وقائع الأحداث وبناء المستقبل   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: كمال الهلباوي*

أصبح من اليسير على كل راغب -ومع تطور تقنيات البث والاتصال- متابعة الأخبار والأحداث والوقائع العديدة في العالم بخيرها وشرها، في حين ظل من العسير على كل آمل وطامح بناء المستقبل الذي يريد. ولا يستثنى من ذلك سوى من عمل لهذا المستقبل وأعد له العدة، وبذل الجهد اللازم لذلك البناء، وأفلت من التربص الأميركي الذي قد يباغت عملية البناء فيقوضها من الجذور.


بعد مرحلة التدمير ثم التحكم والتوجيه الأميركي في أفغانستان، لن يحظ بناء المستقبل الأفغاني بشيء يذكر، وسط الأخبار
والأحداث التي سلطت الأضواء حتى على أماكن وقرى لم يسمع بها أحد من قبل مثل توره بوره التي لا توجد بها قواعد عسكرية أو مختبرات للأبحاث النووية
إن الأحداث –قراءة وسماعا ومشاهدة
وتحليلا– تحمل الكثير من المعاني والآلام بل ومن الشر المنتشر في العالم، أكثر مما تحمل من الحكمة والآمال أو الخير رغم كثرته في العالم كذلك. انظر إلى أفغانستان على سبيل المثال، فبعد مرحلة التدمير ثم التحكم والتوجيه الأميركي سترى أن بناء المستقبل الأفغاني لم يحظ بشيء يذكر، وسط الأخبار والأحداث التي سلطت الأضواء حتى على أماكن وقرى لم يسمع بها أحد من قبل مثل توره بوره التي لا توجد بها قواعد عسكرية أو مختبرات للأبحاث النووية.

إن بناء المستقبل اللائق لشعب ما أو لبلد ما لا يتأتى من خلال أحداث تفرض على البلاد من الخارج، أو أحداث ووقائع لا تمثل الطموحات ولا الآمال ولا القدرات لذلك الشعب أو البلد. وقد أصبح التغيير والبناء محفوفا بمخاطر عديدة أخطرها الهيمنة الأميركية. وهذه الهيمنة غير عملية القيادة أو مرحلة القيادة العالمية.
فأميركا قد تقود العالم في هذه المرحلة التاريخية، ولكنها للأسف الشديد لن تسمح للعالم الذي تقوده –ولو تدريجيا وعلى مراحل– ببناء المستقبل المناسب له. وقد بدأت المرحلة الأولى في مواجهة التغيير وبناء المستقبل ببعض دول العالم الثالث. كيف تستطيع دول مثل العراق أو كوريا الشمالية أو إيران بناء المستقبل والانغماس في هذا المضمار بمتطلباته العديدة، وسط أوصاف وتصنيفات تأتي من داخل جعبة الهيمنة الأميركية حين اعتبر الرئيس الأميركي "بوش الابن" أن هذه الدول تشكل "محور الشر".

طبعا قائمة دول الشر مفتوحة ولم تقفل، وقد فتحتها أميركا في ضوء مصالحها، ولا يعرف أحد من سيغلق هذه القائمة لأنها جزء من عملية بناء المستقبل العالمي، وقد تغلقها أميركا بنفسها -وهو أمر مستبعد- كما قد تغلقها قوى أخرى عندما يتغير ميزان القوى في العالم ولو بعد حين.. ولكن ذلك يبدو عملية طويلة ومعقدة ومليئة بالصراع.

المهم أن أميركا -شأنها شأن الإنسان في كل مكان- لن تنزل برغبتها عن القيادة أو الهيمنة ولن تغلق القائمة التي فتحتها بمحض إرادتها، ولكنها ستفعل ذلك اضطرارا وقسرا طالما كانت هي القوة العظمى الوحيدة في العالم. لقد بدأت عمليا مرحلة بناء المستقبل العالمي وتشكيله والتركيز الشديد والصراع على القيادة الأميركية قبل خمسين عاما على الأقل، ولكنها تحققت عمليا في عهد بوش الأب ثم تأكدت مرة أخرى في عهد الرئيس الأميركي بوش الابن، رغم أنها عملية أميركية مستمرة منذ مدة طويلة.


قائمة دول الشر مفتوحة ولم تقفل، وقد فتحتها أميركا في ضوء مصالحها، ولا يعرف أحد من سيغلق هذه القائمة لأنها جزء من عملية بناء المستقبل العالمي
بدأت هذه المرحلة الجديدة بما يسمى بالحرب على الإرهاب، وهي حرب ليست محدودة المكان ولا الزمان ولا الوسائل. لقد بدأت تلك المرحلة بالحرب ضد طالبان والقاعدة، وسبقها حشد العالم كله تقريبا للمشاهدة والتحييد أكثر من المشاركة الإيجابية –بما في ذلك باكستان– لمواجهة هذا النظام السياسي الضعيف، ومواجهة تنظيم القاعدة المحاصر المضغوط عليه مهما قيل عن إمكاناته وقدراته.

ثم جاءت المرحلة الثانية وهي مرحلة طويلة أكثر من الأولى، وتتمثل في مراقبة وتهديد الدول التي أطلق عليها الرئيس الأميركي "محور الشر".

وهذه الدول ليس فيها طالبان ولا تنظيم القاعدة، فكوريا الشمالية دولة غير إسلامية، وبالمعنى الأميركي المعاصر للإرهاب فإنها يجب أن تكون بمنأى عن الإرهاب أو الاتصاف به. والعراق نظام بعثي جرّ على شعبه وعلى المنطقة الكثير من الويلات دون أن تبدي أميركا في حينها حراكا، بل بدت راضية كل الرضا عن النظام العراقي لأسباب أخرى تتعلق بإيران. وهذه الأخيرة ثورة جديدة على الفساد الكبير لم تتح لها فرصة بناء مستقبلها.

ووصف هذه الدول اليوم بأنها تشكل "محور الشر" وصف مغلق، ويرتبط بعملية التنمية وبناء المستقبل الداخلي فيها أكثر مما يرتبط بالشر أو ما يسمى بالإرهاب. والمعتقد أن أميركا فتحت هذه القائمة الجديدة انطلاقا من الخوف الأميركي من أي جهد أو عمل تنموي قد يؤدي إلى تغيير في تملك مفاتيح أو موازين القوى،
ومن ثم فقد جاء وصف هذه الدول بمحور الشر مرتبطا بتطوير أسلحة الدمار الشامل، وهو جرم في حق الدول الراغبة في النماء وبناء مستقبلها، ولكنه وسام شرف في حق أميركا ومفتاح من مفاتيح قوتها وسيطرتها، وسر من أسرار هيمنتها وإملائها لسياستها الخارجية الحالية. وهو دليل على الحكمة الأميركية، إلا أنه في ذات الوقت دليل على عدم النضج عند دول العالم الثالث إن فعلته.


عملية بناء المستقبل تحتاج إلى التحرك في الوقت المناسب، فإذا جاء التحرك متأخرا لم يكن له الفائدة المرجوة، وإن كان القيام بأي عمل مهما كان قليلا أفضل من لا شيء

إن عملية بناء المستقبل تحتاج إلى التحرك في الوقت المناسب، فإذا جاء التحرك متأخرا لم يكن له الفائدة المرجوة، وإن كان القيام بأي عمل مهما كان قليلا أفضل من لا شيء. فعندما تعلن بعض الدول أو الكيانات اليوم في الشرق أو الغرب، من المسلمين وغيرهم –وبمناسبة التهديد الأميركي للعراق أو غيره– معارضتها للحل العسكري، فإن ذلك الإعلان يأتي متأخرا عشر سنوات على الأقل، لأن الخطر الأميركي مثل السرطان الذي ينتشر دون ضابط أو وازع، ولا يتوقف حتى يأتي على قدرات المريض فلا يستطيع حراكا وإن ظل لسانه ينطق بالأقوال الصحيحة في غير زمانها وغير أوانها. ولعل أبعاد درس طالبان أو القاعدة تتضح جليا للراغبين في بناء المستقبل.

إن بناء المستقبل عملية صعبة جدا ولكنها ليست مستحيلة، ويشارك في صناعته أفراد كما تشارك في صناعته الكيانات الكبيرة.

منذ عشر سنوات كنت أتابع –بتعجب شديد- عملية استحداث الإنترنت، وازداد عجبي بعد أن قرأت منذ خمس سنوات أو يزيد ما كتبته المجلات الأميركية عن تيم بيرنارد لي (Tim Bernard lee) وهو اسم غير معروف في عالم الجهاد أو الصراع أو الحرب أو التلفاز. ولكنه استطاع من خلال مركز أبحاث صغير في سويسرا وهو مركز (CERN) تطوير ما يسمى بالـ www
الذي يستفيد منه ملايين البشر اليوم.

هذا المخترع الكبير من أصل بريطاني استفادت منه أميركا -كما تستفيد من الأذكياء والموهوبين في العالم على أرضها وعلى غير أرضها– ويسرت له سبل البحث والتنقيب العلمي والتقني حتى في سويسرا، ثم نقلته إلى هارفارد مؤخرا للقيام بما يسمى اليوم بالمعايرة أو المقايسة Standardization، وهي عملية تطوير لقدرات وإمكانات الـwww إلى مائة ضعف أو يزيد. إن بناء المستقبل صعب ولكنه ليس بالمستحيل، وإنتاج التقنية أهم من مجرد استخدامها أو استهلاكها.


أخطر أنواع الإرهاب هو الإرهاب الذي ينتج عن نفس لا ترضى بحظها ونصيبها
ولديها قدرات عالية وتتطلع دوما إلى ما في أيدي الآخرين
وتحسدهم عليه
وتتمنى أخذه أو زواله

إن أخطر أنواع الإرهاب هو الإرهاب الذي ينتج عن نفس لا ترضى بحظها ونصيبها ولديها قدرات عالية وتتطلع دوما إلى ما في أيدي الآخرين وتحسدهم عليه وتتمنى أخذه أو زواله. وهو مرض خطير يحتاج إلى علاج طويل، إذ يتسبب في شل ينبوع الفكر وإنتاج العقل ويجني على البشرية ويهدد طاقاتها.

وإذا أرادت دولة ما أن تحيا حياة كريمة طيبة وأن تسهم في تقدم البشرية سواء كانت في المقدمة أو المؤخرة، فيجب ألا تحرم من هذه الفرصة وهذا الحق. وإذا أعطت قيادة العالم نفسها الحق في الإنتاج والتقدم والتطور فلماذا لا تعطيه للآخرين أو تتركهم وشأنهم في اجتهاداتهم العلمية ولتكن المنافسة شريفة!

إن القهر والضغط لا يأتي بالأمن ولا بالسلام ولا الاستقرار، سواء جاء من كيانات ديكتاتورية أو من دول تؤمن بالديمقراطية وتمارسها انتقاء. والمثال قائم في فلسطين المحتلة.

إن أميركا اليوم قد تحاسب العراق على عملية الأنفال وتتخذها ذريعة لتدمير ما بقي من قدراته أو ما شرع في بنائه بعد حرب الخليج الثانية، وقد تحاسبه اليوم على عملية حلبجة ويفرح لهذا بعض خصوم النظام العراقي القائم، ولكنهم للأسف الشديد لن يستفيدوا من أي دمار يحدث في العراق وإنما ستستفيد أميركا بهذا الفرح لحسابها فقط، كما استفادت وحدها أساسا من الجهاد الأفغاني العظيم ضد الشيوعية والسوفيات.

إن أميركا وهي تصنف الدول وتحول بينها وبين التنمية إنما تفعله من باب المحافظة على التخلف في العالم الثالث أساسا، وليس من باب العدل والإنصاف.

إن بناء المستقبل عند المسلم يختلف في أمرين أساسيين عنه عند أميركا اليوم والقوى التي تكون على شاكلتها، وهذان الأمران هما:

  • أولا- أن المسلم يعمل لمستقبل أبعد من الحياة الدنيا ولا يقف عند حدود هذه الحياة بل يتخطاها إلى حياة أخرى يؤمن بها ويخشى عاقبة السوء فيها.
  • ثانيا- أن المستقبل الذي يعمل له المسلم محشور بين تقويين في ضوء قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون" (سورة الحشر: 18).

_______________
* رئيس الرابطة الإسلامية في بريطانيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة