عالم لا إسرائيل فيه   
الجمعة 1426/10/10 هـ - الموافق 11/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 11:06 (مكة المكرمة)، 8:06 (غرينتش)

محسن صالح

كتب جوزيف جوف J.Joffe مقالاً يحمل عنوان مقالنا نفسه "عالمٌ لا إسرائيل فيه" ونشرته مجلة فورين بوليسي Foreign Policy في عدد سابق من هذا العام، وهي من أهم المجلات المتخصصة في الشؤون الخارجية الأميركية، وكانت قد حازت سنة 2003 على جائزة أفضل مجلة في أميركا.

ويجادل جوف بأن الادعاء بأن إسرائيل هي سبب المشاكل في الشرق الأوسط غير صحيح، ويقول إننا لو تخيلنا عالماً لا إسرائيل فيه فإن الصراعات والمشاكل في العالم العربي المحيط بها لن تتوقف.

ويضرب مثالاً على ذلك بتدخل عبد الناصر في اليمن وسيطرة سوريا على السياسة في لبنان والاحتلال العراقي للكويت.

ويقول إن الدول العربية تعاني من مشاكل طائفية وعرقية وسياسية وأيديولوجية مختلفة، ولا يمكن أن تتحمل إسرائيل مسؤولية الاضطرابات والتخلف والدكتاتورية التي تعاني منها المنطقة حسب رأيه.

يحاول جوف الافتراض بأن حظّ إسرائيل النكد هو أنها نشأت في "أكثر المناطق تلوثاً في العالم".

"
ما يثير جوف وأمثاله من أنصار الكيان الإسرائيلي ليس حملة العداء والانتقادات التي تُوجّه ضد هذا الكيان، وإنما تلك الآراء التي أخذ يتبناها عدد من الباحثين والمفكرين في العالم الغربي بأن إسرائيل متطفّلٌ غير مرغوب فيه
"
وينقل نكتة متداولة عن يهودي مذعور أثناء حرب 1948 يمسك بخناق زميله اليهودي صارخاً "ما دامت بريطانيا تستطيع أن تعطينا دولة لا تملكها، فلماذا لم تعطنا سويسرا؟!"

لقيَ مقال جوف الذي احتل العنوان الأبرز على غلاف فورين بوليسي اهتماماً وجدلاً كبيراً.

وقد حاول أن يثبت أن المشكلة ليست في إسرائيل وإنما في طبيعة المناطق المجاورة لها، وأن علاج الوضع الشاذ لا يكون بالتخلص من إسرائيل وإنما "بتنظيف" المنطقة من "ملوثاتها" بما يكفل استقرار إسرائيل.

لم يكن ما يثير جوف وأمثاله من أنصار الكيان الإسرائيلي هو حملة العداء والانتقادات التي تُوجّه ضد هذا الكيان في العالم العربي والإسلامي، وإنما تلك الآراء التي أخذ يتبناها عدد من الباحثين والمفكرين في العالم الغربي بأن إسرائيل "متطفّلٌ غير مرغوب فيه".

فقد وصل إلى هذه النتيجة الكاتب البريطاني ويلسون A.N.Wilson الذي أعلن أنه توصّل مُرغماً إلى نتيجة مفادها أن "إسرائيل أثبتت من خلال تصرفاتها أنه لا يحقّ لها الوجود".

ويؤيد هذا الرأي توني جوت T.Judt أستاذ ومدير مؤسسة ريمارك، في جامعة نيويورك، الذي يقول إن فكرة الدولة اليهودية تشكل مفارقة تاريخية وأنها تشبه مشروع الانفصال العنصري الذي ساد أواخر القرن التاسع عشر، وأنه لا مكان لإسرائيل في هذا العالم الذي يتجه نحو التعددية الثقافية والإثنية، التي يجمعها مع بعضها بعضاً القانون الدولي.

وحتى العالم البرازيلي جوزيه جيانوتي J.Gianotti يذكر أن إسرائيل فتحت جرحاً بين الإسلام والغرب وأنه لا يمكن التخلص من "الإرهاب الإسلامي" دون التخلص من هذا الجرح (إسرائيل) "الذي يشكل مصدر التوتر عند الإرهابيين الكامنين".

وعلى هذا فإن مصدر خوف جوف وأمثاله هو أن فكرة وجود إسرائيل أصبحت مادة للنقاش في العالم الغربي، وذلك بالنسبة له تجاوزٌ لكلّ الخطوط الحمراء.

بالتأكيد لا يمكن تحميل الكيان الإسرائيلي مسؤولية الكثير من المشاكل الداخلية والاختلافات الدينية والعرقية والاضطرابات السياسية في العالم العربي، لكن جوف يقدم لنا منطقاً مقلوباً لا يستقيم مع أدوات التحليل الموضوعي، لأن المسألة مرتبطة بمبررات وجود إسرائيل نفسها، لا بوجود مشاكل يمكن أن تظهر في أي مكان في العالم.

فهل يكفي أن تكون هناك مشاكل في منطقة ما حتى تُنشئ كياناً سياسياً استعمارياً مخالفاً لرغبات كافة سكان المنطقة؟ فمثلاً: كانت أوروبا طوال ألفي عام مسرحاً لا ينقطع للحروب الدموية، وشهدت أكبر حربين عالميتين في التاريخ، فهل يعني ذلك أن من حق إسرائيل أن تقيم لها دولة لتحل مكان ألمانيا أو فرنسا؟

وهل المشاكل البريطانية الأيرلندية تعطي اليهود حقاً في إنشاء إسرائيل في جنوب بريطانيا مثلاً؟ وهل مشاكل الهوتو والتوتسي تعطي لإسرائيل حقاً في عمل دولة في رواندا أو بوروندي؟

وعلى أي حال، فعلى جوف وأنصار إسرائيل أن "يقبلوا أيديهم وجهاً وظهراً" لأنه لو لم يكن الوضع "تعيساً" في العالم العربي لما قامت إسرائيل نفسها، ولما نجح المشروع الصهيوني الأميركي الغربي في بسط سيطرته على المنطقة.

"
الكيان الإسرائيلي هو الكيان السياسي الوحيد الذي يعطي جنسية الدولة لمواطنيه وفق انتمائهم الديني اليهودي مهما كان بلدهم أو أصلهم العرقي، في الوقت الذي يحرم فيه أبناء الأرض من حقوقهم الأساسية
"
لقد حاول جوف أن يتهرب من طرح التساؤلات الجوهرية المتعلقة بأصل إنشاء الكيان الإسرائيلي، وما نتج عنه من مآسٍ وكوارث في المنطقة؛ فقد كان إنشاء هذا الكيان مأساوياً في ثلاثة أبعاد:

الأول: هو الظلم الهائل الذي أصاب شعباً بأكمله هو شعب فلسطين، وما نتج عن قيام إسرائيل من احتلال لأرض فلسطين، ووجود نحو خمسة ملايين لاجئ فلسطيني يعيشون الآن خارج فلسطين، وأكثر من مليون وسبعمائة ألف آخرين هم لاجئون أيضاً لا يزالون يعيشون في الإطار الجغرافي لفلسطين.

وما نتج وسينتج عن ذلك من مآسٍ وحرب وثورات وانتفاضات واضطراب في المنطقة تتحمل إسرائيل وزره الأساسي.

وهل نسينا حروب 1948 و1967 و1973، والاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، والانتفاضة المباركة وانتفاضة الأقصى..

الثاني: إن إنشاء هذا الكيان جاء ضد حقائق الأشياء، وضد حركة التاريخ، وضد القانون الدولي، وضد شريعة حقوق الإنسان.

فقد ارتبط إنشاء هذا الكيان بالحركة الاستعمارية التقليدية التي انحسر مَدُّها بعد الحرب العالمية الثانية، وبقي هذا الكيان آخر شاهد شاذٍّ على استمرارها، وهو كيان ارتبط إنشاؤه بدعاوى تاريخية بالية يرفض أصحابها أنفسهم أن يجعلوا البحث العلمي المنهجي حكماً فيها.

مَن مِن يهود اليوم يستطيع أن يثبت لنا بالأدلة والوثائق أن عائلته سكنت في فلسطين قبل 2000عام ؟ وحتى لو افترضنا أن لهم حقاً ما في هذه الأرض فمن أعطاهم الحق في أن يحرموا الشعب المقيم فيها طوال الـ 4500 سنة الماضية من السكن على الأقل إلى جانبهم؟! ومن أعطاهم حق طرده وتشريده؟

والكيان الإسرائيلي هو الكيان السياسي الوحيد الذي يعطي جنسية الدولة لمواطنيه وفق انتمائهم الديني اليهودي، مهما كان بلدهم أو أصلهم العرقي، في الوقت الذي يحرم فيه أبناء الأرض من حقوقهم الأساسية.

والكيان الإسرائيلي هو آخر مظهر قائم في الحياة المعاصرة لنظام الفصل العنصري، بعد أن سقط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

ومن جهة أخرى فإن تشكيل الكيان الإسرائيلي كان حالة تاريخية شاذة، فهل استشارت بريطانيا أبناء فلسطين عندما شجعت استجلاب نحو 450 ألف يهودي في الفترة 1918-1948، وكان عليها كدولة انتداب أن ترتقي بمؤسسات الحكم لتوصل شعب فلسطين للاستقلال.

وإذا كانت كل شعوب العالم تقرر مصيرها بنفسها حسب القوانين الدولية والأمم المتحدة، فلماذا حُرم شعب فلسطين من عمل استفتاء لتقرير مصيره؟ ولماذا أصدرت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين رقم 181 سنة 1947دون استشارة شعبها؟ مع العلم أن قرارات الهيئة العامة للأمم المتحدة نفسها لا تأخذ صفة الإلزام.

وهل كانت ستنشأ إسرائيل لو طبقنا معايير القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة نفسها؟

الثالث: إن إنشاء هذا الكيان قد تمّ باستخدام "القوة" والقهر واغتصاب حقوق الآخرين، وهو مستمر في وجوده بسبب القوة التي يملكها وبسبب ضعف الآخرين.

"
شعوب المنطقة ستظل تتطلع إلى اختلال معادلة القوة لتستردّ حقوقها، وهو ما يعني أن الاستقرار في المنطقة مهدّد بالانفجار في أي لحظة
"
وبالتالي فإن شعوب المنطقة ستظل تتطلع إلى اختلال معادلة القوة لتستردّ حقوقها، وهو ما يعني أن الاستقرار في المنطقة مهدّد بالانفجار في أي لحظة.

أثارت تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد حول زوال إسرائيل من خارطة العالم عاصفة من الانتقادات والاحتجاجات الدولية، ويمكن أن نفهم ذلك في ضوء النفوذ الإسرائيلي الدولي، وفي ضوء الهيمنة الأميركية العالمية، وفي ضوء المزاج الرسمي الدولي العام بالتعامل مع إسرائيل كحقيقة ثابتة، وتشجيع مسار التسوية السلمية الذي يضمن قوتها وبقاءها واستمرارها.

ثمّ إن هذا الطرح كان خروجاً عن الطرح الدبلوماسي العام الذي مثّل سلوك الأنظمة العربية والإسلامية والعالمية طوال الثلاثين سنة الماضية.

ولا أريد الدخول في جدال حول المصالح أو الأضرار المتحققة من تصريحات أحمدي نجاد، ولكن التصريحات تتسق بشكل عام مع الخطاب السياسي والأيديولوجي المعتاد لإيران، وفي النظر إلى فلسطين باعتبارها أرضاً إسلامية وإلى إسرائيل باعتبارها كياناً غاصباً قائماً على الظلم والقهر.

في عالمنا العربي والإسلامي هناك خطابان أحدهما شعبي والثاني رسمي، فيما يتعلق بإسرائيل وفلسطين.

أما الشعبي فهو خطاب الأغلبية الساحقة يتحدث بصدق وعفوية وإيمان بأن إسرائيل كيان يجب أن يزول وأنّ فلسطين يجب أن تعود، وأما الرسمي الدبلوماسي فهو خطاب أقلية تتبناه أنظمة حكم هي في الغالب غير ديمقراطية وغير منتخبة أو على الأقل خائفة على مصالحها ولها حساباتها.

وهو خطاب معروف يدعو لتسوية شاملة وإقامة الدولة الفلسطينية على الضفة والقطاع إلى جانب إسرائيل.

ما فعله الرئيس الإيراني هو أنه نقل الخطاب الشعبي وحقيقة ما في نفوس الناس، إلى الخطاب الرسمي.

ماذا لو حصل استطلاع للرأي العام وسئل الإنسان العادي حول من له الحق في أرض فلسطين؟ وحول ما إذا كان لإسرائيل حقّ شرعي في الوجود؟ وهل سيكون سعيداً إذا تحررت كل فلسطين وزالت إسرائيل من الوجود؟

كيف ستكون الإجابات، بعيداً عن فذلكات السياسيين وفلسفات المثقفين؟ وكم هي نسبة العرب والمسلمين المقتنعين من صميم أنفسهم بأن إسرائيل دولة شرعية طبيعية لها حق الوجود والاستمرار؟

إن تبريرات مؤيدي التسوية والاعتراف بإسرائيل مرتبطة أساساً بالواقعية وموازين القوى واعتبارات المرحلة.

لم يفعل أحمدي نجاد شيئاً كبيراً سوى أنه لم يمارس الدبلوماسية و"النفاق السياسي" الذي اعتاد الكثير من الزعماء و" الواقعيين"على فعله.

في سنة 1994، وعندما كان التأييد لاتفاق أوسلو في أوجّه، جرى استطلاع للرأي نظمته مؤسسة مؤيدة للتسوية في الضفة والقطاع، وكان أحد الأسئلة عن رأي الناس في اتفاق التسوية فأجاب نحو60% بالموافقة عليه، ولكن عندما سئلوا عمن له الحق في فلسطين المحتلة سنة 1948 (أي إسرائيل الرسمية الحالية) قال نحو 90% إن هذه الأرض حق للفلسطينيين.

ومن اللافت للنظر أن يقوم عدد من الكتاب والمثقفين بتسويد صفحات الجرائد والمجلات ضد تصريحات الرئيس الإيراني، معتبرين أن ما ذكره هو "لغة شعارات نارية منقرضة" لا تتفق مع الواقع ولا تخدم مصالح إيران والعرب والمسلمين.. إلخ.

وكان الأَولى بمثقفينا بدل أن ينشغلوا في تقديم الدروس لأحمدي نجاد حول اللياقة الدبلوماسية، أن يكونوا أقرب إلى مشاعر الناس وضمائرهم، ويرحبوا بوجود خطابات رسمية ما زالت تعبر عن حقيقة رغبات الأمة وآمالها.

"
شاءت إسرائيل أم أبت فإنها جسم غريب في المنطقة نشأ بخلاف كافة المعايير والأخلاقيات والقوانين المتعارف عليها، وشاءت أنظمة الحكم الغربية أم أبت فإن بقاء هذا الكيان سيظل شاهداً على ازدواجية المعايير ومثاراً للسخط والثورات في المنطقة
"
بعد تصريحات الرئيس الإيراني طالبت إسرائيل بإخراج إيران من الأمم المتحدة، وربما كانت إسرائيل آخر من يحق له الكلام عن الشرعية الدولية.

فعندما تأسست إسرائيل نفسها اشترطت الأمم المتحدة للموافقة على عضويتها أن توافق على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم ووافقت إسرائيل، والقرار الذي اتخذ قبل نحو 57 سنة لا يزال بانتظار تطبيق إسرائيل له رغم أن قرار عودة اللاجئين جرى تأكيده من الأمم المتحدة نحو مائة وعشر مرات.

لم تنفذ إسرائيل هذا الشرط حتى الآن، إذن: ألم يحِن الوقت لطردها من الأمم المتحدة؟ وإذا كانت إسرائيل تحترم الشرعية الدولية، فإن أمامها أكثر من خمسمائة قرار للأمم المتحدة رفضت تنفيذها بتحدٍّ وغرور.

ولولا الفيتو الأميركي الذي تكرر لصالح إسرائيل نحو أربعين مرة، لكان هذا الكيان خارج الشرعية الدولية منذ سنوات طويلة.

لقد وقف مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة ذات يوم ومزّق في وجه اجتماعها العام أحد القرارات التي تدينها وابتلعت الأمم المتحدة الإهانة... واستمرت إسرائيل، ليس لأنها دولة حضارية أو لأنها واحة للديمقراطية، بل هو غرور القوة المدعوم بالقوى الكبرى..

وشاءت إسرائيل أم أبت فإنها "جسم غريب" في المنطقة نشأ بخلاف كافة المعايير والأخلاقيات والقوانين المتعارف عليها.

وشاءت أنظمة الحكم الغربية أم أبت، فإن بقاء هذا الكيان سيظل شاهداً على ازدواجية المعايير ومثاراً للسخط والثورات في المنطقة.

إن موضوع التسوية السلمية مرتبطٌ في جوهره بتحقيق حالة من التعايش التي تفرضها موازين القوى، وليس بالقناعات الذاتية القلبية، ولا بإعطاء الحقوق الكاملة لأصحابها، وهذا الشيء هو نفسه الموجود عند الكثير من الإسرائيليين.
_______________
كاتب عربي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة