قصة سلام وخيانة (2-2)   
الأحد 1433/6/22 هـ - الموافق 13/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:19 (مكة المكرمة)، 8:19 (غرينتش)

كما وعدنا في مقالتنا السابقة "قصة سلام وخيانة أراد الملك نشرها", نعود لكتاب المدير الأسبق لمحطة السي آي أي في الأردن جاك أوكونيل, ولتحليل ما يورده أوكونيل في ضوء معلومات من مصادر أخرى أكثر اطلاعا.

والمصدر الأهم الذي سنعتمده هو كتاب أستاذ العلوم السياسية البريطاني نايجل آشتون "الحسين ملك الأردن: سيرة حياة سياسية". والكتاب هو الأحدث والأوفى ليس فقط لكون كاتبه بدأ بكتابته في العام 1999 بعد وفاة الملك حسين وصدر عام 2008, ولكن لما أتيح للكاتب الاطلاع عليه من وثائق يصفها بأنها حالة "غير مسبوقة".

كتاب "سيرة حياة رسمية" للملك جاء بعكس ما فعله أوكونيل الذي نقل ما أراد الملك حسين قوله, وهذا يجعل ما ورد في كتاب آشتون عن الملك حسين يقع ضمن ما أراد الملك عبد الله أيضا نشره

ففي العام 2007, قام الملك عبد الله الثاني بإعطاء الكاتب حق الوصول لكامل مراسلات وأوراق الملك الراحل دون "أية إعاقة"!! ويقول الكاتب إن هذا جعل مصادره هي الأغنى كون أغلب الوثائق الغربية ما زالت محمية كأسرار دولة.. ولكنه يؤكد أنه لم يكتب "سيرة حياة رسمية" للملك, بعكس ما فعله أوكونيل الذي نقل ما أراد الملك حسين قوله في تفسير الأحداث. وبغض النظر عن أي رأي آخر في هذا الكشف لكامل أوراق ملك بعد وفاته, فإن هذا يجعل ما ورد في كتاب آشتون عن الملك حسين يقع ضمن ما أراد الملك عبد الله أيضا نشره.

نتوقف ثانية عند أحد أهم الأحداث التي ما زالت تلقي بثقلها على الأردن وعلى الإقليم بعامة, وهو أحد الأسرار القليلة التي كشفها أوكونيل وأحد أخطر أسرار حرب 67, ولكن آشتون سبقه لنشرها نقلا عنه.

حسب أوكونيل, مساء الرابع من يونيو/حزيران 67 أخبر مساعد للملحق العسكري أوكونيل أن زميله في السفارة الأميركية في تل أبيب أخبره أن إسرائيل ستدمر مطارات وطائرات مصر الحربية الساعة الثامنة صباح اليوم التالي, ثم تهاجم مصر أرضا. ورغم اعتقاد أوكونيل أنه قد يتضرر من إفشاء الخبر, فإنه ذهب من فوره للملك وأخبره على انفراد بما وصله وسيجري بعد ثلاث عشرة ساعة فقط, مضيفا أن تقديرات المخابرات الأميركية تقول إن إسرائيل تستطيع هزيمة كافة العرب في أسبوع واحد. ومقابل مثل هذا الخبر لا يورد أوكونيل أية ردة فعل مستغربة أو أي استفسار من قبل الملك, فقط يقول إن الملك هز رأسه وقال: أوكي!!

وحتى حين بدأت الحرب فعلا بتدمير مطارات وطائرات مصر الحربية, لم يُعد الملك الاتصال بأوكونيل. استدعاء الملك له جاء في" ثاني أو ثالث يوم" من الحرب حيث وجد الملك مع قائد سلاح الجو الأردني ليعرضا عليه صورا التقطها رادار سلاح الجو الأردني للطائرات التي قصفت مطارات وطائرات مصر. وكان ذلك إثر المكالمة الهاتفية التي جرت بين الملك وعبد الناصر لظن الأخير أن قوات غربية قد تكون شاركت في الحرب, واتفقا على أن يعلنا تلك المشاركة لدفع أميركا لبيان الحقيقة. وهي المكالمة التي سجلتها أجهزة التنصت الأميركية والإسرائيلية وبثتها لاحقا تحت تسمية "الكذبة الكبرى", كون الطائرات الإسرائيلية أقلعت غربا على ارتفاع لا تلتقطه الرادارات وعادت شرقا لتقصف عن ارتفاع منخفض مطارات مصر.

فقال أوكونيل إنه غير مؤهل للرد, ولكن يمكنه أن يطلب حضور خبير أميركي. وأرسلت أميركا خبيرين اجتمعا بالقيادات الأردنية, ولم يدع أوكونيل "للاجتماعات", ولكن الطرفين أخبراه بعدها أنه جرت طمأنة الأردنيين بعدم مشاركة آخرين في العدوان. وهو ما يؤكد أكثر أن أوكونيل كان يوظف مكررا "كشاهد ما شفش حاجة".. وهو ما يؤكده قول أوكونيل إن وسيلة الاتصال التي اختارها الملك مع أميركا كانت مدير المخابرات الأميركية مباشرة وليس قنوات الخارجية الأميركية, أي ليس لا عبر السفارة ولا عبر مدير محطة الاستخبارات الأميركية في الأردن.

ولافت أن الملك لم يعلن معرفته المسبقة بتلك المعلومة طوال حياته. وفي ضوء "الصداقة" التي كانت تجمع أوكونيل بالملك, يبدو غريبا أن الملك لم يضف على تلك الـ"أوكي" شيئا لما يزيد على العقدين من الزمان. ولكن بعد تقاعد أوكونيل وتوظيفه محاميا للأردن, وأثناء إجازة قضاها في منتجع الملك بالعقبة مع ضيف آخر هو ملك اليونان السابق قسطنطين, فوجئ بالملك حسين يقول لقسطنطين, دون أي محفز للموضوع كما يقول أوكونيل, إن الأخير سرب له تلك المعلومة عن الحرب وإنه حذر عبد الناصر في رسالتين.. عندها, وعلى غير ردة فعل الملك حسين حين نقلت له المعلومة, "بدت المفاجأة" على وجه ملك اليونان السابق, في حين مفاجأة أوكونيل جاءت بقوله: "جلالتك أرسلت له رسالتين؟؟ لماذا لم يفعل شيئا؟؟" فجاء جواب الملك: "هذا أول سؤال وجهته له بعد الحرب, فقال إنه لم يصدقني"!!!

ولم يقل الملك كيف تم نقل الرسالتين, مع أن مثل هذه المعلومة تستدعي ذهاب الملك بنفسه للقاهرة لأنها تعني أن الأردن لن يجد العون المصري المتمثل تحديدا بالغطاء الجوي. ولا جرى ذكر المعلومة لا من الجانب الأردني ولا المصري رغم كثافة ما كتب ونشر من وثائق وأسرار عن تلك الحرب.. ولا أجهزة أميركا وإسرائيل التي ثبت أنها كانت تخترق اتصالات الملك بعبد الناصر وتسجّلها. سجّلت اتصالا بهذا الشأن.

وعند نقل آشتون عن أوكونيل ما رواه الملك عن تحذيره لعبد الناصر, يقول آشتون: "يبدو أنه أخبره في الاتصالين اللذين أجراهما به في الأيام الثلاثة الأخيرة قبل الحرب".. هذا في حين أن المعلومة وصلت للملك قبل ثلاث عشرة ساعة من موعد الضربة, بما يجعل ذكر الاتصالات السابقة على هذه الساعات غير ذي صلة.. وأوكونيل نفسه يقول إن أحدا لم يفاجأ بالعدوان الإسرائيلي كما تفاجأ عبد الناصر.

هدف حرب يونيو/حزيران 67 كان توجيه ضربة لقوة مصر وعبد الناصر المتنامية بعد أن باتت أميركا تخشى أن يُخضِع المنطقة لنفوذه فيتم إخراج أميركا منها

وحين بدأ أوكونيل "يوثق" لكتابه, كذّّبه زملاؤه فيما يخص هذه القصة, فلم يجد أوكونيل من يشهد له سوى مدير المخابرات الأسبق ريتشارد (ديك) هلمز. وكل ما أسعف به هلمز أوكونيل لذلك التوثيق هو ورقة نوت تكرر ملخصا مقتضبا لرواية الملك دون أن يذكر كيف علم بها. ولافت أن هلمز لم يضمّن القصة في مذكراته على أهميتها بحيث يتوجب أن تكون حتى ضمن الصفحات الأربع التي أوردها عن الشرق الأوسط, وكان سبق أن رفض أن يضمن أيا من روايات الملك في مذكراته فآلت كتابتها لأوكونيل.

كل هذا يوجب علينا أن نعود إلى الخلفية التي تقع عليها هذه القصة, وهي أسباب شن تلك الحرب ومن كان وراءها والأحداث المؤدية لها. يقول أوكونيل إن الحرب كانت تهم أميركا أكثر مما تهم إسرائيل, ولم تأت لا خوفا من إغلاق مضايق تيران ولا من شن مصر هجوما على إسرائيل بعد إخلاء سيناء من القوات الدولية. فكلاهما كان مستبعدا في نظر أميركا وإسرائيل, ولكنهما خدما في التسعير اللازم للحرب. هدف الحرب كان توجيه ضربة لقوة مصر وعبد الناصر المتنامية بعد أن باتت أميركا تخشى أن يُخضع المنطقة لنفوذه فيتم إخراج أميركا منها.

ومنطقة الشرق الأوسط لا تقل أهمية لأميركا عن منطقة فيتنام, ولكن مصلحتها في الشرق الأوسط يمكن أن تتحقق بسعر أرخص "لوجود أناس يمكن الاعتماد عليهم في إسرائيل". ولكن توجب أن لا يظهر دور أميركا في العدوان الذي ستكفيه قوة إسرائيل بخاصة إن جرى تحييد القوة الجوية المصرية منذ البداية, لكون أميركا سعت دوليا وتحديدا عند الاتحاد السوفياتي لضمان أن لا تقوم مصر بالضربة الأولى. وميزة الضربة الأولى تلك حسمت نتيجة الحرب خلال ساعة.

ويورد محمود رياض في مذكراته مواجهته للسفير الأميركي في القاهرة، وقسم السفير بأن يستقيل من العمل السياسي إن ثبت ضلوع أميركا في العمل ضد مصر, ويضيف رياض أن السفير كان صادقا لأن ذلك الضلوع كان يجري على مستوى يتجاوز السفراء. وآشتون أيضا يقر بأن هلمز سوّق الحرب وقدرة إسرائيل على كسبها في أسبوع لدى الرئيس جونسون, بالضد من كل تخوفات الخارجية الأميركية.

أما المشهد العربي الذي سقطت عليه مفاجأة زيارة الملك لمصر قبل الحرب بأربعة أيام ووضعه الجيش الأردني تحت إمرة القيادة المصرية, فكان يضج بعداء صاخب, الملك حسين يمثل فيه القطب المسمى "رجعيا" (الملك يفضل تسميته "تطوريا") المناهض للقطب "الثوري" بقيادة مصر.

وفي الأشهر السابقة للحرب, كان لافتا اتهام الملك النظام المصري بزعم امتلاك قوة جوية "تحجب الشمس عن سماء العدو" في حين أن هذا النظام يعجز عن حماية مجاله الجوي ويختبئ وراء قوات الأمم المتحدة, "ناهيك عن نصرة الأردن" (عند الهجوم الإسرائيلي على السمّوع) أو سوريا (أثناء الغارة الجوية الإسرائيلية عليها في أبريل/نيسان 67). وقال الملك إن "وجود تلك القوات له معنى واحد وهو أن هناك اتفاقا على بقائها لحين تسوية المسألة الفلسطينية أو التوصل لصلح".

يقول محمود رياض في مذكراته إن هذه الاتهامات كانت السبب الرئيسي وراء إخلاء عبد الناصر لقوات حفظ السلام من سيناء, في حين يزيد آشتون بأن يتهم الشكوك والتكتيكات الأردنية "المكيافيلية" بأنها أكدت موت منظومة الدفاع العربي, مقدما وثائق منها ما جرى في لقاء للملك مع مستشاريه يوم 22 ديسمبر/كانون الأول 66, بحثت فيه تقارير استخباراتية تفيد بوجود خطة لتسلل مقاتلي منظمة التحرير في لباس عسكري عراقي للأردن بزعم دخول قوات دفاع مشتركة.. ولم يحدد آشتون مصدر التقارير إن كان محليا أو أميركيا, ولكنه وثقها برسائل استخباراتية تصدر من عمان لواشنطن.

ويقول آشتون إن الملك صدم من مبادرة عبد الناصر لإخلاء القوات الدولية التي هاجمه لوجودها, فأرسل رئيس أركان جيشه عامر خمّاش لمصر في محاولة لمعرفة خطط ناصر العسكرية وليرى "إمكانية أي شكل من التنسيق" معه. ورفض عبد الناصر لقاء خمّاش والعرض الذي حمله من الملك بنشر قوات عربية أخرى في الأردن, فعرض الملك على دولة العراق نشر قواتها لديه (كان رفضها قبل أشهر), وهو ما "رفضته بغداد بازدراء" حسب آشتون وبما أظهر عمق العزلة الأردنية, في وقت يواجه الملك تحديات داخلية لسلطته من الشعب والجيش, وبخاصة بعد "السمّوع".

ديناميكيات الحرب العربية الباردة التي تطوّع الأردن ليكون رأس حربة فيها, وعدم تمكن الملك من حل المسألة الفلسطينية داخل مملكته, أديا لعزلته وفقدانه القدرة على المناورة التي تمنى لاحقا لو استعادها

ويقول إن الملك لم يعد لديه خيار سوى القبول بأية شروط يمليها عبد الناصر. ويضيف أن الصورة المعلنة كانت "الوحدة العربية", إلا أن رجال الملك ظلوا يؤكدون للغرب أن الملك لا يثق بعبد الناصر. ومن حديث لقائد الجيش خمّاش مع مسؤول أميركي في الثالث من يونيو/حزيران 67, ينقل قوله إن الملك لا يريد الحرب, وإن اتفاق الدفاع المشترك مع مصر هو لنقل "عبء القضية الفلسطينية لأكتاف ناصر ليتحمل خيبة رجل الشارع العربي إذا لم تقم الحرب".

ولكن الحرب قامت بضربة أولى لصالح إسرائيل. وبعد هجمة الصباح التي دمرت مطارات وسلاح جو مصر, جاءت ضربات المساء لتدمّر القوات الجوية الأردنية والسورية والعراقية.. ولم تعد هنالك فرصة للعرب في غياب سلاحهم الجوي.

ويخلص آشتون إلى أن ديناميكيات الحرب العربية الباردة التي تطوّع الأردن ليكون رأس حربة فيها, وعدم تمكن الملك من حل المسألة الفلسطينية داخل مملكته, أديا لعزلته وفقدانه القدرة على المناورة التي تمنى لاحقا لو استعادها.

أوكونيل لم يكشف غير سرّين أحدهما تلك المعلومة عن الضربة الاستباقية. ولكنه جلب للمشهد أجزاء من رؤى تؤشر على أن السرّ الأعظم وراء تلك الحرب الكارثية على الأردن والأمة العربية بقي دفينا مع مهندسها أميركيا, ريتشارد هلمز مدير المخابرات الأميركية وحلقة الوصل التي اختارها الملك مع أميركا دونا عن الخارجية الأميركية.

وقصة الحرب والسلام والخيانة لا يمكن أن تقرأ في كتاب أوكونيل, فهي لن تستكمل حتى تنفض أغطية السرية التي جعلت هلمز لا يفرد في مذكراته للشرق الوسط, الذي قام هو بتغيير خريطته, سوى أربع صفحات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة