الأفق   
الثلاثاء 1428/7/17 هـ - الموافق 31/7/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:19 (مكة المكرمة)، 13:19 (غرينتش)

الأمم في عهود مدها الحضاري تتوقف عند معاني الكلمات، وفي عصور انحطاطها تظنها لعبة بهلوانات، لهذا ورغم مقولة أن "الشعر ديوان العرب" أي سجل تاريخهم، فإن التعامل مع هذا الديوان تلخصه مقولة نقدية أخرى هي أن "أجمل الشعر أكذبه".

أما في السياسة فقد قاربنا الإجماع على أنها مهنة "صف حكي"، ومن هنا سوية ساستنا وسياساتنا وركوننا أخيراً, وفيما يشبه الإجماع أيضاً، إلى أن العرب "ظاهرة صوتية", في تجريد للكلمات من أي معنى سوى وقعها وزناً وقافية, أو حتى مجرد علو صوت!

"
استطاع عدونا الزعم أن كل ما تلزمه به القرارات الدولية واتفاقات السلام الثنائية هو انسحاب من أية قطعة من الأراضي المحتلة وليس كل الأراضي المحتلة، بسبب عدم دقة في الترجمة
"
هذه الحالة تضطرنا للعودة مرارا للتذكير بأن استعمال الكلمات في القوانين أدق من استعمالها في أي حقل آخر بما فيه الأدب, وأن الاتفاقيات تعاقدات قانونية ترتب حقوقاً والتزامات..

وليس غنياً عن القول -للأسف- أن الوصول إلى تلك الاتفاقيات تسبقه مفاوضات "سياسية" مطولة، مادتها التي تتداول بين الطرفين "كلمات".

وقد ذكرت في مقالات سابقة بأخطاء تاريخية في تعاملنا مع تلك الكلمات، أبرزها سقوطنا في فخاخ اللعب المتعمد على فارق الترجمة بين عبارة "الأرض مقابل السلام" التي تأتي الكلمتان فيها معرفتين في العربية، بينما في الإنجليزية (النسخة المعتمدة من اتفاقيات السلام وكذلك من قرارات الأمم المتحدة) تأتيان بدون "ال" التعريف لاختلاف في قواعد اللغتين.

وهكذا استطاع عدونا الزعم أن كل ما تلزمه به القرارات الدولية واتفاقات السلام الثنائية هو انسحاب من أية قطعة من الأراضي المحتلة وليس كل الأراضي المحتلة..

كما توقفت في أكثر من مقال عند دلالات تسميات أميركا وإسرائيل لحروبهما وغزواتهما في منطقتنا من مثل "درع الصحراء" و"عاصفة الصحراء", و"عناقيد الغضب" التي أطلقها بيريز على مجزرة قانا، ما يؤشر على أن سفك الدماء كان هدفاً بحد ذاته وليس من باب أي خطأ عسكري..

وفي مقالة لي قبل أسبوعين ونيف في صحيفة "الراية" بينت الأبعاد والتداعيات السياسة والاقتصادية المعاصرة لرسالة توراتية أخرى تعمدت إسرائيل إرسالها من وراء اختيار "وادي عربة" القفر لعقد لقاءات تفاوضية سرية مع مسؤولين أردنيين، ثم للتوقيع على الاتفاقية ليتسنى لها تسميتها باسم "اتفاقية وادي عربة"!

وقد نبه أستاذنا الكبير محمد حسنين هيكل إلى الاستعمال الرمزي للكلمات في السياسة -أي توظيفها بأسلوب أدبي يحمل معه تاريخ الكلمة والعبارة- والذي لو أدركناه مسبقا لقرأنا نوايا أعدائنا بين سطورها.

وقد أورد الأستاذ هيكل هذا في مجال حديثه عن خطط عسكرية أعدها الغربيون لمنطقتنا تحت تسميات ذات دلالة من مثل "الخطة ألفا" و"الخطة أوميغا", كما أورده في مقارنته لصيغ الخطابات والوثائق التي تعامل بها الغرب معنا حين كانت بنا بقية من عزم (أسلوب فيه تورية) وبين استباحتنا بشكل صريح الآن لا تلزم فيه أية تورية لا في أسلوب الخطاب ولا في الفعل الذي يعتزمون القيام به بخصوصنا..

ومع ذلك البعض يضج بالتفاصيل التي يوردها الأستاذ هيكل، مع أن الرجل المجرب نبه أكثر من مرة إلى أن "الشيطان يكمن في التفاصيل"!

وفي هذا المجال تستوقفني مؤخرا كلمة "أفق سياسي" لحل سلمي أو لقيام دولة فلسطينية والتي تتكرر عند الحديث عن كل ما هو مفصلي في أية مباحثات أو صفقات "تبادلية".

تعبير آخر خطير تورط الفلسطينيون بقبوله في المفاوضات، بحيث يصبح كل ما على الفلسطينيين تقديمه موضوعا أمامنا هنا والآن، واضح المعالم حتى أدق التفاصيل، ومطلوبا تنفيذه من اللحظة الراهنة فصاعدا، بينما ما على إسرائيل تقديمه يظل غير محدد بأية ملامح لكون الفلسطينيين قبلوا أن يلقى به إلى "الأفق"!

"
ما على الفلسطينيين تقديمه موضوع أمامنا هنا والآن، واضح المعالم حتى أدق التفاصيل ومطلوب تنفيذه من اللحظة الراهنة فصاعدا، بينما ما على إسرائيل تقديمه غير محدد بأية ملامح لكون الفلسطينيين قبلوا أن يلقى به إلى الأفق
"
يستوقفني "الأفق" بالذات لأن لي معه خبرة شخصية تعود لسنوات سن الروضة وما قبلها، حينها لم تكن هنالك لا إنترنت ولا تلفزيونات تتيح معلومات علمية للأطفال دون سن القراءة كما هو الحال الآن، وحين كانت مساحة الحلم واسعة جداً لأن صلتنا "بالفضاء" كانت من وحي خيالاتنا.

ولأنني نشأت في العاصمة عمان، فإن أهلي كانوا يأخذوننا في رحلات سير على الأقدام في امتداد جبل عمان (هو تلة ظهرها منبسط لعدة كيلومترات) غرباً لتنشق الهواء النقي، وأمد الرحلة مرتبط بإعلاننا نحن الأطفال أننا تعبنا, ليعودوا بنا بالسيارة.

ولم يحدث أبداً أن أعلنت أنا بالذات التعب، بل كانوا يعودون بي رغم إصراري الشديد على متابعة المشي، والسبب هو اعتقادي أنني لو غالبت تعبي وواظبت على السير فسأصل إلى الأفق.

وهناك سأتمكن من لمس تلك القبة الزرقاء عند نقطة التقائها بالأرض.. وحين يقترب حلول المساء في بعض سيرنا ذاك، كنت أتساءل إن أمكن أن أنال نجمة لو وقفت على رؤوس أصابعي!

كان ذلك حلم طفلة في سن الرابعة أو الخامسة، لم تكن تعرف حتى كلمة "أفق" لتعرف أن "الوهم" جزء أساسي مما تدل عليه الكلمة.

ففي تعريف القاموس, وهو التعريف الذي يجمع عادة الدلالة العلمية الصرفة للكلمة إلى الدلالة الاصطلاحية المتعلقة بأي حقل تخصصي من سياسة وقانون وعلوم اجتماعية.. إلخ، إلى الدلالة الأدبية الرمزية، نجد أن كلمة "الأفق" في قواميس كافة اللغات تعني الخط الذي "يبدو" وكأن الأرض أو المياه تلتقي عنده بالسماء.. أي أنه "كالسراب"، شيء متوهم بأكمله..

بل إن السراب أقل خداعا لأن توهمه يتطلب توفر عناصر حقيقية على الأرض وفي السماء (ضوء شمس في زاوية قابلة للانعكاس باتجاهنا وأرض بمواصفات تستطيع بها عكس ذلك الضوء).

فماذا سيكون رد فعل الشارع العربي لو أن أولمرت صرح بأنه يعد عباس بسراب دولة أو سراب حل سياسي؟!

أولمرت أذكى من أن يفعل ذلك، ولكن هل نحن جميعنا وليس عباس ورهطه فقط، أذكى من أن نسير إلى ما لانهاية وراء أفق سيظل يبتعد بقدر ما نظن أننا نقترب منه، وحتى لو درنا "سبع دورات" حول الكرة الأرضية فإننا لن نجد أنفسنا في سوى "حاضر راهن" يتجدد، وحده الملموس.. حاضر مطلوب منا فيه تقديم تنازلات لا تنتهي لإثبات حسن نوايانا في تحقيق سير سلمي تماما نحو ذلك الأفق الذي يقال لنا إن به "رسما مبدئيا" (هذا أقصى ما وعد به بوش ورايس المرحلين عن مواقع صنع القرار بعد أشهر قليلة) لشيء مثل حل سياسي أو دولة؟

والطريف أن الإسرائيليين سبق أن وعدوا عرفات بما ثبت أنه سراب تلو سراب حتى استنزفت تلك الوعود كل مصداقية لها، ممكنة أو مزعومة.

وهذا ما قلناه حينها, وإن لم يتقبل البعض قولنا حينها فعذره أن المياه لم تكن قد كذبت غطاسي التسوية السلمية بعد, إذ كانت هنالك أسقف زمنية محددة وضعت لأوسلو.. نقاط محددة في المستقبل المنظور على بعد خمس أو عشر سنوات يفترض أن ننظر إليها فنرى أشياء محددة تحدث هنالك على الأرض.. بشرط أن نحسن التصرف!

"
تصفية عرفات هي الإعلان العملي عن موت أوسلو بعدما أدت دورها، وقد اكتملت مهمة التصفية السياسية للمقاومة والتحرير بقبول رئيس منظمة التحرير -الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني- تغيير ميثاقها الأساسي لينزع منه كل ما له شأن بالتحرير والمقاومة
"
وكانت تلك أول مرة يتم الحديث فيها عن ضرورة إثبات "حسن النوايا"، ما سهل على مروجي التسوية اتهام معارضيها بسوء النية.

ولكننا وصلنا إلى أسقف أوسلو كلها، هي وتجديداتها وتمديداتها منذ سنوات، وثبت أن الوعود والآمال التي بنيت في المستقبل المنظور لم تكن سوى سراب، إذ لم نشهد أية نتائج على الأرض، باستثناء تراجع مطرد للوضع الفلسطيني، داخلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً..

ووصل استهلاك إسرائيل للأسقف الزمنية والوعود المؤجلة (أوسلو هي بالأساس جدول أعمال وليس اتفاقا) منتهاه فأعلنت من طرفها "موت أوسلو" أكثر من مرة، في حين أن عباس ورجال سلطته يصرون على أنها قائمة ويشترطون، ليس على إسرائيل، بل على "حماس" وبقية الفصائل الفلسطينية الاعتراف و"الالتزام" بها!

ولعل تصفية عرفات هي الإعلان العملي عن موت أوسلو بعدما أدت دورها، فقد اكتملت مهمة التصفية "السياسية" للمقاومة والتحرير بقبول رئيس "منظمة التحرير" الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني تغيير ميثاقها الأساسي لينزع منه كل ما له شأن بالتحرير والمقاومة.. فبات الشعب بلا بوصلة ولا زعماء ولا قادة يحصلون على ما يقارب الأغلبية حقيقة، ناهيك عن الإجماع.

وهذا ما زهد إسرائيل في الجلوس مع عباس الذي أتت به هي إلى موقع عرفات والذي يسمى "مجازا" (بما أننا في إطار الحديث عن توظيف الكلمات وتحديد المعاني) مهندس أوسلو.. لأن أوسلو لها مهندس واحد هو شمعون بيريز، وبيريز أرادها "فترة انتقالية", وهكذا كانت وأدت مهمتها على خير وجه.

ولكن، وبما أن فريق السلطة يصبح ويمسي بانتظار أن يجلس الإسرائيليون معه، ويرسل الوساطات من كل جنس ولون، فلا نستغرب أن تكلف إسرائيل السلطة بأية مهام "أمنية" داخلية هم يتوسلونها، وأن يصل الأمر إلى تعليق جائزة على شكل رسم مبدئي لشيء غير متبلور على الأفق لتجري السلطة وراءه ما دامت راغبة في ذلك!

ليس مثلي من يقدر حلم أي كان، فلم أتوقف عن الحلم حتى يومنا هذا ولا عن الإيمان بإمكانية تحقيق الأحلام. فمارتن لوثر كينغ كان "لديه حلم" بدا مستحيلاً حينها، ونيلسون مانديلا كان لديه حلم ظن أعداؤه أنهم دفنوه معه في غياهب سجن معزول على جزيرة معزولة.

وبعد 27 عاما خرج حلم مانديلا من وراء القضبان ليصبح حقيقة فاقت الخيال، وموت مارتن لوثر كينغ أمدّ حلمه بشريان حياة لا يقهر، فتحقق أو كاد بعد عقود من اغتياله.

والسبب هو أن الرجلين ومن معهما لم يتنازلوا عن أية ثوابت ولم يتبعوا بقايا جزرة "مأكولة" علقت على أفق لم يعد يصدق وجوده حتى الأطفال!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة