حرب الحكام ضد رعاياهم   
السبت 1/8/1432 هـ - الموافق 2/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:39 (مكة المكرمة)، 10:39 (غرينتش)

 

هناك حرب يشنها حكام ضد رعاياهم في ثلاثة أقطار عربية حتى الآن، وقد يزداد عددها في المستقبل بسبب تشابه المطالب وردات فعل الحكام في أقطار عربية أخرى, ولكن ما يهمنا في هذه اللحظة هي تلك التي يشنها حكام ليبيا وسوريا واليمن والتي لم تجد لها توصيفا يمكن أن يحدد صفتها كحرب.

ففي سوريا تأخذ طابع القتل المتعمد للمتظاهرين، وفي اليمن يصفونها بأنها القتل الممنهج للمعتصمين، أما في ليبيا فهي قصف شامل وعشوائي للمدن التي لا تقع تحت سيطرة كتائب القذافي.

"
حرب الحكام ضد شعوبهم تأخذ طابع القتل المتعمد للمتظاهرين في سوريا, وفي اليمن يصفونها بأنها القتل الممنهج، أما في ليبيا فهي قصف شامل وعشوائي للمدن
"
لعل أهم ما يميز هذا الصراع هو أنه صراع لا يقبل بحلول وسط، وإن كان قد يسمح بقبول بعض الترتيبات التي تنتهي في آخر المطاف بهزيمة أحد الأطراف، وذلك للأسباب التالية:

1- وصول الصراع إلى نقطة اللاعودة، فقد ولغ هؤلاء الحكام في دماء محكوميهم إلى حد لم يسبق له مثيل في تجاربهم القمعية السابقة التي كانت تمارس ضد مدينة أو منطقة معزولة عن بقية مناطق الوطن المسيطر عليها، بالتالي فإن أعمال القمع والقتل وسقوط الضحايا تكون على الأغلب محصورة في هذه المدينة أو المنطقة التي جرت فيها الأحداث، أما في هذه المرة فقد كانت الانتفاضة ومن ثم الثورة شاملة ولم تقتصر على جزء معين من الإقليم، ولهذا فليس من المتصور قبول هذه الشعوب لحلول وسط يكون من نتائجها بقاء هؤلاء الحكام في السلطة بعد أن أصبحوا في نظر الجميع مجرمين وقتلة.

2- إنه صراع بين جماعة تريد أن تتحول إلى شعب وبين حكام يصرون على بقاء هذه الجماعة في وضع الرعية، فهي ليست احتجاجات مطلبية يمكن ترقيع النظام بتلبيتها، بل محاولة للقطع مع إرث في الثقافة السياسية وفي شؤون الحكم دام لأكثر من إلف عام، ولهذا بدا الصراع دمويا وليست فيه حلول وسط، لأنه ليس مجرد حرب يشنها القذافي وبشار الأسد وعلي عبد الله صالح ضد المتمردين على حكمهم من الرعايا التابعين لهم، بل هو صراع بين عصر جديد يبزغ ومرحلة تاريخية تتهاوى ولم تعد لجذورها تغذية في التربة السياسية والثقافية، ولكنها تحاول التشبث بالبقاء من خلال ردة فعل وحيدة، وهى العنف الدموي الذي يمارسه رموزها من أمثال حكام ليبيا وسوريا واليمن وغيرهم ممن سيجد نفسه في نفس الموقف.

إن سقوط النظام ورحيل الحكام، وهو الشعار الذي نسمع الملايين تردده في كل هذه الأقطار لا يعنى فقط رحيل الحكام عن ظهور رعاياهم بل يعني -في حقيقة الأمر- رحيل هذه المرحلة عن حاضر ومستقبل التاريخ العربي السياسي ليحل محلها عصر يفرض فيه الرعايا إرادتهم كشعب بالمعنى السياسي، أى أنهم أصحاب مشيئة وسيادة عليا وإرادة عامة حرة تكافئ وتعاقب وتمنح، فلا يتعالى ولا يتأله عليهم من يختارونه لإدارة شؤونهم في تعاقد حر خال من الإذعان.

غير أن الثمن الذي يجب على هؤلاء الرعايا أن يدفعوه لكي ينجزوا قطيعة تاريخية بهذا الحجم يجب أن يكون باهظا أسوة بما دفعته شعوب أخرى في تجارب تاريخية مماثلة، فلم تولد مقولة الشعب صاحب السيادة والإرادة العامة إلا بعد مخاض طويل وعسير عانت منه شعوب أوروبا وعبر صراع مرير دام ضد ملوك طغاة وقياصرة جبارين من أمثال آل البور بون وآل هابسبورغ وآل ستيوارت وفي مواجهة باباوات يدعون الحكم بتفويض من مملكة السماء.

"
ضحت شعوب أوروبا لكي تتحرر من وضع الرعية التابعة التي لا حقوق سياسية لها واجترحت لنفسها تسمية الشعب وهي التسمية التي تعبر عن وضعها القانوني والسياسي 
"
لقد دفعت شعوب الغرب أثمانا باهظة في مقابل أن تتحول من رعايا إلى شعوب حرة تمتلك السيادة والإرادة، فوصلت تكلفة أفعالها الجماعية التي قادتها على طريق إنجاز تلك القطيعة التاريخية، إلى تضحيات كبيرة، حيث قدر عدد الذين ماتوا في الاشتباك بين الجنود وثوار كومونة باريس -على سبيل المثال- بحوالي ثمانين ألف مواطن، ويقول هارولد تمبرلى في كتاب "أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين" توجه الطلبة والأساتذة في النمسا إلى الإمبراطور في 12 مارس/آذار 1848 على رأس مظاهرة ثم وقع في اليوم الثاني الصدام بين الغوغاء والجنود، وانتهى بانضمام الجنود إلى الثوار، وأصدر الإمبراطور الدستور في الخامس والعشرين من أبريل/نيسان، وتحررت الصحافة وأقيم البرلمان وفي مارس/آذار أصدر البابا "بيوس التاسع" الدستور تحت ضغط الحركة الثورية في روما التي انتشرت في جميع أنحاء إيطاليا، ثم انتشرت إلى النمسا وهرب مترنيخ وسقط لوي فيليب ملك فرنسا، فمن رحم الفعل الجماعي ولدت قوة فاعلة كان يرمز لها في البداية بأصم غامض، وهو شعب باريس، ورويدا رويدا أخذت ما كانت تعرف بالعامة والغوغاء تتحول إلى شعب بمفهومه السياسي.

لقد ضحت شعوب أوروبا لكي تتحرر من وضع الرعية التابعة التي لا حقوق سياسية لها، واجترحت لنفسها تسمية الشعب، وهى التسمية التي تعبر عن وضعها القانوني والسياسي الذي يعكس قدرتها على إنتاج وتشكيل السلطة السياسية عبر التفاعلات الحرة لمختلف قواها الاجتماعية، بالتالي لا يكفي أي جماعة أن تستقر على إقليم محدد وتخضع لسلطة معترف بها لكي تحوز على صفة الشعب ما لم تجسد المعنى القانوني والسياسي لهذا المفهوم، فإن عجزت عن ذلك فإنها تظل في وضع الرعية مهما نعتها حكامها في خطاباتهم بصفة الشعب.

لعل القذافي أقل من نظيريه بشار الأسد وعلى عبد الله صالح، استخداما لهذه التسمية في خطاباته الموجهة إلى الليبيين ويفضل عليها تعبير الجماهير، وهي صفة تلحق بالبشر وهم في حالة كتلة دون تميز أفرادها بعضهم عن بعض، وهو وضع يناسب العقيد القذافي ويرسم العلاقة بينه وبينهم، فهو لا يريد أن يرى فيهم سوى كتلة متراصة حناجرها تهتف وأيديها تلوح وآذانها صاغية، وما عدا ذلك لا حاجة له بهم، فهو يضطلع بمهمة التفكير نيابة عنهم في جميع شؤون حياتهم وأمور دنياهم، بما في ذلك لون الطلاء الذي يجب أن تطلى به الجدران الخارجية لمنازلهم ومحلاتهم التجارية.

أما بشار الأسد وعلي عبد الله صالح فهما -للحق- مقلان في إطلاق صفة الجماهير على محكوميهم في خطاباتهما الموجهة إلى هؤلاء الرعايا، ولكنهما في واقع الحال لا يريدان من هؤلاء سوى أن يتصرفوا كجماهير تهتف وتصفق، ولعل الجلسة الأخيرة التي عقدها البرلمان السوري في لحظة حرجة من حياة سوريا خير دليل لكشف هذه الرغبة لدى هؤلاء الحكام، فبدلا من أن نسمع ونرى في هذه الجلسة جدلا يرتقي إلى مستوى خطورة ما يجرى، تحول مجلس الرعايا إلى شعراء يتبارون في تمجيد الرئيس وفي تبيان مناقبه.

أما علي عبد الله صالح -قبل إصابته وذهابه إلى العلاج- فقد كان حريصا على حشد أكبر كتلة بشرية يستطيع تجميعها بأي وسيلة في الساحة المضادة، ليسمع هتافاتها المصاحبة لخطاباته وهو يتوعد أولئك الذين غادروا ساحة الرعايا إلى ساحة الشعب.

"
ثورة الرعايا العرب الآن اختلفت عن ثورة الرعايا الأوروبيين في القرن الـ18, فلم يكن في حوزة أولئك الملوك والقياصرة سوى المدافع والبنادق بينما يمتلك الحكام العرب الطائرات والدبابات والصواريخ 
"
لا شك بأن ثورة الرعايا العرب في القرن الواحد والعشرين اختلفت عن ثورة الرعايا الأوروبيين في القرن الثامن عشر، فلم يكن في حوزة أولئك الملوك والقياصرة سوى المدافع والبنادق، بينما يمتلك الحكام العرب من أمثال القذافي وبشار الأسد وعلي عبد الله صالح الطائرات والدبابات والصواريخ وأنظمة الاتصالات، مما جعل هزيمتهم صعبة وتكلفتها باهظة في الأرواح رغم قلة عدد من معهم في مواجهة الملايين.

كذلك لم يكن بإمكان أولئك القياصرة أن يتهموا رعاياهم الثائرين عليهم آنذاك، بالخيانة والعمالة للولايات المتحدة والغرب والناتو، في حين يعاني الرعايا العرب الثائرون في هذا الوقت من آلة حرب جهنمية تسحقهم ومن اتهام هؤلاء الحكام لهم بأن ثورتهم ما هي إلا تفعيل لأجندات خارجية.

لعل أبرز التناقضات التي كشف عنها هذا الصراع هو أن هؤلاء الحكام كانوا ينعتون محكوميهم بصفة الشعب عندما كان هؤلاء مجرد رعايا، ولكن عندما تمرد هؤلاء الرعايا من أجل أن يكتسبوا الصفة الحقيقية للشعب بادرهم حكامهم بالحرب ونعتوهم بالشراذم والجرذان الضالعين في مؤامرات أجنبية ضد الوطن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة