تأملات في المقاومة المدنية في لبنان   
الثلاثاء 1427/8/12 هـ - الموافق 5/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 10:37 (مكة المكرمة)، 7:37 (غرينتش)


صيف يوليو/ تموز 2006 كان لبعض شعوب الأرض فرصة لأخذ عطلة راحة والانطلاق في رحلة استجمام وترويح عن النفس، لكنه لشعب لبنان كان شيئا آخر. نكبات عهدها سابقا وعلى فترات متواترة منذ اغتصب الكيان الصهيوني أرض فلسطين وزرع الانتداب البريطاني دولة إسرائيل على حدود لبنان الجنوبية، لكن هذه المرة عانى منها بجرعات أكبر من المعتاد.

كنشطاء حقوقيين لم يكن إصدار بيانات الشجب والتظاهر في الشوارع وكتابة المقالات التحليلية ليكفي أمام جسامة الحدث. لا بد من العمل على المحاسبة ومقاضاة المجرمين والمسؤولين عن إزهاق أرواح البشر في جريمة عدوان لم يرق لمستواها الكثير قبلها في هذه البقعة من العالم.

لذا كان هناك ضرورة لتوسيع التحركات المدنية التي عملت للتضامن مع غزة لتشمل لبنان والتوجه إلى بلدي ضمن بعثة تقصي حقائق، بعثة تشرع في توثيق جرائم العدوان وتبدأ في جمع وكالات قضائية من أجل رفع دعاوى محاسبة، علاوة على التضامن مع شعب لبنان الجريح.

وقد أتاحت هذه التحركات تسجيل بعض الملاحظات الأولية:
أولا: لم يكن ليغيب عن الأذهان أن هذه الأهوال ليست سوى حلقة من حلقات مسلسل بعيد المرامي بوشر تنفيذه منذ زمن طويل. إلى أن استقر في أذهان "المتطرفين الجدد" الداعمين لإسرائيل مخططات تعمل لتغيير خريطة الشرق الأوسط وتعد بمخاضات عسيرة لولادته المنغولية.

ذلك مرورا بضرب مواثيق حقوق الإنسان وتعميم القوانين الاستثنائية وفرض خناق على نشاط الجمعيات الإنسانية والخيرية وتقليص الحريات الفردية وكسر شوكة المؤمنين بالحرية والديمقراطية وتقويض دعائم المجتمعات المدنية والجمعيات غير الحكومية وتعميق الشروخ والفوارق الطائفية وإشعال فتيل الحروب الأهلية والاستئثار بالثروات الوطنية وتوسيع هامش الفاقة الاقتصادية والتفرد بالقرارات السياسية وتركيع المؤتمنين على الإيرادات العربية واستفحال خيانة الأنظمة التسلطية وتأزيم مشاعر الانتماء الوطنية وتهجير الثروات البشرية.

"
كنشطاء حقوقيين لم يكن إصدار بيانات الشجب والتظاهر في الشوارع وكتابة المقالات التحليلية ليكفي أمام جسامة ما حدث في لبنان, لا بد من العمل على المحاسبة ومقاضاة المجرمين والمسؤولين عن إزهاق أرواح البشر
"
لقد أتى العدوان على لبنان ليؤكد النتائج الكارثية لما سمي "الحرب على الإرهاب" وليستكمل رؤى تطبق في فلسطين والعراق بانتظار توسيعها لدول الجوار.

ثانيا: كانت المفاجأة كبيرة أمام القدرة على الصمود والمواجهة لمقاومة عرفت كيف ترتب أوضاعها وتتحلى بوضوح الرؤية والمصداقية وتواجه العدوان بشراسة. ذلك رغم الأعمال البربرية التي طالت المدنيين والبنية التحتية للبنان ورغم كل الضغوط والتشويهات التي عانت هي منها.

لكن ما لم يأخذ حقه فعلا بتسليط الأضواء عليه كما يفترض هو المقاومة المدنية التي واكبت المقاومة المسلحة وكانت الضمانة لحماية المواطنة والمواطن في زمن الأزمات ولاستمرار صمود النازحين من مناطقهم، الذين تعالوا على جراحاتهم بكبرياء واعتزاز.

ونعني بالمقاومة المدنية بالطبع الدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطن إن من داخل أو خارج الأراضي اللبنانية.

ومع تخلف بعض الوزارات المعنية وهيئة الإغاثة عن التصدي لمسؤولياتها كما يجب، وضمن لامركزية خلاقة قدّم إذن الفضاء غير الحكومي مشهدا متقدما على المشهد السياسي. لقد تميز عن بعض الأطراف السياسية التي ما كادت تصمت لحين على نزاعاتها، لتعود وبسرعة بعد وقف العمليات الحربية للخوض في مناحرات كلامية ممجوجة، وضمن حسابات ضيقة غير مسؤولة إزاء التصدي للشأن العام والحفاظ على السيادة ووحدة القرار.

لقد عانى النازحون إلى الأماكن العامة من صعوبة في الحصول على مقومات الصمود والحياة من مواد تموينية وغذائية وأدوية، في ظل غياب الرقابة والعشوائية في عملية توزيع المساعدات الإنسانية. لكن جمعيات المجتمع المدني اللبنانية واصلت جهودها لتقديم العون للنازحين وتلقيح الأطفال ضد الشلل والحصبة والقيام بنشاطات ترفيهية لهم.

رفدها في ذلك حرارة تضامن الفعاليات العربية والأجنبية التي قدمت للبنان للتعرف على الاحتياجات وكيفية تأمينها وأحيانا المساعدة على الأرض.

وإن كان لي من إشارة في هذا المضمار فهي لمن يقدمون المساعدات العينية والمالية، فحبذا لو يتوجهون مباشرة لهذه الأطراف غير الحكومية التي تعمل تطوعا ليلا نهارا لمساعدة النازحين كي تقيهم من التشتت والعوز والمهانة.

وعسى ألا يتوقف هذا التضامن مع وقف العمليات العسكرية، حيث إن آثار الحرب هذه ستنسحب لزمن طويل ومشاكل ما بعد العدوان لن تكون قليلة. ليس فقط في ما يخص عودة النازحين لمنازلهم أو بناء ما تهدم أو إيجاد وظيفة بعد عودة المرافق الاقتصادية للعمل، وإنما أيضا في مضمار إعادة تأهيل الضحايا الجسدي والنفسي.

المهمات التي تواجه اللبنانيين جسام وليس أقلها الانكباب على الطفولة من أجل تخطي هذه التجربة الصعبة التي عرفتها في مقتبل الحياة، لمساعدة جيل الغد الذي على أكتافه سيبنى الوطن للتخلص من الصدمات النفسية وكي لا تترك نتائج كارثية على بناء الشخصية.

"
المثال اللبناني يعطي الدرس لجميع الحكومات العربية بأن عدم المساس باستقلالية ولا مركزية وحرية حركة الفضاء غير الحكومي هو الضمانة لقوة المجتمع وحمايته من التمزق والفاقة
"
المثال اللبناني يعطي الدرس لجميع الحكومات العربية بأن عدم المساس باستقلالية ولا مركزية وحرية حركة الفضاء غير الحكومي هو الضمانة لقوة المجتمع وحمايته من التمزق والفاقة.

الشعب المبادر والحي هو وحده القادر على إعادة البناء، في حين أن التربية التسلطية والحاكم المستبد كلاهما يقتل طاقة الإبداع في البشر ويضعف من مقاومتهم وقدرتهم على المواجهة وبناء الذات.

ثالثا: من الضروري عدم التلكؤ في التصدي لمعركة المحاسبة، صحيح أن هذه المحاسبة في جرائم العدوان والحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي رغم أنها دخلت كمعطى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ومحكمتي نورنبرغ وطوكيو، ثم محاكم رواندا ويوغسلافيا السابقة وسيراليون، لم تفرض نفسها بما فيه الكفاية حتى اليوم.

صحيح أيضا أنه رغم توثيق بعض المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في فلسطين ولبنان استطاعت هذه الأخيرة أن تتملص من المحاسبة رغم وجود الاختصاص الجنائي العالمي وإمكانية محاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة حتى ولو لم يكونوا مواطني البلد الذي يطلب محاكمتهم أو لو لم يتواجدوا فيزيائيا على أراضيه.

صحيح كذلك أن إسرائيل ولبنان لم يصدقا على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية، ولكن الحكومة اللبنانية يمكن أن تتقدم بإعلان يودع لدى مسجل المحكمة هذه تقبل به ممارستها لاختصاصها في ما يتعلق بجرائم الحرب التي ارتكبت على الأراضي اللبنانية (المادة 12 فقرة 3 من النظام الأساسي).

كذلك يمكنها اللجوء للاختصاص الجنائي العالمي لمقاضاة الدولة العبرية حسب اتفاقيات جنيف والبروتوكول الأول الملحق بها، ولو أن إسرائيل لم تصدق عليه، باعتباره أصبح اليوم في قوام العرف الدولي.

ويبقى من الضروري إنشاء "محاكم دولية مدنية للمواطنين" (من نمط محكمة راسل)، تتشكل من شخصيات اعتبارية تكون لها ميزة المقاربة الشاملة والمتعددة الميادين للجرائم الإسرائيلية المرتكبة بحق الشعبين اللبناني والفلسطيني.

صحيح أيضا أن القانون الدولي الإنساني يحوي بأحسن قراءاته نواقص عديدة، بعضها متعمد، وبعضها طبيعي بسبب الصيغ التوافقية الإلزامية في أي نص دولي.

"
من الضروري إنشاء "محاكم دولية مدنية للمواطنين" (من نمط محكمة راسل) تتشكل من شخصيات اعتبارية تكون لها ميزة المقاربة الشاملة والمتعددة الميادين للجرائم الإسرائيلية المرتكبة بحق الشعبين اللبناني والفلسطيني
"
وبالتالي هناك نقاط غموض تشوب هذا القانون، وهي السبب في أن الضحايا لا يتمكنون دائما من الذهاب لآخر الشوط إذا لم يكونوا مدعومين بملفات قوية جدا قادرة على مواجهة وسائل الضغط المختلفة سياسية كانت أم إعلامية.

نقاط الغموض هذه تتأتى مما يمكن أن يعتبر أهدافا لها أهمية عسكرية جوهرية، وبالتالي أهدافا مشروعة ولو تعلقت بالبنية التحتية ووسائل الاتصال والطرق والجسور ومحطات الإذاعة والتلفزيون والمكالمات الهاتفية والتلغرافية ومنشآت التخزين والنقل التي تخدم تلك الصناعات العسكرية.

لكن هناك نوعا من الجرائم يعتبر انتهاكا جسيما للقانون الإنساني الدولي ولا خلاف عليه في اتفاقيات جنيف، وقد قامت إسرائيل بارتكابه في لبنان.

هذه الجرائم تشمل تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون في الأعمال الحربية، وضد مدن وقرى ومساكن ومواقع مدنية لا تشكل أهدافا عسكرية، وضد موظفين مستخدمين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام عملا بميثاق الأمم المتحدة، ما داموا يستحقون الحماية التي توفر للمدنيين أو للمواقع المدنية بموجب قانون المنازعات المسلحة.

كذلك ينضوي تحت جرائم الحرب تعمد شن هجوم من المعروف أنه سيسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو عن إصابات بين المدنيين أو عن إلحاق أضرار مدنية أو عن إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية وحيث إن الإفراط فيه واضح بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة.

معركة المحاسبة وإن كانت عسيرة تبقى هامة جدا في الواقع، هامة ليس فقط من أجل تعويض الضحية على ما خسرته من عمرها أو سلامتها البدنية والنفسية -حيث يجب إقامة دعاوى مدنية من أجل التعويض في الجرائم المرتكبة- وإنما أيضا من أجل استعادة الثقة بالنفس وبالمجتمع وبمبدأ العدالة.

علينا التذكير بأن الجرائم الجسيمة لا تزول بالتقادم، كذلك تذكير الجلاد والمجرم بأنهم سيحاسبون ولو كان ذلك بعد حين وعلينا أن نعمل كي لا يتمتعوا بإطالة أجل محاسبتهم.

فهناك ضحايا في الحرب العالمية الثانية استطاعوا محاكمة جلاديهم بعد 40 عاما، وعندما لم يسمح العمر لهم تابع ذلك أولادهم ومؤسسات غير حكومية. إقامة العدل مسألة يجب ألا تكون أسيرة الزمان أو المكان، ولو أن القرار السياسي يؤثر وأحيانا كثيرة سلبا على أي نشاط للمحاسبة.

رابعا: سمعنا البعض يقول بوجوب محاسبة حزب الله على قصفه للمدنيين في شمال إسرائيل بنفس الطريقة التي نطالب بمحاكمة إسرائيل على جرائمها. من الضروري التنبيه في هذا المجال إلى أن حزب الله التزم بكل متطلبات القانون العرفي الدولي، كما أن وضع عناصره المسلحة مغطى بالمادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف والبروتوكولين الملحقين بها للعام 1977.

إضافة لذلك هناك مبدأ تاريخي في القانون الإنساني الدولي اسمه حق الاقتصاص، صحيح أنه قضية غير متفق عليها في كل الدول، ولكنها مازالت قائمة في مرجعية عدة بلدان غربية وإسلامية مثل بريطانيا والسعودية ويمكن القول بارتياح إن الدولة العبرية أسرفت في استخدامه في غياب كامل للتناسب.

"
معركة المحاسبة وإن كانت عسيرة تبقى هامة جدا في الواقع هامة ليس فقط من أجل تعويض الضحية على ما خسرته من عمرها أو سلامتها البدنية والنفسية, وإنما أيضا من أجل استعادة الثقة بالنفس وبالمجتمع وبمبدأ العدالة
"
فالاقتصاص تعبير يعني نوعا محددا من الرد الذي ينفذ بغرض إجبار أو حث قوات العدو على وقف انتهاكاتها للقانون الإنساني الدولي. هذا الالتزام الذاتي بقوانين الحرب لا يندرج في إطار الثأر أو العقاب، وإنما يتبع لإجبار الطرف الآخر على وقف انتهاكاته.

يدلنا توقيت قصف المدن الإسرائيلية من قبل حزب الله أنه جاء بعد هدم الضاحية الجنوبية بشكل أساسي. وتبين الوقائع العسكرية التزام حزب الله هذا العرف الدولي الذي يعتبره البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف محظورا.

وإذا ما تمعنا في العناصر الأساسية لـ"حق الاقتصاص" العرفي التي يحددها رجال القانون بنقاط أربع لوجدنا:

- الاستثناء (إخفاق جميع الوسائل المتوفرة الأخرى). كلنا رأى أن مجلس الأمن لم يفعل شيئا لوقف العدوان على لبنان وأن الإدارة الأميركية اعتبرت تصرف الجيش الإسرائيلي دفاعا عن النفس.

-الإشعار (تحذير رسمي بالعمل المخطط)، لقد شاهدنا السيد نصر الله يتطرق في أكثر من مداخلة متلفزة إلى الرد على العدوان بحق المدنيين بهدف الردع وإلى مكان الاستهداف.

-التناسب (ألا يتجاوز الضرر والمعاناة اللذان سيقعان على الطرف الخصم مستوى الضرر والمعاناة اللذين نجما عن التصرف غير الشرعي). ليس خافيا أن عدد الضحايا المدنيين في لبنان أضعاف ما نجم من خسائر في صفوف الإسرائيليين.

-الصفة المؤقتة (وقف الاقتصاص عندما يتوقف الخصم عن انتهاك القانون). رأينا أن الاقتصاص قد توقف بتوقف الطيران الإسرائيلي عن قصف لبنان.

هل يكون للعدوان على لبنان فضل فتح ملف المحاسبة في جرائم الحرب في أكثر من جبهة وبلد؟ هذا هو التحدي الذي على كل المدافعين عن العدالة والكرامة مواجهته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة