من حوار مفروض إلى حوار إستراتيجي   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/ عزمي بشارة

فسح تعبير "الهدنة" المجال لكل السماجة الاستشراقية الممكنة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، واكتظت برامج الثرثرة بالخبراء. صحفي يبز زميله جهلا وادعاء للمعرفة حول معنى كلمة "هدنة" في التاريخ الاسلامي وفي غزوات وفتوحات الرسول الكريم، وما أثقل على السمع من الحفاظ على الكلمة العربية تظاهرا بمعرفة سر ما في مجرى الحديث، في العبرية أو الإنجليزية أو غيره.


أي عبارة تصور الأحداث السياسية في المنطقة العربية تشهد في إسرائيل محاولات للبحث عن خلفياتها الدينية

إذ تتخذ الكلمة في هذه الحالة طابعا غامضا كأننا أمام مجهول مخيف، أو خفايا شرقية ساحرة تحتاج إلى مرشدين بالقبعات وملابس الكاكي السفاري لقيادة الناس في دهاليزها. ولا بأس أن يساعد البطل الأميركي على ذلك مساعد أو مرافق شرقي، نوع من المخبر، صديق البطل، وحبذا لو أنقذ البطل -الصحفي أو الخبير الغربي في حالتنا- المجتمع من قيادته المستبدة، كما يخلص بطل هوليود من براثن الرجل الشرقي فتاة شرقية مصممة هوليوديا بشكل جذاب جنسيا في جمع بين العنصرية والشوفينية الرجولية والنظرة الاستعمارية.

وكانت الرحلة في دهاليز "الهدنة" شاقةً بشكل خاص عندما أدخل أحدهم مفهوم "الفتنة" كما هو بالعربية، في مجرى الحديث بالعبرية قائلاً بالعبرية دون أن يرف له جفن: "للأسف لن تكون هنالك فتنة" (أي بين الفلسطينين)، محافظا بشكل غير فاتن على تعبير "فتنة" بالعربية ادعاء للفطنة.

لقد جرى "للهدنة" ما جرى "للانتفاضة"، فبدل استخدام ترجمات عادية من نوع "هتكومموت" بالعبرية و"أبرايزنج" uprising مثلا بالإنجليزية، تمت المحافظة على المصطلح بالعربية، الأمر الذي يميز الظاهرة الفلسطينية عن غيرها من انتفاضات الشعوب الواقعة تحت الاحتلال وعن غيرها من التمردات ضد الظلم، كأنها ظاهرة خاصة، إنها ليست انتفاضة شعب ضد الاحتلال، إنها "الانتفاضة"، أو "انتفاضة" أو "بالاستينيان انتفادا" Palestinian Intifada، والعقل ليس مبرمجا لتفهمها أو تقبلها أو التضامن معها مباشرة، فالموضوع يصبح غريبا ومعقدا وشديد الخصوصية، ويحتاج إلى شرح مطول وتفكير من جديد.

وهكذا "الهدنة"، شيء ما غير مفهوم تحتاج إلى عدة خبراء باللغة والتاريخ الإسلامي لفهمه. إنها ليست وقف إطلاق نار "سيزفاير cease fire"، كما يعبر الناس عادة بالإنجليزية مثلا عن الهدنة، وكما ترجمت خطوط الهدنة عام 1949، كخطوط وقف إطلاق النار، إنها "hudna".

نشهد في حالة اتفاق الفصائل الفلسطينية الأخيرة وقف إطلاق النار من جانب واحد، لا أكثر ولا أقل. في حين رسمت خطوط الهدنة عام 1949 بناء على اتفاق، بعد مفاوضات سماها الناس مفاوضات الهدنة، وترجمت كاملة إلى الإنجليزية وغيرها كـ"مفاوضات وقف إطلاق النار". لم يتم الحفاظ على كلمة الهدنة كما هي في اللغات الأخرى إطلاقا في حينه.

ولكن في السنوات الأخيرة تكاد لا تطرأ عبارة تطمح لتصوير أو لمجاراة الأحداث السياسية في المنطقة العربية دون محاولات للبحث عن خلفياتها الدينية، والتطرق إلى استخداماتها قبل أكثر من ألف عام، كأنه ليس بوسع العرب أن يستخدموا عبارة لا تحمل مغازي دينية. وسوف ينتفض هؤلاء الصحافيون عند أي محاولة لتفسير إسقاطات تعابيره المستخدمة في السياسة بإرجاعها إلى معانيها واستخداماتها في العهد القديم أو في النقاشات اللاهوتية في القرون الوسطى، وهي عديدة.


الهدنة من وجهة النظر الإسرائيلية فرصة للأجهزة الأمنية الفلسطينية لجمع الأسلحة ثم الدخول في مواجهة مع الفصائل المسلحة

على كل حال، توصلت القوى الفلسطينية المختلفة إلى وقف شامل لإطلاق النار، وهي خطوة من طرف واحد سبق وأعلنت إسرائيل عدم التزامها بها. ويجب عدم التقليل هنا من أهمية العامل السياسي النفسي، فإسرائيل لا تريد أن يبدو الموضوع متبادلا، أو أن يتضمن أي إنجاز فلسطيني مباشر للفئات التي تخوض الكفاح المسلح، وإنما يجب أن يتم التعامل مع وقف إطلاق النار بحيث يبدو تعبيرا عن ضعف فلسطيني على الأقل أو أن يبدو تعبيرا عن هزيمة، وقد استخدمت
بهذا المعنى في الحوارات الفلسطينية الداخلية وروجت لها وسائل الإعلام الإسرائيلية.

ومهما كانت دوافع الفصائل المختلفة بقبول وقف إطلاق النار من طرف واحد، فإن القرار صحيح إستراتيجيا في الظروف المحلية والإقليمية والدولية المعطاة. وإذا لم نتمكن من رؤية الإنجاز السياسي في الموضوع، والإحراج الذي سببه وقف إطلاق النار لحكومة إسرائيل في المنطقة، فلا بد أن نرى على الأقل أن هنالك منطقا في "استراحة المحارب" في هذه الظروف السياسية. وينطبق ذلك على المجتمع الفلسطيني وعلى الفصائل الفلسطينية.

وتدعي إسرائيل على لسان العديد من وزرائها أن وقف إطلاق النار غير مقبول إسرائيليا:

  1. لأن المطلوب من السلطة الفلسطينية -بموجب "خارطة الطريق" التي تبنتها كاملة ودون قيد أو شرط- هو محاربة "الإرهاب" ونزع سلاحه وتفكيك أطره وليس التحاور مع الفصائل الفلسطينية.
  2. وإن فترة وقف إطلاق النار قد تتحول إلى فترة استراحة تستعيد فيها الفصائل أنفاسها لإطلاق نار أكثر كثافة في ما بعد إذا لم ترافق هذه الفترة عملية نزع السلاح.

إن توازي وقف إطلاق النار مع إعادة الانتشار الإسرائيلي، في شمالي قطاع غزة وفي بيت لحم لاحقا، لا يتم من وجهة النظر الإسرائيلية كمكافأة على وقف إطلاق النار، وإنما من أجل إعطاء فرصة للأجهزة الأمنية الفلسطينية للبدء بعملية جمع الأسلحة خلال شهر من إعادة الانتشار، ثم الدخول في مواجهة.

وتراهن إسرائيل على استغلال وقف إطلاق النار لملاحقة ناشطي التنظيمات المسلحة في المناطق الأخرى غير الخاضعة للاتفاق الأمني الإسرائيلي الفلسطيني الجديد، وأن التزام هذه الفصائل الفلسطينية بعدم الرد سوف يضعفها، أي الفصائل، ويمس بمكانتها لدى الجمهور الفلسطيني إلى درجة انتقال زمام المبادرة إلى أيدي الأجهزة الأمنية التي يعاد بناؤها في هذه الأثناء.


لن تفرض الولايات المتحدة حلا عادلا على إسرائيل والأمر مرهون بكفاح وعمل سياسي صحيح في الولايات المتحدة نفسها
وتؤكد الولايات المتحدة طبعا على هذا التوجه مع تعبير عن رضى بوقف إطلاق النار، وعودة إلى تهميش الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بعد أن أدى دورا في إخراج خارطة الطريق من الأزمة، بعد محاولة اغتيال القيادي في حماس عبد العزيز الرنتيسي.
وكما لم يكن بالإمكان إقامة الحكومة التي افترض فيها أميركيا، أن تشكل بديلا له، كذلك لم يكن التوصل إلى وقف إطلاق النار ممكنا من دونه.

وتطلق الولايات المتحدة وعودا بالاستثمار السريع في المناطق المحتلة إلى حد قد يصل المليار دولار بواسطة السلطة (كوندوليزا رايس في اجتماعاتها في القدس، "يديعوت أحرونوت"، "معاريف" 30 يونيو/ حزيران 2003). وفي المقابل تشن حملة دولية واسعة لمحاصرة حركات المقاومة الإسلامية وسد منافذ التمويل عنها.

لا شك أن إسرائيل والولايات المتحدة تهيئان لكسب ود قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني تضررت اقتصاديا في العامين الأخيرين، وذلك من خلال حرب أهلية فلسطينية يخطط لها على شكل مواجهة بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والفصائل المسلحة.

وإسرائيل والولايات المتحدة هنا لا تهويان الاقتتال الداخلي الفلسطيني هواية بل ترغبان بنتائجه السياسية. فأي طرف يخوض صراعا ضد القوى المعارضة للتسوية بشكلها الراهن يكون في بداية الاقتتال متعاونا مع إسرائيل، وينتهي الاقتتال ليكون مرتبطا بشكل كامل بإسرائيل، إلى درجة لا تمكنه حتى من مناقشتها في المستقبل، ولا حتى على شروط تسوية أسوأ من المقترحة حاليا. وإدراك ذلك هو الذي يحمي أكثر الانتهازيين انتهازية وأشدهم وصولية ورغبة في الوصول إلى السلطة من التدهور إلى هذا الدرك.

لا يكفي قبول وقف إطلاق النار كخطوة واقعية صحيحة، ولا بد أن تتبعها بخطوات لتجنب هذا السيناريو. من أجل ذلك يجب تطوير الحوار الذي دار بين الفصائل من حالة فرضتها الظروف الدولية إلى خيار إستراتيجي فلسطيني.

لقد سبق أن كتبنا بشكل مستمر منذ عامين عن الحاجة إلى إستراتيجية فلسطينية موحدة تضع الهدف المشترك ومعه أدوات مقاومة الاحتلال المتفق عليها. والتحدي الكبير هو إيجاد الصيغة التي توازن بين البناء والحياة لفترة طويلة، ومقاومة ورفض الاحتلال وشروطه. ولا شك أن ذلك لو تم خلال العامين الماضيين لكان من شأنه أن يوفر ضحايا كثيرة ويزيد من نجاعة النضال وينظم ويوحد الخطاب السياسي الفلسطيني بشكل مفهوم كنضال مشروع ضد الاحتلال كحالة تحرر وطني.

ومن غير الممكن التوصل إلى ذلك لو تعامل بعض المحاورين مع وقف إطلاق النار كإنجاز يقدمه لإسرائيل وأميركا يحقق له مكانة وحظوة لديهما. والله أعلم من المحاور لمثل هذا الإنجاز من بعد ذلك ليحافظ على هذا الود كهدف إستراتيجي في رؤيته الأحادية لعالم القطب الواحد.

ومن ناحية أخرى، من غير الممكن التوصل إلى إستراتيجية موحدة إذا تعاملت الفصائل مع وقف إطلاق النار لأنها مضطرة فقط إلى الحوار في الظروف الدولية القائمة. ولكن الأوضاع الجارية، وهذه التوجهات القائمة في رؤية عالمنا والمتقاطعة مع مصالح أقل من وطنية، تضطرنا إلى خفض سقف توقعاتنا إلى المطالبة باعتبار الحوار نفسه على الأقل خيارا إستراتيجيا، وذلك لمنع أي سيناريو احتراب داخلي من الوقوع، وربما من أجل تعاون في مجالات اجتماعية وسياسية.

ولكن بداية على القوى الفلسطينية الفاعلة في الساحة الوطنية، ساحة مقاومة الاحتلال، أن تتحاور حول الوضع السياسي الفلسطيني وحول الوضع الاقتصادي الفلسطيني، وحول سبل تمكين المواطن من الصمود لفترة طويلة بناء على قناعة أنه لا يوجد حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية في فترة حكم أرييل شارون، وأن الولايات المتحدة لن تقوم بالضغط عليه لقبول حل عادل أو مقبول للفلسطينيين، خلافا للوهم المنتشر في بعض الأوساط الفلسطينية.

حتى الفلسطيني الذي رهن مستقبله السياسي الشخصي بالرضا الأميركي يجب أن يفهم أن الولايات المتحدة لن تفرض حلا عادلا على إسرائيل، وأن الأمر مرهون بنضال وكفاح وبعمل سياسي صحيح في الولايات المتحدة نفسها.


وقف إطلاق النار فرصة للحالة السياسية الفلسطينية كي تتجاوز العفوية المحلية نحو إستراتيجية وطنية شاملة

هنالك الكثير مما يجب التحاور والتفاهم حوله من أجل تسيير التعليم والاقتصاد حتى في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل يمكن من الحياة، وإلا فإن أي أموال سوف تستثمر في فلسطين سوف تتحول إلى استثمار ضد المقاومة، ومن أجل قبول أي تسوية إسرائيلية أميركية.

لن يتحول استمرار الحياة إلى استمرار التمسك بالعدل والإنصاف، وإلى استمرار بالصمود ضد الإملاءات الإسرائيلية إذا عزلت المقاومة نفسها عن الحياة، وإذا تركت همَّ تسيير حياة السكان اليومية لمن يعترض مبدئيا على خيار المقاومة ويستفزه حتى خيار الصمود ورفض إملاءات التسوية غير العادلة باعتبارها أضغاث أحلام.

ولا شك أنه قد يرافق هذا الالتزام بوقف إطلاق النار وبمقومات الصمود ومقومات النضال، حالة تسيب تنظيمي وهرب من المقاومة، خاصة أن كوادر المقاومة لا تجسد دائما حالة سياسية أيديولوجية مركزية التنظيم، وإنما قد ترتبط بوجود ظاهرة المقاومة واستمراريتها، وبوجود كم هائل من الأفراد الذين يبحثون فيها عن متنفس لنقمتهم من الاحتلال ولرغبتهم بأداء دور ما. ولذلك من حق المناضلين السياسيين أن يخشوا مع وقف إطلاق النار فقد الصلة بين التنظيمات والشباب الراغب بالمقاومة لأنها موجودة.

والحقيقة أن وقف إطلاق النار هو امتحان لوجود تنظيمات متماسكة سياسيا، ولها قواعد منظمة وملتزمة قادرة على الاستمرار بالمقاومة عندما يلزم، أو عندما ترى الحركة الوطنية أن هنالك فائدة بذلك. وهو أيضا فرصة للتنظيمات الفلسطينية وللحالة السياسية الفلسطينية عموما كما تتجلى أساسا في حركتها الوطنية لكي تتجاوز العفوية المحلية نحو إستراتيجية وطنية شاملة مرتبطة بالتصور السياسي، وحبذا لو تم الاتفاق على تصور مشترك بالحد الأدنى بين القوى المختلفة.

لم تعد هذه مسألة رفاهية وإنما هي حاجة إستراتيجية، ومن المفترض أن تتحول الحاجة الإستراتيجية إلى أحد الثوابت الوطنية في هذه المرحلة -مرحلة النضال ضد الاحتلال- بحيث لا يجوز قبولها والتنسيق مع الدولة المحتلة في الوقت نفسه ضد فصائل تعتبر إرهابية في الحوار مع الإسرائيليين والأميركان، ووطنية في الحوار الداخلي. فلا يجوز من ناحية أخرى أن تحمل حركة هذا الشعب الوطنية بأسرها والشعب الفلسطيني بأكمله مسؤولية عمل فردي أو محلي لم يشاور به أحد ويتحمل الجميع مسؤوليته، دون أن يكون جزءا من الإستراتيجية المتفق عليها لهذه المرحلة في إطار الحركة الوطنية على الأقل. ولا تقوم الحركات الوطنية باستفتاء المجتمع كله قبل أي عمل، ولكن تتوفر على الأقل أطر متفق عليها لصنع القرار.

وباختصار، هنالك حاجة للتنسيق في قضايا المفاوضات والحوار مع الأميركان حتى مع من لا يشاركون فيه، إما لأنهم يمنعون أو لأنهم يمتنعون، كما يجب التنسيق، مبدئيا على الأقل، في قضايا المقاومة.
ـــــــــــــــ
* كاتب عربي، ونائب في الكنيست الإسرائيلي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة