البيروسترويكا المضادة.. عراق ما بعد العراق   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ خيري منصور*

عندما سادت مصطلحات سياسية من طراز عراق ما بعد الحرب وعراق ما بعد صدام وعراق ما بعد البعث، لم يخطر ببال المتفائلين بعراق جديد ومحرر بوصفة عسكرية أنغلوسكسونية أن العراق إذا ما استمر الحال فيه على هذا النحو المأساوي، وإذا ما مضت متوالية التفكك حتى النهاية فإنه عراق ما بعد العراق.

ولكي يجري تفريغ العراق من مجمل دينامياته وتفكيك مؤسساته فإن هذا التفريغ ليس الهدف الذي حلم به عراقيون عاشوا بطالة سياسية وحزبية طوال عقود، فمن اليسير جدا تفكيك أي شيء، ولكن الأمر غير اليسير هو إعادة البناء.


عراق ما بعد العراق هو العراق المحذوف من سياق قومي وحضاري، وهو الأمثولة التي يجري تسويقها كنموذج قابل للتعميم خصوصا في الأقطار العربية المصنفة حسب معجم الإثنيات الأميركي بأنها موزاييك

وإذا صح لنا أن نسمي ما حدث للعراق بيروسترويكا بطبعة أميركية، فإن دور العراقيين حتى الآن في إعادة البناء مشكوك في جديته ما دام هناك من ينوب عنهم في حراك بديل.

الاحتلال المزدوج عسكريا وسياسيا وأميركيا وبريطانيا أسفر منذ الأسبوع الأول عن كوارث لها صفة الازدواج أيضا، لأن كل ما تم إعداده والتبشير به سياسيا وفي مقدمته دور المعارضة العراقية كنظام بديل وجاهز تحول إلى تهميش، عُبر عنه رمزيا خلال اعتقالات استهدفت بعض رموز المعارضة ومنهم من عيّن نفسه محافظا لهذه المدينة العراقية أو تلك، ومنهم من تصور أن الولايات المتحدة اقتحمت العراق من أجل سواد عيونه وشهوته المزمنة للحكم، حتى قبل أن تلتئم جراح العراقيين.

عراق ما بعد العراق هو العراق المحذوف من سياق قومي وحضاري، وهو الأمثولة التي يجري تسويقها كنموذج قابل للتعميم خصوصا في الأقطار العربية المصنفة حسب معجم الإثنيات الأميركي بأنها موزاييك يتراوح بين الهش والصلب، وذلك تبعا لمنسوب القوة والضعف في غطاء الدولة والبنيان القومي لنظامها!

فعلى سبيل المثال طالبت باحثة في المخابرات المركزية الأميركية إدارة بلادها بعدم تكرار التجربة مع دمشق إذ يكفي تجريب العصا هذه المرة، لكن لا بأس أن تكون مدهونة بدم بغداد كي تفهم الجارة والشقيقة على السواء ما يعنيه الجنرال باول وهو يراهن على "اللبيب" العربي، إن كانت الإشارة تكفي!

لم يكتمل الفصل الأول من الاحتلال، وقبل أن ينتهي ربيع بغداد الأسود أعلنت الإدارة الأميركية عن إخفاق المندوب السامي الأول لبغداد "جاي غارنر" واستبدلت به أحد خبراء مقاومة الإرهاب الذين تشكل طاقمهم في عهد الرئيس ريغان في الثمانينيات.

وقبل أن تلتهب سماء بغداد وتدخل في فصل الصيف الذي يشعر المارينز بأنهم في أرض بعيدة وغريبة، صدرت قرارات أميركية بتفكيك الوزارات والجيش، وبدا المشهد كما لو أنه إعادة إنتاج العراق غير مشوب بأي عنصر محلي، ما دام الطرف المحلي سواء أكان معارضا أو صامتا أو حائرا أو تائبا قد انتهى إلى دور تنفيذي مرصود بدقّة.

ويبدو أن هناك التباسا عميقا قد أربك الأطراف كلها، فالولايات المتحدة التي تملك فائضا مشهودا من القوة لا تملك مثل هذا الفائض على صعيد إدارة الأرض المحتلة، وخصوصا بعد إنجاز نصف المهمة، والاحتلال الذي لا يمكن لأميركا الادعاء بأنه الهدف الوحيد والكامل لغزوها العراق ليس علاجا عن طريق الكي بالنار أو جراحة الاستئصال، فالمجتمعات أكثر تعقيدا من هذا، ولها مرجعيات وأعراف ومكونات ثقافية، إن لم تفهم جيدا فإن إفلاتها من قبضة الاحتلال يصبح حتميا.


الولايات المتحدة التي تملك فائضا مشهودا من القوة لا تملك مثل هذا الفائض على صعيد إدارة الأرض المحتلة، وخصوصا بعد إنجاز نصف المهمة
بالطبع ما من مراقب يستطيع أن يعزل كل هذه المشاهد عن خلفية مثيرة ودرامية إلى حد بعيد تلخّصت منذ لحظات سقوط بغداد في مزاج سياسي ثأري، لكأن الغضب والكراهية اندفعا بقوة نحو نظام غارب، ونسي المستغرقون في هجاء الماضي الدبابة وهي تذكّرهم بأن من أزال النظام ليس هم وليس تراكم نضال محلي، واستغرب كيف لم يخطر ببال المندهشين من كل ما جرى في العراق أن البلدان ذات النظم الشمولية تفقد بمرور الوقت وتراكم الشمول قدرتها على المبادرة، وقد يصبح العقل السياسي فيها كما لو أنه مكبل في الجبس، ذلك لأن الشعوب التي تعامل بطريقة الوصاية لا الشراكة والكثافة لا الشفافية، تتقلص خبرتها في إدارة شؤونها، ولا بد أن يمضي بعض الوقت طال أم قصر قبل أن تتأقلم مع دورها الجديد الذي تشعر بأنه كان مسروقا لعدة عقود!

إن ما نعنيه بعراق ما بعد العراق هو هذا الفراغ الذي تتصارع عدة أطراف لملئه، لكن لا تجد لها موطئ قدم بين الدبابات والحضور العسكري المباشر والكثيف للاحتلال، وحين يصرّح الجنرال رمسفيلد أن العراق سيحتاج إلى أعوام كي يستطيع الوقوف على ساقيه فإنه يذكّرنا بواحدة من بدهيات الكولونيالية الكلاسيكية وهي التعامل مع الشعوب المغزوة والمحتلة على أنها دون سن الرشد الوطني، وأنها بحاجة إلى من يمسك بيدها ويدرّبها على المشي قبل أن تستوي على قدمين راسختين في ترابها الوطني.

ومجمل المواقف التي مارسها جنرالات الاحتلال الأنغلوأميركي للعراق تلمح أو تصرح -حسب المقام- إلى أن الاحتلال يجب أن يتمظهر في صورة عسكرية تذكر الشعب المحتل بأن هناك من تولى أمره ولو إلى حين، ولهذا لا يمكن وصف عبارات المديح والنفاق السياسي الذي مارسه الأميركيون وهم يشيدون بعراقة العراق وحضارته وكفاءة أبنائه إلا بأنها تندرج في الرشوة الاستعمارية التي طالما مارسها المحتلون في التاريخ، رغم تباين ذرائع الاحتلال وعناوينه وأسمائه.

عراق ما بعد العراق هو كتلة ديمغرافية تفككت وعادت إلى الهويات الثانوية والإثنية كما يحدث للشعوب التي تصحو لتجد نفسها كالسلحفاة التي فقدت الصّدفة، لهذا سرعان ما لاذ المعارض والصامت والتائب السياسي أيضا بالحاضنات الإثنية، فالضمانات الوحيدة الباقية بعد كل ما جرى من تذرر اجتماعي وسياسي هي ضمانات الهويات الصغرى الفرعية التي لم تذب طوال عقود في كيان دولة حديثة.

والفارق الجوهري بين بيروسترويكا سوفياتية كالتي ورط بها غورباتشوف الاتحاد الغارب وبيروسترويكا عراقية من هذا الطراز، هو أن الأولى تبقى محلية رغم عوامل التغذية الخارجية، فهي استثمرت إلى حد كبير أشواق الشعوب للإعتاق من سطوة الأيدولوجيا والشمولية والبطالة السياسية التي يتسبب بها منطق الوصاية البارترياكية، في حين لم تكن البيروسترويكا العراقية، عراقية بالفعل، لقد تم تصميمها خارج البلاد، وإن اضطرت أحيانا إلى استخدام أطراف محلية من أجل اكتساب شرعية التدخل والإطاحة بالنظام السياسي.

وكلا التجربتين لن تكون إعادة بناء بقدر ما هما إعادة هدم، فالروس الذين وجدوا أنفسهم كالطاووس الذي فقد ثلاثة أرباع حجمه بسبب نتف الريش الملون لم يشيدوا بيتا جديدا من حجارة البيت القديم المهدّم حسب مقولة شهيرة لفلاديمير لينين،
والعراقيون الذين غيّر نظامهم بالقوة الخارجية لم يستيقظوا بعد على ما جرى، لأن ترويعهم تم على مرحلتين، الأولى سقوط عاصمتهم بسرعة غير مسبوقة في تاريخ سقوط العواصم، والثانية هذا الفراغ الذي يعصف ببلادهم. وما نخشاه بالفعل أن يكون المقصود الأبعد في أجندة الاحتلال هو عراق ما بعد العراق، وأن مصطلحات من طراز عراق ما بعد الحرب وما بعد صدام وما بعد البعث هي مجرد مصطلحات إجرائية تكتيكية، والأخطر من هذا كله هو تحول الأمثولة البغدادية إلى مجرد مثال قابل للتكرار، خصوصا إذا نجحت الولايات المتحدة في بث مزاج نفسي لدى العرب يتلخص في كلمتين فقط هما: الاحتلال تحرير..!!!

عندئذ سيغسل ملايين العرب أيديهم من أية محاولات محلية فاعلة قادرة على تغيير أوضاع علاها الصدأ وتعفّنت!!!

_______________
*كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة