خطاب بوش ووزن العرب في السياسة الدولية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: د. برهان غليون*


فاجأ خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش العالم أجمع بخطابه الذي عبر فيه عن تصوره لآلية الخروج من أكبر وأطول الأزمات التي عرفتها البشرية بعد الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن العشرين.

وبالرغم من أن العديد من الأطراف الدولية قد سعى إلى التخفيف من وطأة الصدمة التي أحدثها هذا الخطاب بتأكيد الجوانب الإيجابية وصرف النظر عن السلبيات الأساسية، فإن ردود فعل الدبلوماسية الدولية من الصين إلى أوروبا مرورا بالبلاد العربية قد أظهرت خيبة أمل كبيرة تجاه ما وصفه وزير العمل الإسرائيلي ريوفين ريفلين نفسه بأنه مطابق تماما للموقف الإسرائيلي وأنه كان يمكن أن يكتبه مسؤول في الليكود.


وزير العمل الإسرائيلي ريوفين ريفلين قال إن الخطاب مطابق تماما للموقف الإسرائيلي وإنه كان يمكن أن يكتبه مسؤول في الليكود
بل إن صحيفة يديعوت أحرونوت ذهبت أبعد من ذلك في مقالتها الافتتاحية عندما وصفت الرئيس بوش بأنه عضو جديد في الليكود، أما صحيفة معاريف فنقلت عن وزير إسرائيلي قوله إنه يجب تقليد بوش وسام الصهيونية.

وبصرف النظر عن هذا الترحيب الإسرائيلي الذي يعكس أيضا الرغبة في ترجمة خطاب بوش ترجمة إسرائيلية محضة يمكن القول إن هذا الخطاب يعكس تراجعا كبيرا وجوهريا عن المواقف والوعود التي أطلقتها الإدارة الأميركية ذاتها في الأشهر الماضية.

فبعكس توقعات الدبلوماسية العالمية وتلك الممثلة باللجنة الرباعية (الأمم المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي إلى جانب أميركا) التي قبلت بها واشنطن، افتقد الخطاب الحد الأدنى من التوازن إذ حمل الشعب الفلسطيني -وليس السلطة الفلسطينية وحدها في الواقع- المسؤولية الوحيدة في تعثر الوصول إلى تسوية للأزمة، وبالتالي وضع عليه العبء الرئيسي في تقديم التنازلات المطلوبة لبدء المباحثات السياسية في المستقبل من دون أن يكون هناك أي ضمان بأن لا تذهب هذه التنازلات سدى ومن دون تكليف حكومة إسرائيل التي هي الطرف الرئيسي في الأزمة أدنى مسؤولية أو التزام.

لم يعد مطلوبا من الفلسطينيين وقف العمليات الفدائية أو التقليل منها أو بذل مائة في المائة من الجهد لمنعها، إنما أصبح من المفروض عليهم للحصول على حق الدخول في المفاوضات السياسية التخلي عن رئيس السلطة الفلسطينية نفسه وبناء حياة ديمقراطية ودستورية ومؤسسية سليمة ترضي الإسرائيليين وتطمئنهم أيضا.

ولا شك في أن قطاعات كبيرة من الرأي العام الفلسطيني والعربي والعالمي تؤيد منذ مدة طويلة عملية الإصلاح في فلسطين، لكن ليس هذا هو المضمون الحقيقي لما يشترطه الرئيس الأميركي في الحقيقة، ذلك أنه عندما يدعو الشعب الفلسطيني إلى عدم انتخاب الرئيس عرفات فهو يتهمه بالتعاون مع الإرهاب ويطالب الفلسطينيين بانتخاب قيادة جديدة قادرة على محاربة الإرهاب، أي وقف المقاومة الفلسطينية بالدرجة الأولى.

ومثل هذه القيادة التي ينبغي عليها أن تنال شرعيتها من رضا الإدارة الأميركية عنها وموافقة حكومة شارون وتمكنها من القضاء على المقاومة الفلسطينية لن تكون ديمقراطية، بل لن تكون فلسطينية وإنما قيادة عميلة لإسرائيل والولايات المتحدة معا.

وبعكس ما كان الفلسطينيون يعتقدون لم يتورع الرئيس الأميركي عن نقل مفاهيم حرب الإرهاب الدولي كاملة إلى الساحة الفلسطينية الإسرائيلية، فقد خلط من دون تمييز بين عمليات المقاومة الفلسطينية جميعا وبكل أشكالها وعمليات الإرهاب واشترط على الفلسطينيين وقف عمليات المقاومة/الإرهاب قبل البدء بأي مباحثات سياسية.

وخطاب الرئيس الأميركي واضح تماما في ذلك، فهو يشترط وقف المقاومة والتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل لضمان أمن الأخيرة من أجل البدء بمفاوضات التسوية السياسية في سبيل بناء الدولة الفلسطينية الموعودة والدعم الأميركي السياسي والاقتصادي لهذه الدولة خلال المرحلة التجريبية المؤقتة وبعدها.


صحيفة يديعوت أحرونوت وصفت في مقالتها الافتتاحية بوش بأنه عضو جديد في الليكود، أما معاريف فنقلت عن وزير إسرائيلي قوله إنه يجب تقليد بوش وسام الصهيونية
والمسألة في الواقع تتجاوز كثيرا إزاحة رئيس عجوز متهم بالتغطية على الإرهاب أو التشجيع على الفساد. إن المطلوب في الواقع ليس استبدال قيادة فلسطينية جديدة ديمقراطية بقيادة فلسطينية قديمة، وإنما تحويل السلطة الفلسطينية إلى ذراع في يد إسرائيل وتكليفها مهام حماية الأمن الإسرائيلي في الأراضي المحتلة. وعندما يتحقق ذلك وتنجح السلطة الجديدة في إخماد شعلة المقاومة عند الشعب الفلسطيني للاحتلال -أي لإسرائيل في نظر الإدارة- يمكن للولايات المتحدة أن تضغط على إسرائيل للقبول بالدولة التي ستصبح بالضرورة دولة تابعة لإسرائيل ومحكومة من قبل حكومة لا قوام لها من دون الحماية الإسرائيلية.

وبعكس ما كان ينتظره العرب والأوروبيون معا لم يتضمن الخطاب أي تصورات عملية عن أسلوب التوصل إلى الحل المنتظر وإقامة الدولة الفلسطينية الموعودة إلى جانب الدولة الإسرائيلية، فهو يترك الأمر معلقا أيضا على الإرادة الإسرائيلية ولا يضع على الولايات المتحدة أي التزام سوى السعي والتشجيع والدعم لكل الأطراف معا على السير في الطريق الصحيح.

فحتى لو حقق الفلسطينيون جميع المطالب الأميركية الإسرائيلية وانتخبوا قيادة مستعدة للتعاون مع تل أبيب لتحقيق أمن إسرائيل فليس هناك ما يضمن أن يستعيدوا سيادتهم على قرارهم وأراضيهم في وقت لاحق. فالولايات المتحدة تلتزم كما فعلت في السابق بالمساعدة على إقامة دولة فلسطينية لكن ليس بما هو أبعد من ذلك. وعندما تصطدم رغبتها في المساعدة بالإرادة الإسرائيلية ليس هناك أي أمل في أن لا تتجمد المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.


خلط بوش بين عمليات المقاومة الفلسطينية جميعا وبكل أشكالها وعمليات الإرهاب واشترط على الفلسطينيين وقف عمليات المقاومة/الإرهاب قبل البدء بأي مباحثات سياسية
والأميركيون يسخرون في الواقع من الفلسطينيين والعرب عندما يعودون إلى النغمة ذاتها، فما حصل في السنوات العشر الأخيرة لم يكن يختلف شعرة عما يعدون به اليوم. فقد التزمت واشنطن بالمساعدة على إيجاد حل على أساس قرارات الأمم المتحدة ودفعت إلى عقد مؤتمر مدريد، وعندما أصبح من الضروري الضغط على الإسرائيليين للانسحاب من الأراضي الفلسطينية أظهرت تخاذلا كبيرا أدى إلى انهيار مفاوضات السلام ودفع الإسرائيليين والفلسطينيين من جديد إلى دائرة المواجهة العسكرية.

ليس في خطاب الرئيس الأميركي أفكار جديدة ولا التزامات أفضل بإقامة الدولة الفلسطينية ولا رؤية أكثر عملية لآلية السير الناجح بالمفاوضات نحو الهدف المرسوم ولا من باب أولى إرادة أميركية أقوى في التوصل إلى تسوية لأزمة الشرق الأوسط. كل ما سعى الرئيس إلى عمله في خطابه هو الرد على ضغوط الدبلوماسية الأوروبية والعربية التي أبدت في الأشهر الأخيرة قلقا بالغا إزاء انسحاب الإدارة الأميركية من العملية السياسية في الشرق الأوسط واحتمال تطور الوضع في الشرق الأوسط نحو آفاق كارثية.

وانتقل الموقف الأميركي من الجمود وعدم الاهتمام بالأزمة إلى الانخراط فيه من منطلق الحرب على الإرهاب ودعم الجهود الإسرائيلية والموقف الشاروني، لذلك رمى الخطاب المسؤولية في الأزمة على الفلسطينيين وطالبهم بدفع الثمن اللازم وحدهم لتهدئة الوضع في المنطقة.


انتقل الموقف الأميركي من الجمود وعدم الاهتمام بالأزمة إلى الانخراط فيه من منطلق الحرب على الإرهاب ودعم الجهود الإسرائيلية والموقف الشاروني
ووراء الحديث السطحي والدعائي عن قبول واشنطن بدولتين تعيشان جنبا إلى جنب بسلام -وهو من الكلام الشائع والذي لا يكلف ثمنا- لم تجد الإدارة الأميركية بعد أشهر طويلة من المشاورات الدولية والتأملات والنقاشات الداخلية حلا آخر سوى وقف المقاومة الفلسطينية، وهذا هو الأمر الوحيد الواضح والمبين في نص الخطاب، أما ما تبقى فهو كلام دبلوماسي للإرضاء المعنوي والتخدير النفسي. وليس الحديث عن الإصلاح والقيادة الفلسطينية الجديدة والديمقراطية بعيد عن ذلك، بل إن هذا الإصلاح والتغيير هو الأداة التي تعتقد الولايات المتحدة أنها ستقضي بفضلها على الانتفاضة بل وتخلق البيئة التي تمنع قيام أي مقاومة مقبلة محتملة.

يشكل خطاب الرئيس بوش ضربة موجعة قبل أي شيء آخر للدبلوماسية الرباعية وللأقطاب الثلاث الشركاء مع واشنطن في حل الأزمة الشرق أوسطية. فمن الواضح أن هذا الخطاب قد استبعد كل تصوراتهم واقتراحاتهم واعتبر أنها لا قيمة لها، بل لقد كان هدفه رميهم بعيدا خارج حلبة السياسة الشرق أوسطية لصالح التفاهم الثنائي الشامل الإسرائيلي الأميركي.


يشكل الخطاب هزيمة منكرة للدبلوماسية العربية التي نشطت في الأشهر الأخيرة واعتقدت أنها استطاعت أن تؤثر في الموقف الأميركي عن طريق المبادرة التي أطلقتها

كما أنه يشكل هزيمة منكرة للدبلوماسية العربية التي نشطت في الأشهر الأخيرة واعتقدت أنها استطاعت أن تؤثر في الموقف الأميركي عن طريق المبادرة التي أطلقتها. وهي تجد نفسها -كما كنا قد توقعنا لها تماما- في وضع تفرض عليها الولايات المتحدة التسليم بالتنازلات التي كانت مستعدة لتقديمها في إطار تسوية شاملة لكن قبل تحقيق هذه التسوية وربما من دونها وكعربون على حسن نواياها في مقاومة الإرهاب والمساعدة على استئصاله من المنطقة.

ويشكل الخطاب كذلك تحديا كبيرا للشعب الفلسطيني والشعوب الأخرى التي لم يعد من الممكن تمييز نضالاتها وتضحياتها في المعايير الدولية التي تحددها الدولة الأعظم إلا من زاوية الحرب على الإرهاب الدولي وفي إطارها.

ووراء ما يعنيه الخطاب بالنسبة لأزمة الشرق الأوسط الناجمة عن عجز المجموعة الدولية بكل مؤسساتها ومكوناتها عن وضع حد للاحتلال الإسرائيلي وتطبيق قرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن، تطرح المسائل التي يثيرها هذا الخطاب مشكلة السياسة العالمية التي تسعى الدول المختلفة بصورة مضمرة إلى وضع أسسها بموازاة عملية الاندماج العالمي.

فبوش يعلن عن أسلوب في العمل الدولي وفي تصور الحلول المطلوبة للأزمات العالمية يقطع مع جميع المكتسبات القانونية والأخلاقية والسياسية السابقة ويجعل من الولايات المتحدة الوصي الفعلي على مصير العالم فوق القانون وبصرف النظر عن أي شرعة دولية.


الخطاب يعكس الوزن المتهاوي للعرب في السياسة الدولية بسبب عدم قدرتهم على الارتقاء بأدائهم إلى المستوى الإقليمي الذي يستطيع أن يخفف من الاجتياح الحقيقي الذي يمثله صعود القوة الأميركية في مسرح عالمي جيوسياسي مفتوح لا تزن فيه الدول الصغيرة مثقال ذرة
فالولايات المتحدة لا تسمح لنفسها عبر هذا الخطاب بتقرير قواعد العمل في المنطقة من دون مراعاة أي مصالح أو تصورات لحلفائها الأوروبيين والروس وللأمم المتحدة فحسب، بل تذهب أكثر من ذلك فتطالب بحقها في تقرير قواعد العمل بين الأطراف السياسية والاجتماعية داخل كل مجتمع على حدة من دون مراعاة مصالح هذا المجتمع أو رؤيته أو مشاعره الخاصة. فهي تحدد له نموذج الحكم الصالح، وتختار له قادته الذين تعتقد بأنهم يلبون المعايير الحكومية الصالحة، وتبين له الشروط التي ينبغي عليه التزامها لنيل الاعتراف بحكومته. والانتخابات لا تكون نزيهة إلا عندما توافق نتائجها توقعات واشنطن وشروط حربها الشاملة على الإرهاب. فليس هناك أي سبب كي لا تستخدم الولايات المتحدة هذا المثال كسابقة للتدخل في شؤون الدول العربية الأخرى بصورة مباشرة وإملاء نوع الحكومات المطلوبة والآليات المحددة لتحقيقها.

والسؤال: هل يعبر ذلك بالفعل كما يعتقد البعض عن انتصار دبلوماسي لأرييل شارون الذي تمكن عبر زياراته الست إلى واشنطن منذ توليه السلطة من إقناع بوش بإقصاء الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، أم عن انتصار التيار اليميني المتشدد في الإدارة الأميركية ذاتها؟

أعتقد أن هذا الخطاب يعكس بالدرجة الأولى الوزن المتهاوي للعرب في السياسة الدولية بسبب عدم قدرتهم على الارتقاء بأدائهم إلى المستوى الإقليمي الذي يستطيع أن يخفف من الاجتياح الحقيقي الذي يمثله صعود القوة الأميركية في مسرح عالمي جيوسياسي مفتوح لا تزن فيه الدول الصغيرة مثقال ذرة.

_______________
*أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة