بين الحسم في بيروت والحسم في غزة   
الاثنين 14/5/1429 هـ - الموافق 19/5/2008 م (آخر تحديث) الساعة 11:40 (مكة المكرمة)، 8:40 (غرينتش)

رسالة الإسلام في لبنان اليوم تدفع إلى رأب الصدع ومنع الفتنة من أن تستفحل، حتى يستمر هذا البلد رمزا ودرعا للمقاومة والجهاد في مواجهة أعدى أعداء الأمة، في زمن الاستطالة عليها وتجريدها من كل مقومات الصمود والمقاومة.

إن ارتفاع صوت سنة لبنان بالذات صدعا بالحق وسط هذه الفتنة التي أخذ شررها يتطاير، مهم جدا بسبب ما لحقها من هوان بلغ حد دفاع بوش عنها وأتباعه الفاسدين، بعد أن غدت ممثلة في قطاعها الأوسع بقيادات إمعات، واضعة يدها في أيدي ملوثة بدماء المسلمين منغمسة حتى الأذقان في التواطؤ مع الأعداء، وذلك في مواجهة معارضة يقودها رمز مجلل بعزة الإسلام وهالات الجهاد والاستشهاد.

إنه مفيد جدا في هذه اللحظة التي تفور فيها الدماء ويختلط الحابل بالنابل تمييز الصديق من العدو والحق من الباطل وصفّ المدافعين عن الأمة حتى وإن أخطؤوا من صف الكائدين لها أو المتورطين بوعي أو بدونه معهم، فليس يتساوى من طلب الحق فأخطأه مع من طلب الباطل فأدركه، مفيد بل مهم جدا بصدد هذه الأزمة المتشابكة إبراز النقاط التالية تجلية للصورة التي تغبشت إلى حد صعوبة الرؤية:

"
الحالة اللبنانية حالة استثنائية في الوضع العربي من أكثر من وجه، وهو ما سمح لهذه الرقعة الصغيرة بأن تحقق انتصارات ساحقة على عدو مدعوم من أقوى دول العالم، استسلمت أمامه كل دول المنطقة
"

1- واضح أن الحالة اللبنانية حالة استثنائية في الوضع العربي من أكثر من وجه، وهو ما سمح لهذه الرقعة الصغيرة بأن تحقق انتصارات ساحقة على عدو مدعوم من أقوى دول العالم، استسلمت أمامه كل دول المنطقة.

ومن وجوه هذا الاستثناء التركيبة الطائفية للدولة، ترجمة للتركيبة السكانية، بما جعل شرعيتها مستمدة من صيغة توافقية للعيش المشترك، تحدد نصاب كل شريك في السلطة، فإذا اختل هذا التوافق اهتزت قواعد العيش المشترك، فذرّ التحارب الأهلي بقرونه، فتداعى البناء للسقوط.

وهذا ما حدث منذ انسحاب المكون الشيعي من الحكومة وقيامه عمليا بتجميد المؤسسة النيابية، بصرف النظر عن صواب أو خطأ ذلك الانسحاب.

2- واضح كذلك أن ما حققه حزب الله من انتصارات ساحقة على عدو الأمة -مما رفع مكانه عاليا في نفوسها- ما كان ليتحقق لحزب في أي دولة تقوم على ما هو معتاد في الدول من حقها الحصري في احتكار حمل السلاح واستخدامه.

الذين طالبوا بنزع حزب الله وهو عائد من المعركة مجللا بالنصر على أعداء الأمة ينسون أو يتناسون هذه الحقيقة: أن دولتهم وجيشهم ليسا في وارد الصمود يوما واحدا في مواجهة عدو استسلمت له جيوش العرب، وهو ما يجعل مطالبتهم بحق الدولة حصريا في حمل السلاح من قبيل كلمات الحق التي يراد بها الباطل، ويضعهم في هذا الخطاب مجرد ناطقين باسم العدو شاؤوا أم أبوا. وبعضهم على الأقل يفعل ذلك كما فعله سابقا واعيا بما يأتي.

3- واضح كذلك أن ما تحقق على يد حزب الله من عزة ونخوة واستعادة كرامة لأمة مهيضة الجناح أذلها حكامها، ما كان ليحدث بعد فضل الله ثم فدائية حزب الله قيادة وأعضاء وجمهورا، لولا الفرص التي وفرتها له هذه البنية الهشة للدولة والأوضاع الإقليمية ممثلة في تدخل نظامين (السوري والإيراني) لهما مصلحة في دعمه، ليحقق الاختراق الاستثناء في نقطة من التقاطع مع مصلحة إستراتيجية للأمة في التصدي للاجتياح الأميركي الصهيوني لها واستباحة حرماتها وثرواتها، مدعوما بتواطؤ أو صمت من جملة النظام العربي.

وهو ما جعل من لبنان هذه الرقعة الصغيرة ساحة لصراعات دولية وإقليمية، مهما تعددت ألوانها، تبقى معسكراتها الأساسية واضحة: المعسكر الأميركي الغربي الصهيوني في مواجهة معسكر المقاومة والممانعة ممثل بإيران وسوريا وحزب الله وحماس والجهاد.

ومهما كان اختلاف المرء مع طرف في هذا المعسكر أو ذاك فليس أمامه من سبيل إذا اعتبر أن هاهنا معركة حقيقية وليست تمثيلية وأنها معركة تجري في ساحة تهمه ويهمه المنتصر والمهزوم فيها، إلا أن يتخذ له موقعا في هذه المعركة.

والأمر في السياسة كما هو في الفقه. ليس الفقيه من يقدر على تمييز الخير من الشر فهو هيّن، وإنما من يملك القدرة على التمييز عندما تختلط الخيرات بالشرور، فيكتشف ويرجّح ما غلب خيره على شره وما غلب صلاحه على فساده، ويدفع الشر الأعظم بالشر الأدنى.

ولا يحتاج المرء إلى كبير ذكاء وعناء وتبحر في السياسة لكي يستبين في الساحة اللبنانية، بكل جلاء معسكر المقاومة والممانعة، دفاعا عن الأمة في مواجهة معسكر الأعداء، بصرف النظر عما يكون في نفسه من تحفظات إزاء هذا الطرف أو ذاك في معسكر المقاومة أو إزاء سياسة من سياساته.

"
اتخاذ قرارين ضد حزب الله قد يدل في حده الأقصى على التواطؤ وفي الحد الأدنى على البلاهة بسبب العمى عن قراءة العواقب التي جاءت سريعة خلاف التوقعات
"
4- إن ما اتخذته السلطة الفاقدة الشرعية (بسبب أنها فقدت التوافق أساس الشرعية) من قرارين: وبالخصوص قرار تجريد حزب الله من أحد أسلحته الفاعلة: سلاح الإشارة، خطير جدا، ولكنه استمرار لمطلبها القديم في تجريد الحزب من سلاحه، خضوعا لإملاءات صهيونية أميركية مندرجة ضمن إستراتيجيات تتجاوز لبنان، مما يجعل ممن اتخذوا القرارين مجرد أدوات لاستدراج البلد إلى الفتنة وتوظيف وضعه الطائفي الهش لخدمة إستراتيجيات دولية.

بل إن اتخاذ القرارين (إزالة شبك الاتصالات وإزاحة العميد وفيق شقير) قد يدل في حده الأقصى على التواطؤ وفي الحد الأدنى على البلاهة. البلاهة بسبب العمى عن قراءة العواقب. وجاءت النتائج سريعة خلاف ما توقعوه، فقد عجزوا عن التنفيذ، بل تحولوا أسرى لحماقتهم أو تبعيتهم، حتى بلغ الاضطراب برئيس الوزراء أن يتناقض في الجملة الواحدة، إذ طالب باعتبار "القرارين اللذين صدرا لم يصدرا".

إن رئيس وزراء يبلغ هذه الدرجة من الاضطراب إلى حد العجز عن نقل موظف، ويزج بالبلاد في هذا الأتون، لا يبقى له وجه للاحتفاظ بموقعه ساعة واحدة، سواء حملت قراراته التي تراجع عنها على أنها كانت إملاء أجنبيا أم حملت على الغباء وسوء تقدير الأمور إلى حد إدخال البلاد في أزمة طاحنة وتحويل نفسه وفريقه إلى وضع الأسير في قبضة خصومه.

إن رئيس وزراء في نظام ديمقراطي يخضع فيه العسكري للسياسي يبلغ به الاضطراب والعجز إلى حد إصدار قرارات لا يملك سلطة تنفيذها، فيفوض أمرها للجيش، تنفيذا أو إلغاء، يعتبر قد سلم سلطاته المدنية للسلطة العسكرية، وهي صورة من صور الانقلاب، فماذا يبقى له من سلطة وماذا يبقى له من وجه للحديث باسم الدولة؟

إن ما فعله يذكر بغباء وحتى عمالة الأمن الوقائي في غزة، إذ صمم على تجريد حماس من سلاحها تنفيذا لمخطط دايتون الأميركي الصهيوني، إلا أن عملا استباقيا من حماس سرعان ما حوله أسيرا لديها.

إنه الغباء أو العمالة وكلاهما يفقدان السنيورة وسلطته الشرعية مما يجعل المناداة باستقالة حكومته مطلبا معقولا قد يفتح الباب لاستئناف المؤسسات عملها، بإطلاق سراح البرلمان المعطل، فينتخب الرئيس ويفتح الباب أمام حل الأزمة بقيام حكومة توافقية لا يستقل طرف بقرارها حتى لا تتكرر هذه الشناعة.

"
لم يكن حزب في حالة من الخطر شبيهة بما كانت عليه حماس إذ أقدمت على الحسم، وإذا كان دايتون الفلسطيني الذي بررت به حماس عملها الاستباقي معلوما فإنه حتى الآن لم يعلم دايتون اللبناني الذي برر عمل حزب الله، إن كان موجودا
"
5- قد يكون حزب الله تسرع في الرد باجتياح قلب العاصمة واحتلال مقرات الأحزاب حتى وإن سلمها للجيش، إذ ليس له تخويل بذلك من أحد، فهو حزب من الأحزاب، فضلا عما حصل خلال ذلك من اعتداءات على مؤسسات إعلامية وترويع للآمنين وفرض لسلطة مليشياوية على أحياء سكانية؛ وهو ما نقل قطاعات شعبية واسعة وبالخصوص الكثير من السنة مسرح العدوان والحصار والترويع، من صف أنصاره إلى معسكر أعدائه.

وهي ولا شك خسارة للحزب وللمقاومة وللعلاقات بين الطائفتين التي لم تتلوث حتى في سنوات الحرب الأهلية بدماء، فقد تحارب الجميع مع الجميع عدا هذين الفريقين. وكان يسع الحزب مواصلة مقاومته المدنية معتصما بحقه في الامتناع عن التنفيذ والتصدي بكل الوسائل لمنع كل يد من أن تمتد إلى نزع سلاحه ومنه سلاح الإشارة، دون حاجة لسواتر تسد الشوارع وتعطيل حركة الانتقال من البلد وإليه.

ليس باديا حتى الآن أن الحزب كان في حالة من الخطر شبيهة بما كانت عليه حماس إذ أقدمت على الحسم، مع أن أكثر من نصير لها لا يزال يخطّئ اندفاعاتها تلك معتبرا ما حصل ورطة. لقد غدا دايتون الفلسطيني الذي بررت به حماس عملها الاستباقي معلوما لكن حتى الآن لم يعلم دايتون اللبناني الذي برر عمل حزب الله، إن كان موجودا.

6- إن الحسم الذي أقدم عليه الحزب كشف مرة أخرى بجلاء ميزان قوة طالما تجاهلته الأطراف اللبنانية والإقليمية والدولية، وكان في جذر الأزمة التي تفجرت بعد الانتصار المدوي الذي حققه الحزب على عدو الأمة الألد، على الجيش الذي "لا يقهر"، وهو ما رفضت تلك الأطراف الاعتراف به بل اتجهت على الضد من ذلك إلى محاولات بائسة بل حتى خسيسة من أجل تجريده من سلاحه، خلافا لما هو معتاد في سنن الحروب حيث يجرد من رتبته القائد المهزوم أو الخائن.

في هذا الزمن النكد يجرد ويجرم الأبطال والفدائيون، مما يعيد للذاكرة قصة فدائيي الإخوان العائدين من معركة فلسطين 1948 حيث أوشكوا أن يئدوا المشروع الإسرائيلي الغربي في المهد لولا تواطؤ القادة العرب، فما كان جزاؤهم إلا أن فتحت في وجوههم المعتقلات والمسالخ.

وما لنا نذهب بعيدا وأبرز قائد للدولة الداعمة لمعسكر الموالاة يهنئ رئيس العصابات الصهيونية بالعيد الستين لميلاد دولته. هذا زمن يخوّن فيه الأمين ويكرم الخائن.

7- ومع أن هذا الحسم كشف حقيقة القوى في لبنان، فإن هذا البلد إذا أريد له أن يستمر دولة فليس من سبيل إلى ذلك غير استئناف البحث عن توافق جديد، من منطلق نظرة شاملة لميزان القوة تأخذ بعين الاعتبار جملة الأوضاع الإقليمية والدولية، وهي أوضاع لا تضع أمام لبنان وربما غيره أيضا من خيار غير التوافق أو الحرب الأهلية المهلكة للجميع.

"
بقدر ما يظل سلاح حزب الله موجها للصهاينة دفاعا عن العقيدة والوطن يظل شاهدا على صدق خطابه، ويتعرض هذا الخطاب للاهتزاز بقدر خروج هذا السلاح  لكي يرعب الآمنين ويفجر في النفوس كوامنها الطائفية
"

8- ومن هذا المنظور فإن سلاح حزب الله بقدر ما هو ضرورة للدفاع عن البلد بل عن الأمة -ضرورة لا ينكرها أو يتصدى لها باسم شعارات نظرية مثل: احتكار الدولة للسلاح، أو مذهبية سنية تذكّرها الآن بعضهم، إلا مغرض يتجاهل عجز جيوش تفوق مئات المرات الجيش اللبناني- ينبغي أن يستبعد هذا السلاح من حساب أنصبة الشرعية في البلد.

فهذه الأنصبة تحكمها اعتبارات ومواثيق أخرى لا دخل للسلاح فيها، وإلا تسارع الجميع إلى اقتناء السلاح واستخدامه تعزيزا لأنصبة الشرعية في مجتمع مسلح، لم يألف قهر الملوك وأنظمة البوليس.

ولذلك بقدر ما يظل سلاح حزب الله موجها للصهاينة دفاعا عن العقيدة والوطن يظل شاهدا على صدق خطابه دافعا الأمة إلى الالتفاف حوله، ويتعرض هذا الخطاب للاهتزاز بقدر خروج هذا السلاح يجوس خلال ديار بيروت يغلق مقرات ويحرق مؤسسات ويرعب آمنين ويفجر في النفوس كوامنها الطائفية.

لأنه عندئذ يتخذ –وهذا ما حصل خلال الأيام الأخيرة المشؤومة- صورة طائفة تتسلط على أخرى، موفرا لمنافسي الحزب وأعدائه فرصا ذهبية للطعن في خطابه وجملة إستراتيجياته. فما الذي سيحول بينهم بعد الآن وبين الدخول في المنافسة على هذا الصعيد والواهبون للسلاح جاهزون؟

الأرجح اعتبار الحزب قد تسرع وأسرف في الرد، بما يفرض العود السريع بالأمور إلى نصابها بعد أن تحركت خارجه، فيتوب السلاح الطاهر ويعاد تصويبه إلى قبلته التي جعل من أجلها، وتتطهر النفوس مما استبد بها من مشاعر الحقد والانتقام والمغالبة للجار والصاحب بالجنب.

والله نسال أن يحفظ للأمة لبنان أنموذجا لحكم التوافق والحرية، ورمزا لعزة المقاومة، لبنان الثقافة والتعايش وسط الاختلاف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة