى تهميشهم وغالبيتهم لم تعد إلى أي منصب فاعل في عهده.

ومن تسللوا بزعم انتخاب الشعب لهم مع عودة منقوصة مخترقة للديمقراطية, عاد الملك الراحل لسحب البساط من تحتهم بعد أن تبين طموحهم غير المشروع والمدمر للمملكة. وأول المؤشرات على هذا تمكن قراءته في مجريات انتخابات عام 97 من وثائقها, والتي تبدو هي أيضا في هذه الجزئية بالذات كمواقف متناقضة للملك الراحل.. إلا في نظر من عرف بواطنها مما تحرص الحاشية الحالية على إخفائه بإبعاد شهوده والقفز عن وثائقه.

تاريخ ومصالح "مراكز القوى" هذه تحتم أن تكون طبيعة عملها أبعد ما تكون عن الأنظار, كما تحتم أن تجد لنفسها واجهات تحظى بقبول شعبي, أو بصد الشعب بقبضة أمنية تقوم بالقمع نيابة عنهم. ومن هنا سارع هؤلاء إلى مصادرة منهجية لما تبقى من الديمقراطية المنقوصة التي عادت بفعل "انتفاضة نيسان", وانتهى الأمر بمهزلة الانتخابات النيابية الأخيرة التي أسقطت ما هو أبعد من هيبة مجلس النواب ذاته, إلى هيبة من أحضروه.

فرغم العسف الذي لأجل تمكينه جرى مثل هذا التزوير, فإن الأمر بلغ بالمشرفين الحكوميين على الانتخابات أن احتجوا على وزارة الداخلية لكونها جعلتهم "يقسمون" على أن يلتزموا الحياد فيما هي تنوي التزوير المكشوف وبحضورهم, وهذا أمر يستفز مفاهيم "النزاهة " بأبعادها الأخلاقية والدينية في الوجدان الشعبي, ويشعر المواطن البسيط النزيه بأنه بات, أخلاقيا, فوق سلطات يفترض أن يوليها الولاء والطاعة.

"
الولائم التي يقيمها من يسمون أنفسهم مراكز قوى, وأهمها تلك التي يقيمونها على شرف الملك, شكلت جلسات صنع قرار سرية مغلقة محصنة, إذ لا يمكن أن يخترق جلسة على مائدة من لم يكن مدعوا, حتى ولو كان بذات موقع الداعين والمدعوين
"
ورغم شل كافة المؤسسات الدستورية وبالرغم من تغول هؤلاء فيها وعليها عدديا بفعل التزوير في المنصب المنتخب والتآزر على الضغط أو التوصية بشأن التعيين بالمقابل, بحيث باتت كل مؤسسات الحكم أقرب للنادي المغلق على تلك الفئة (عرضت له في مقالتي "وضع غير مسبوق" من على هذا المنبر أيضا), فإن خطورة ما كان يطرحه هؤلاء دفعتهم لاستبدال منابر تلك المؤسسات بصيغة غير مسبوقة باتت لافتة للنظر بحيث تناولتها كافة المجالس العامة, ثم المواقع الإلكترونية .

فالولائم التي يقيمها من يسمون أنفسهم مراكز قوى, وأهمها تلك التي يقيمونها على شرف الملك, شكلت جلسات صنع قرار سرية مغلقة محصنة, إذ لا يمكن أن يخترق جلسة على مائدة من لم يكن مدعوا, حتى ولو كان بذات موقع الداعين والمدعوين (نواب أو أعيان أو وزراء).

وفي عهد ترؤس السيد محمد الذهبي, شقيق رئيس الوزراء الحالي, لدائرة المخابرات العامة, جرى تسريب لواقعة أدى إلى حشد مراكز القوى جهودهم فيما بعد للتخلص من مدير المخابرات ذاك. فما طلبه هؤلاء من مدير المخابرات لم يكن أقل من قيامه بقمع على طريقة عهد الأحكام العرفية, لأصحاب الرأي الآخر الذين ما زالوا يشقون طريقهم إلى ما يسمى الصحافة المستقلة, على ضيقه ووعورته.

وكان لرد مدير المخابرات الرافض أثر عجيب في قلب شارع درج على كره المخابرات والإدانة والعزل الاجتماعي لكل من عمل فيها, إلى تهليل وتأييد لرئيس تلك الدائرة يعزى له بعض ما عكسته استطلاعات الرأي من تأييد لحكومة شقيقه.

ولكن الأهم الذي حاول هؤلاء التخفي وراءه هو شخص الملك سواء من حيث قبوله الشعبي أو من حيث حصانته التي يضمنها الدستور بصورة حضارية, لكونه يتيح لممثلي الشعب (وبالطبع للصحافة المستقلة) محاسبة الحكومة على كل أفعالها ولو تمت بتكليف شفوي أو كتابي من الملك, وصولا لمحاكمة أي وزير أو رئيس حكومة.

وهذا هو جوهر الملكية الدستورية التي يقع النظام الأردني ضمن منظومتها, لكون الدستور الذي قام عليه يكاد يكون منسوخا من الدستور البلجيكي المقتبس من الممارسة البريطانية.. وهذا غير ترجمة هذه الحصانة في إجراءات أبعد ما تكون عن نهج القوانين والدساتير فيما اشتهر بأنه جرائم "إطالة اللسان", وتصدر قائمة انتقادات منظمات حقوق الإنسان الدولية لحكوماتنا.

أما على المستوى الداخلي, فقد باتت كافة القوى الشعبية تجمع على مطلب العودة "للملكية الدستورية", ولكن بإضافة أن تكون الحكومة منتخبة في تأكيد على ألا يتسلل للحكم أي من نماذج "مراكز القوى" هذه التي ليس لها أي رصيد, وتعمل بالتالي على استنزاف رصيد الملك دون حساب للعواقب, بما فيه شخصنة كل صراع داخلي أو إقليمي بجعله صراعا مع الملك في العلن.. وإن كان هؤلاء ينقلبون في أحاديثهم الخاصة, وبالذات مع من يخشون أوزانهم القاعدية من المعارضة, إلى زعم أنهم في مواقعهم تلك يجهدون في تلقي الخطأ لامتصاصه وعقلنته أو "فلترته", ولهذا فإن القاسم المشترك الأعظم لخطابهم العام كما الخاص يدور حول "واقعية" مطاطة.

وفي هذا تتداول عنهم -بكثرة تسقط الحرج- روايات عن عسف وفساد رسمي متشابهة ينقلها رواة مختلفون بينهم دبلوماسيون مروا بالبلد, وبعض رواياتهم تصور هذا الواقع بأسوأ مما يجنح له خيال أكثر المعارضين, أو حتى الأعداء, تطرفا!!

وبالنسبة لموضوع مقالتي هذه, هنالك أغلبية سياسية ترى أن تصريح الملك الأول جاء عفويا ومؤشرا على إحساس بدهي سليم بالخطر الذي جعل "مراكز القوى" هذه تحديدا تتوارى عن الأنظار تماما وينكمش فعلها.. أما التصريح الثاني فيعتقد أنه جرى بفعل انتعاش تلك الجلسات المغلقة بعد انتهاء العدوان, لكون تعبير "الدولة الهاشمية" الذي دفع به كواجهة لشخصنة الصدام, تعبير جديد خطير لم يوظف من قبل بديلا عن "الدولة الأردنية".

وطرح هذا التعبير في هذه الفترة بالذات, إذ يستعيد تاريخ تأسيس المملكة بضم ما تبقى من فلسطين لإمارة شرق الأردن, يستجلب للنظام ما هو في غنى عنه.

"
طرح تعبير "الدولة الهاشمية" في هذه الفترة بالذات, وما يعنيه من استعادة تاريخ تأسيس المملكة بضم ما تبقى من فلسطين لإمارة شرق الأردن, يستجلب للنظام ما هو في غنى عنه
"
وأثر تلك الجلسات المغلقة لـ"مراكز القوى" ظاهر في تلازم طرح هذا التعبير مع إعادة طرح تقسيم الأردن (مشروع هؤلاء المتكتم عليه منذ سنوات) تحت مسمى لم يكن واضحا أهو "الأقاليم" أم "اللامركزية الإدارية", وهما مشروعان مختلفان كما بينت في مقالين لي عنهما من على هذا المنبر.

ولكن أهم ما يجمعهما هو رفض الأردنيين لفكرة التقسيم ابتداء, وربطهما -وليس دونما وجه حق- بمشروع التوطين.. إضافة لكونهما يهددان, بل ويكادان يلغيان, نفوذ الحكومة المركزية التي هي ذراع الملك, كما نبهت في المقالين.

وفي هذا إضعاف, على أقل تقدير, "للدولة الهاشمية" لصالح دويلات يجري تفصيلها على مقاس حكامها المنويين, بل وأسرها الحاكمة, ولهذا يجري الاقتتال بين المشروعين التقسيمييْن وعلى تفاصيلهما مقابل التوحد في تسويق الفكرة بعمومها لدى الملك.

أما لماذا الآن بالذات, فالأسباب كثيرة, وفي مقدمتها فرصة تصفية القضية الفلسطينية التي تتيح تربة خصبة لقناصي الفرص وكم كبير من غض الطرف المؤقت عنهم.. وسبب آخر, هو أن الأبناء, الأقل تأهيلا حتى من آبائهم, غير قادرين على تحصيل شيء في أي بيئة تنافسية, لهذا هم يجب أن يورّثوا!!

مجموعة من الشباب اليساريين طرحت أسئلة معمقة عما ورد في مقالتي عن مشروعيْ التقسيم, وساروا في الحوار لأبعد من هذا. وأكثر ما فاجأهم أن المشروعين في غير صالح الحكم الملكي, فجاء سؤالهم: أنتِ إذن تدافعين عن الحكم؟ فأجبت: بل أدافع عن "وطنين", الأردن وفلسطين, ضد التقسيم والإلغاء والإلحاق, وكل ما يتبع هذا محكوم به وحده.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة