أثر أميركا على حال المعارضة العربية   
الأربعاء 1427/2/29 هـ - الموافق 29/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:02 (مكة المكرمة)، 10:02 (غرينتش)

أثر السياسات الأميركية على حال المعارضة العربية, سؤال طرحته علي محطة "نيو تي في" ضمن مساحة زمنية لا تتيح إيضاح هذا الأمر الهام والغائبة معظم حيثياته في خضم شعارات نمطية أو نفعية تطلقها الأنظمة كما يطلقها بعض المعارضة العربية على السواء.

بداية لابد من تحديد أجندة المعارضة العربية, وبالذات تلك التي تمثل قواسم مشتركة بين غالبيتها الساحقة بحيث لا يكاد يخرج عليها جزئيا سوى بعض القطاعات المتطرفة في أقصى اليمين من المتطرفين الإسلاميين, إضافة إلى قلة من المتطرفين اليساريين.

"
النقاط الرئيسية المجمع عليها في أجندة المعارضة العربية كلها هي الديمقراطية وتداول السلطة ومنع توريث الحكم ووقف الفساد العام ووقف استغلال المنصب ومحاسبة كل من يتورط فيه أمام قضاء نزيه مستقل
"
النقاط الرئيسية المجمع عليها في تلك الأجندة هي الديمقراطية وتداول السلطة ومنع توريث الحكم ووقف الفساد العام ووقف استغلال المنصب ومحاسبة كل من يتورط فيه أمام قضاء نزيه مستقل.

وذلك يعني بداهة العودة للقضاء النظامي وإلغاء كافة المحاكم والقوانين الاستثنائية والعرفية, ووقف تجاوز الدساتير, أو تعديلها بما يلزم منه ضمان تحقيق ما سبق دون التفاف أو فتاوى تزعم الدستورية..

هذا ما تجمع عليه كافة القوى العربية المعارضة, على اختلاف أيديولوجياتها وبرامجها السياسية الأخرى أو حتى تناقضها.

في تقييمنا لأثر السياسات الأميركية على حال المعارضة العربية لن نخوض في جرد لأوضاع جميع الدول العربية التي تشهد مخاضا شعبيا للديمقراطية, بل سنقصره على عينات ممثلة لمجمل الوضع بدقة, خاصة وأنها أمثلة اطلاعنا على مجريات أمورها الداخلية بصورة أدق.

في مصر والأردن, تكاد تتطابق المطالب الشعبية المذكورة أعلاه, بكل تفاصيلها، إذ إنه رغم ما يبدو من اختلاف في نظم الحكم, فإن تجسده على الأرض متشابه وليس فيه مكان لزعم ديمقراطية أو أثر لصناديق انتخاب, ما عدا التوظيف التجميلي لأغراض الترويج في الخارج.

ومع أن الديمقراطية حرية بأن تطلب لذاتها, وهذا ما تعرفه وتصر عليه النخب في البلدين, فإن غالبية الناس تطالب بها لتحقيق أهداف معيشية أولا, وأمنية ثانيا.

فالفساد الرسمي مكن فئة تصل لمواقع النفوذ دونما شرعية ديمقراطية من احتكار ثروات البلد, بل وأودى بالكثير من تلك الثروات ضمن صفقات الفساد التي غالبا ما تؤدي إلى "ذبح الجمل للحصول على أذنه".

وحماية الفاسدين الموجودين في السلطة من أية محاسبة محتملة أدت إلى اعتماد آليات للقمع تجاوزت قمع الفعل إلى قمع الفكر الذي قد يؤدي لفعل.

ومن هنا غابت الحقوق, حتى المتعلقة منها ببقاء الإنسان, بدءا بحقه في الغذاء والدواء, وانتهاء بغياب أمنه إلى حد لا يستبعد معه أن تنهي حياته خارج سلطة القضاء النزيه, أو حتى قبل الوصول لأي قضاء.

وما بين الموتتين ميتات أخرى متعددة, أشيعها "الموت الحي" للغالبية الشعبية التي تدنت نوعية حياتها بحيث لم يعد هنالك ما يفرقها عن الموت.

ولخص هذا الحال, بشقيه المادي والمعنوي, صحفي أردني لم يسعفه تميزه المهني بل زاد من أسباب تهميشه السياسي الاجتماعي, حين سألته بعد غيبة طويلة إن كان ما زال حيا, فقال: "أنا حي ولكنني لا أرزق"!

وهذه الحاجة للأمن المعيشي وللشعور بأن من يفترض أن يحميك لا يهدد أمنك, تتصدر أولويات الشارع الفلسطيني أيضا حين حصل على أول فرصة لانتخابات نزيهة.

والمطلعون على حقائق الأحوال في الأراضي المحتلة يعرف أن هذا الشعب الواقع تحت الاحتلال انتخب حماس لأمله في قدرتها على معالجة "الفساد والانفلات الأمني", بقدر ما انتخبها لبرنامجها المقاوم المتصدي للمحتل الخارجي.

"
التصدي لأميركا لا يأتي فقط في مقدمات المطالب العربية في الشارع, بل ويطغى كليا على أي مطلب آخر في الأغلب الأعم
"
ولهذا عمدت إسرائيل وحلفاؤها الغربيون إلى تجويع الشعب الفلسطيني وإعادة اجتياح مدنه وقراه وحتى سجون سلطته, في محاولة لإيصال رسالة بأن حماس لن تقدر على الوفاء بالتزاماتها الداخلية تلك, في استباق لأي محاولة للوفاء بالتزامها بالمقاومة.

والسؤال هو أين تقع أميركا من كل هذا؟ وفي أي ترتيب تأتي على أجندة المعارضة العربية؟ وما أثرها على تلك المعارضة؟

الإجابة التقليدية الشائعة هي أن التصدي للمخططات الأميركية في المنطقة كلها يأتي على رأس القائمة كأولوية مطلقة على أي شأن آخر.

والناظر إلى صحف المعارضة وبياناتها, بل وحتى تظاهراتها واعتصاماتها التي تشارك فيها جموع تتجاوز بكثير أتباع تنظيمات المعارضة هذه, يستنتج أن التصدي لأميركا لا يأتي فقط في المقدمة, بل ويطغى كليا على أي مطلب آخر في الأغلب الأعم.. لدرجة أن حركة "كفاية" مثلا بدت غريبة على المشهد السياسي العام.

ويزيد من غرابتها أنها لم تأت مباشرة إثر موجة تجويع جديدة, كما في انتفاضات "الخبز" أو خفض سعر الجنيه أو الدينار بعد سلسلة سياسات فاسدة!

ثم إن المألوف في الحراك الشعبي السياسي هو الاحتجاج على أميركا وإسرائيل والذي تجتمع له عشرات, بل وأحيانا مئات الألوف من المتظاهرين, من أقصى العالم العربي في الرباط إلى أدناه في عمان الواقعة بين القدس وبغداد, بينما لم يجتمع لكفاية إلا بضعة آلاف!

فهل يجوز بعد هذا أن نقول بأن أجندة المعارضة العربية لا تتضمن أميركا وإسرائيل من البند واحد حتى ما بعد المائة, يليها بقية المطالب الداخلية, من مطالب معيشية إلى أمن وحريات؟

الجواب هو أن المواطن العربي يتمتع بقدر كبير من الحرية في التظاهر ضد أميركا, بل وشتمها والتحريض عليها, وبقدر يسير فقط من المطالبة بمقاطعة إسرائيل دون الدعوة لمواجهتها بطرق أخرى, بينما لا يملك أي هامش من الحرية لتوجيه نقد بسيط لحاكم أو حتى لوزير فاسد في حكومة عربية.

بل إنه بقدر ما تتفق هذه الحكومات مع سياسات أميركا, بقدر ما تتيح المجال لنقدها ومعاداتها, وصولا لصحف الدولة ذاتها التي لا تختلف شعاراتها في وصف أميركا عن شعارات المعارضة, كما لا تختلف عنها في مهاجمة الفساد والفاسدين.

"
المواطن العربي يتمتع بقدر كبير من الحرية في التظاهر ضد أميركا, بل وشتمها والتحريض عليها, وبقدر أقل في المطالبة بمقاطعة إسرائيل دون الدعوة لمواجهتها، بينما لا يملك أي هامش من الحرية لتوجيه نقد بسيط لحاكم أو حتى لوزير فاسد في حكومة عربية
"
هذه السياسة الحكومية العربية تخدم هدفين، الأول إظهار أن هذه الحكومات لا تخلو من "وطنية" و"قومية" ولا تفتقر لبرامج "إصلاح", بل وتنافس المعارضة عليها كلها.. مع أن إعلان برامج إصلاح الذات دليل فساد وتكرارها دليل ترسخ الفساد والفاسدين في السلطة السياسية.

ولكن هذا لا يهم, فالسلطة لا تنافس المعارضة على أصوات الشارع, بل ولا تأبه لتلك الأصوات حقيقة، ومثال ذلك تصريح مسؤولين كبار في الحكومة المصرية, إثر زيارة كوندوليزا رايس الأخيرة للقاهرة وانتقاداتها العلنية لحال الديمقراطيات والحريات في مصر, إذ قال هؤلاء إن هذه الانتقادات لا تهمهم لأن أميركا تعرف أن مصر حليفتها وأنها الأقدر على لعب دور إقليمي في التسويات السلمية الجارية!

وهذا يقودنا مباشرة إلى الهدف الثاني لهذه السياسات المحالفة لأميركا والمشجعة على نقدها في آن, وهو أنها بالسماح الحصري بهذا الجزء من مطالب المعارضة, تضع أميركا في مواجهة هذه المعارضة الداخلية، ولكنها لا تضع هذه المعارضة في مواجهة أميركا حتما.

فلمواجهة سياسات ومخططات دولة, أي دولة, شروط ومستلزمات, فكيف بمواجهة القوة الكبرى في العالم؟

وخيارات المواجهة وفرصها الحقيقية تبدأ من الوجود في الحكم وفي موقع القرار, وهذا لا يتأتى للمعارضة العربية الحقيقية. فما الذي يجري إذا باسم المعارضة, بل وما الذي يجري للمعارضة العربية في ظل سياسات أميركا وحلفائها العرب هذه؟

يوجد عندنا اعتقاد شعبي بأن تكرار ذكر الشيء, الخير أو الشر, يستحضره، والمدرسة الأميركية في الإعلام تقول بأن مجرد تكرار الشيء يجعله حقيقة في ذهن الناس، والطريف أن كلا الاعتقادين تحقق في حالة المعارضة العربية.

ففي حين كانت المعارضة الإسلامية تيارا سلفيا محصورا بحلقة شبه مغلقة من الأتباع تركز على البرنامج الاجتماعي, إن جازت تسمية إطلاق اللحى وحجاب المرأة وتعدد الزوجات برنامجا أو حتى مكونا رئيسيا من برنامج, أدى زعم الأنظمة العربية المتكرر أن المعارضة هي حصرا إسلامية لتسهيل وضع أميركا في مواجهتها, إلى أمرين، الأول, تنامي تلك المعارضة الإسلامية بعد إلزامها من سلطات الحكم بدور المواجهة مع أميركا.

ولسرعة تنامي هذا التيار, ولإمكان استيعابه لكل الوافدين الجدد, خاصة من طالبي الديمقراطية الذين يشكلون غالبية الشعوب العربية, ظهر من بين الإسلاميين جناح "ديمقراطي" (بتحفظ وتوفيق وظيفي للنهج وليس بخيار إستراتيجي للمبدأ الديمقراطي) بات ينافس على الحكم بنسبة تتصاعد مع درجة فساد وعسف الحكومات.

وبالمقابل نما أيضا الجناح المتطرف الذي ما زال يرفض الديمقراطية علنا ويكفر أصحابها, وإليه أوكلت مهمة التصدي لأميركا على طريقة أميركا ذاتها, أي دون ضوابط وبمعيار أن الممكن مشروع.

ولا توجد أي قطيعة بين التيارين, بل يوجد توافق غير معلن, ولو لحفاظ كليهما على تلك الكتلة الحرجة من قواعدهما المشتركة, وبالذات لأنهما لم يدخلا مرحلة المنافسة البينية على تلك الكتلة.

وما سيحسم أمر توحدهما أو انشقاقهما هو الآلية التي ستوفرها الظروف الإقليمية والدولية, قبل القطرية, للوصول للسلطة.

وهنا لأميركا دور كبير, سواء عن وعي أو دون وعي, في ما سيصل إليه هذا التيار, كما كان لها دور, بوعي أو دون وعي, في تنميته وتقويته كتيار سياسي.

"
الوضع الجديد للمعارضة جيد لكون الإسلاميين لا يريدون رأس اليساريين بل هم حريصون علينا بقدر حرصنا عليهم، والفضل يعود لأميركا وحلفائها من الأنظمة العربية التي وحدت المعارضة بالرفض جملة وتفصيلا
"
والأمر الثاني هو أن القوى الأخرى, اليسارية والقومية والليبرالية الديمقراطية, لم تعد تنظر إلى الإسلاميين على أنهم النقيض, على الأقل ليس في أي مفصل رئيسي بعد أن قبل الإسلاميون آلية الديمقراطية.

وإذا كان هنالك من شكك في صدق هذا القبول, فهم في تناقص مستمر, وبالذات على مستوى القواعد حيث حس التنافس أقل حدة وتمحيصا.

والتقارب جاء نتيجة الإقصاء الشامل الذي مارسته تلك الأنظمة على كل قوى المعارضة, ووسمها برامجها جميعا بالعداء للغرب رغم أن فكر العديد منها متجذر في تراث الحريات الغربي, في محاولة لوضع الغرب في مواجهتها كلها لصالح الأنظمة.

هذا الإقصاء الجماعي أشبه بدفع مجموعة غير متجانسة معا إلى جبهة قتال واحدة.. أو سجنهم معا. وكل المحاربين وكذلك المناضلين في العالم يستطيعون إعطاء روايات حية عن كيف تزول الفروق وكيف تبدأ أخوة السلاح أو السجن.

وهذه روايات لا تختلف عما يمكن أن يرويه منظمو اعتصامات كفاية التي ضمت أكثر من تيار سياسي, أو المعارضة الأردنية التي تجتمع في صالونات ممنوعة, أو الذين يعتصمون في مجمع النقابات المهنية أو في المسجد الحسيني في عمان لينطلقوا منه في مسيرة ينضم إليها الكثير من المارة وينزل إليها المشاهدون من شرفات المنازل والمكاتب.

وهذه روايات عشت بنفسي أحداث بعضها واستنزلت مراقبي الشرفات إليها وشهدت عمالا مصريين حادوا عن المساجد وساروا لأميال في طرق منعت عنها الحافلات للانضمام إلينا في صلاة في العراء حين اعتصمنا لمنع معرض الصناعات الإسرائيلية.

وقد أكون, كامرأة معارضة وليبرالية علمانية سبق وأن جرى تكفيرها من قبل إسلاميين متشددين لمنعها من الوصول للبرلمان, نموذجا على أحد قطبي المعارضة مقابل القطب الإسلامي, ورواياتي وتجاربي هذه نموذج من درجة التقارب الحاصل بين صفوف المعارضة العربية.

ولأن هذا الوضع الجديد للمعارضة, بمجمله وحتى اللحظة, جيد وأكثر من جيد, لكون الإسلاميين لا يريدون رأسي أو رأس اليساريين بل على العكس هم حريصون علينا بقدر حرصنا عليهم, فلا مناص من أن نختم بجملة تبدو هي الأخرى جامعة للكثير من المتناقضات, وهي أن "الفضل في هذا يعود لأميركا.. وحلفائها من الأنظمة العربية".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة