مهمة الإبراهيمي.. فن إدارة وتقطيع الوقت   
الاثنين 1433/11/1 هـ - الموافق 17/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:49 (مكة المكرمة)، 12:49 (غرينتش)

يستدعي العقل السياسي الطبيعي التعاطي مع المبادرات الخاصة بالأزمات الحادة، كحال الأزمة السورية، بكثير من الفهم العميق والتمحيص الدقيق دون اللجوء إلى إطلاق الأحكام القيمية أو المواقف الأخلاقية كنتيجة لتقديرات متسرعة ومنحازة أو عاطفية على أقل تقدير.

ينطبق هذا الأمر بدرجة كبيرة على مهمة الأخضر الإبراهيمي، المبعوث العربي والدولي لحل الأزمة السورية التي امتدت على مدار عام ونصف العام، وما تمخضت عنه من كوارث إنسانية صادمة ومؤلمة، وتنذر بالمزيد في حال بقائها من دون حل، ولعل هذا الهاجس هو ما دفع بالدبلوماسية العربية، ممثلة باللجنة الوزارية العربية، إلى التعاطي الجدي مع هذه المهمة وإيلائها الأهمية التي تتناسب والدور الموكل لها، ونزعم بأن الدوافع ذاتها تشكل الخلفية النفسية والسلوكية لدبلوماسي عربي عريق كالأخضر الإبراهيمي.

وإنطلاقاً من هذه المسألة، فإن المنطق السياسي يستدعي تقدير حصول تغيرات معتبرة في بيئة الأزمة السورية، وخاصة لجهة التوافق على حد أدنى من التفاهم بخصوص الخطوط العريضة للحل بين الأطراف الفاعلة والمؤثرة في الأزمة، سواء كانت أطرافا داخلية أو خارجية، علماً بأن البعد الخارجي للأزمة يحظى بأهمية أكبر في التحرك الدبلوماسي للإبراهيمي، فالرجل حتى اللحظة لم يكشف عن تفاصيل مهمته وأبعادها، في حين أنه أفاض في الحديث عن ضرورة التوافق الدولي ورغبته في الحصول على الضمانات الدولية المساندة واللازمة لإنجاح مهمته.

من الواضح أن ثمة تفاهماً ضمنياً قد جرت صياغته بين الأطراف الدولية يقضي بتحييد البعد الإنساني في الثورة السورية، والتعامل بعقلية باردة مع تطورات الأزمة مهما كانت سقوفها مادامت محصورة في الداخل السوري

في الوقائع الدولية للأزمة، لم يظهر ثمة انزياح أو حتى تطور منطقي في مواقف الأطراف، وليس ثمة مؤشرات بوجود تفاهمات معينة بين هذه الأطراف، صحيح أن الحدث السوري يشهد تطورات دراماتيكية مؤلمة تدلل عليها وقائع القتل والدمار التي تمارسها عصابات الحكم المنفلتة بحق البشر والحجر، لكن ذلك بحد ذاته لم يكن ولن يكون المعطى الذي يؤسس لتحول في المواقف الدولية..

إذ من الواضح أن ثمة تفاهماً ضمنياً قد جرت صياغته بين الأطراف الدولية المختلفة يقضي بتحييد البعد الإنساني في الثورة السورية وعدم السماح له بالتأثير على المواقف الدولية المؤيدة والمعارضة والتعامل بعقلية باردة مع تطورات الأزمة مهما كانت سقوفها مادامت محصورة في الداخل السوري، والدليل على ذلك أن العالم، باستثناء بعض العرب وتحديداً دول الخليج، لم يكن جاداً في تعاطيه مع الأزمة إلا يوم اعتراف النظام السوري بأنه يملك أسلحة دمار شامل، وخوف هذه الدول من استخدامها ضد إسرائيل أو وصولها إلى منظمات متطرفة.

والسؤال هنا: على ماذا يؤسس الإبراهيمي معمار مهمته في شقها الدولي، وهل حصل على ضوء أخضر من الدول الفاعلة والمؤثرة في الأزمة وصاحبة الفيتو في مجلس الأمن، وهو الذي اشترط أن يحصل على توافق دولي حول أسس الحل وملامحه العامة، وبشكل أكثر تحديداً طلب دعماً دولياً بإصدار قرار من مجلس الأمن يعاقب من لا يلتزم بأي خطوة في أي اتفاق معين يمكن الوصول إليه؟

إذا كان الأمر على هذه الشاكلة، بمعنى إنجاز الإبراهيمي لاتفاق دولي نهائي وناجز بشأن الحل، بما فيه أسس هذا الحل وملامحه وآلياته، فإن المهمة تكون قد حققت نصف الحل، شريطة أن يكون الاتفاق محكماً ولا يلقى مصير مجموعة الاتصال التي انبثقت عن مؤتمر جنيف والتي انفرط عقدها لحظة خروج المتفقين من قاعة المؤتمر، حيث تبين أن كل طرف فسّر الاتفاق على هواه وحسب رؤيته للحل.

لكن هل يمكن الركون إلى هذا التصور في حين أن الواقع يشهد سلوكيات ووقائع مخالفة لروح هذا التصور؟

داخليا، تبدو بيئة الأزمة وقد أصبحت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، حتى قياساً مع فترة مهمة كوفي عنان قبل بضعة أسابيع، ذلك أن زيادة حدة العنف وكثافته أسهمتا في خلق مزاج عام لدى غالبية الشعب السوري، بضرورة رحيل النظام ورأسه 

إذ بينما تؤكد روسيا مواقفها الداعية إلى الحفاظ على سلطة النظام الحالي وتبشر العالم بأنه من السذاجة التصور بأنه سيعمل على وقف القتل وتؤيد ذلك قولاً وفعلاً، وتستميت إيران بالدفاع عنه عبر الإمدادات العسكرية والبشرية التي تضمن استمرار تشغيل آلة القتل لديه، أمام كل ذلك تشير المعلومات المتسربة من بعض عواصم القرار الغربية إلى أن مرحلة ما بعد بشار الأسد شهدت تقدما نظريا مهما، على غرار الاجتماعات التي عقدت في شكل متواصل في برلين في الأشهر الأخيرة من أجل بلورة صيغ لمرحلة انتقالية بكل تفاصيلها، والتي تكللت بالنجاح وفق المصادر المعنية إذ أعدت صيغة متكاملة لكل جوانب الحياة في سوريا مستقبلا سياسيا واقتصاديا وماليا وإداريا.

أما على المستوى الداخلي، تبدو بيئة الأزمة وقد أصبحت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، حتى قياساً مع فترة مهمة كوفي عنان قبل بضعة أسابيع، ذلك أن زيادة حدة العنف وكثافته أسهمتا في خلق مزاج عام لدى غالبية الشعب السوري، حتى أولئك الذين كان يتم تصنيفهم في خانة الواقفين على الحياد، بضرورة رحيل النظام ورأسه بعد كل الدمار الذي سببه في سوريا.

ولا شك أن ذلك سيشكل عاملاً ضاغطاً على المعارضة السياسية السورية التي مهما عقلنت مواقفها وحاولت الرضوخ والتكيف مع المتطلبات والتفاهمات الدولية لن تستطيع خفض سقف مطالبها إلا للحد الذي يسمح بالتفاوض على إقامة سلطة مؤقتة بديلة للنظام الحاكم لفترة انتقالية بإشراف دولي وعربي، توافق عليها الأطراف الغربية وحلفاء النظام السوري؛ أيضاً يكون بإمكانها وقف العنف من جهة، وإعداد البلاد لانتخابات ديمقراطية ودستور جديد يحققان تطلعات الشعب السوري في الثورة من جهة أخرى.

من جانبه ما زال النظام يقاتل على أساس أنه يخوض حرب وجود من عدمه، وذهب إلى حد استدعاء قواته الإحتياطية، وما زال يمارس عملية تدمير المدن بشكل ممنهج وسادي ولا يبدو أنه يفكر في أي حل باستثناء بقائه في السلطة ولو على جماجم السوريين كلهم.

وتشير الوقائع الميدانية إلى أن الحلول التي قد يلجأ إليها النظام، بعد تدميره البلاد وقتل العباد، دويلة طائفية بدأت ملامحها بالتشكل غرب سوريا بحيث يتم نقل أفضل أنواع الأسلحة والأموال السورية إليها، وخلق منطقة حيوية بعد أن جرى إفراغ مناطق حمص وأرياف حماة وإدلب، لتعزيز القدرات الاقتصادية للدولة الناشئة وتدعيمها جغرافياً.

الحقيقة أن الأطراف الدولية ووسط انشغالاتها الاقتصادية والانتخابية، ربما تجد في الجدل السوري فرصة إنعاش نظرية ودبلوماسية، وفي مهمة الإبراهيمي إمكانية لتشحيم مسننات مكائنها ومنطقة عازلة تجنبها الانكشاف السياسي والقيمي

أما بخصوص قبول النظام مهمة الإبراهيمي والترحيب بها فهو ليس دليلا على استعداده للبحث عن مخرج للأزمة، بل هي لا تخرج عن إطار إستراتيجيته التفاوضية التي تقوم على قبول المبادرات لفظياً، وقتلها عبر المماطلة والتسويف وإغراقها بالتفسيرات والتأويلات.

لا شك بأن المواطن العربي المشغول بهم أشقائه السوريين يدرك مدى نبل مقاصد الإبراهيمي، وأن الرجل يراهن على وجود فرصة ولو أخيرة للعمل السياسي كمحاولة لمساعدة الشعب السوري خصوصاً، ويدرك أن هذا الدبلوماسي العريق له من الخبرات ما يجنبه الوقوع في فخ لعبة الأمم، أو القبول بممارسة دور المخدوع في لعبة سياسية دولية.

لكننا وأمام معطيات الواقعين الدولي (بفرعه الإقليمي) والداخلي بشقيه النظامي والشعبي (الثوري) نتساءل: كيف يمكن حلحلة كل هذه العقد المحيطة ببيئة الأزمة، وكيف يمكن السير وسط حقول الإستراتيجيات والتكتيكات والأهداف والمصالح والرؤى المتضاربة، وإنجاز صيغة حل تنقذ سوريا مما تعانيه، وإيصال سفينة سلمها الأهلي ووحدتها الوطنية إلى بر الأمان؟

ليس تسرعاً ولا تجنياً القول إن مهمة الإبراهيمي تشكل في تقدير الأطراف الدولية من جهة، والنظام من جهة أخرى، فرصة لمزيد من الوقت بانتظار تبلور معطيات ما زالت غير متوفرة، إن في واقع التفاوض الدولي أو على صعيد اكتمال صورة المشهد السوري، وهي مرحلة ستمارس فيها هذه الأطراف فن إدارة الوقت وتقطيعه قي عملية مفاوضات من أجل المفاوضات، والخبرة الدبلوماسية تشير إلى أن الإبراهيمي قد حقق كل نجاحاته الدبلوماسية في ظل مناخات دولية ومحلية مساعدة، وهو الشرط الذي لم يتوفر حتى اللحظة للملف السوري.

والحقيقة أن الأطراف الدولية الصاعدة والهابطة والطامحة ووسط انشغالاتها الاقتصادية والانتخابية وصراعاتها الجيوإستراتيجية، ربما تجد في الجدل السوري فرصة إنعاش نظرية ودبلوماسية، وفي مهمة الإبراهيمي إمكانية لتشحيم مسننات مكائنها ومنطقة عازلة تجنبها الانكشاف السياسي والقيمي، غير أن الأكيد أن الإبراهيمي ذاته وبتصميمه على قبول المهمة هو من سيكشف الحقائق للرأي العام العالمي ويظهر الخيط الأبيض من الأسود.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة