الإستراتيجية الأميركية والحرب على إيران   
الخميس 1427/3/8 هـ - الموافق 6/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:15 (مكة المكرمة)، 13:15 (غرينتش)


منير شفيق

كان شهر مارس/آذار 2006 حافلا بالتحركات الأميركية ذات الطابع الإستراتيجي. فمن جهة هنالك لقاء القمة الأميركية-الهندية في أوائل الشهر، والتي أحدث فيها الرئيس الأميركي تغييرا نوعيا في الموقف التقليدي الأميركي (بما فيه إدارته نفسه) إزاء امتلاك الهند الأسلحة النووية، ونشاطها النووي العام. فقد عقد صفقة كبرى مع نيودلهي رفع فيها الهند إلى مستوى أعضاء النادي النووي الخمس الكبار: أميركا وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا. وخرج باتفاقية نووية تطوّر من قدرات الهند في التكنولوجيا النووية.

صحيح أن هذه الخطوة الكبيرة على مستوى المنطقة هناك كما على المستوى العالمي، تطلبها التركيز الأميركي على نزع برنامج إيران النووي مع التحضير للحرب (العدوان) على إيران "إذا اقتضت الضرورة"، إلا أن الوجه الآخر لهذه الخطوة يجب أن يرى في مداه الأبعد محاولة لإرساء تحالف ضد الصين وفكً، قدر الإمكان, لعرى "الصداقة" الروسية-الهندية.

إلى جانب كونه رسالة غير سارة لباكستان بل هو بمستوى لطمة على وجه مشرف لاسيما عدم حصوله من زيارة بوش لباكستان بمثل ما حصلت الهند عليه.

الخطوة الثانية ذات الدلالة هي اللقاء الأمني (أعلن أنه أمني) بين وزراء خارجية اليابان وأستراليا والولايات المتحدة الأميركية في العاصمة الأسترالية سيدني، وهي خطوة مكملة لخطوة الهند في ما يتعلق بالمنطقة والصين.

وقد حاول وزير خارجية أستراليا أن "يخفف"، أو "يزيد" في الواقع، من قلق الصين بقوله: "ولا يجب أن تتصور الصين أننا نتآمر عليها" (الصحف في 19/3/2006) منطبقا عليه القول "كاد المريب أن يقول خذوني".

"
أميركا تتمسك بعقيدة "الضربة الاستباقية"، وهذه الإستراتيجية لم تتغير منذ إعلانها في سبتمبر/أيلول 2002 ومن أهدافها أن يفهم الحكام المستبدون أنهم يخاطرون بأنفسهم عندما يسعون للحصول على أسلحة دمار شامل
"
على أن الحدث الأبرز في السياق المذكور جاء على لسان الرئيس الأميركي بوش، وهو يلخص التقرير الجديد لـ"إستراتيجية الأمن القومي الأميركي" المنشور في 49 صفحة بتاريخ 16/3/2006.

فقد اعتبر المحللون هذا التقرير مكملا، لا متخطيا، تقرير "إستراتيجية الأمن القومي الأميركي" المعلن يوم 20 سبتمبر/أيلول 2002، والذي كان يحضر للحرب (العدوان) على العراق.

اعتبر مكملا لأنه أعاد التشديد، مرة أخرى، على تمسك الولايات المتحدة بمبدأ "الضربات الاستباقية" ضد أي تهديد محتمل آت من دولة تشكل تهديدا نوويا ولو كانت بمرحلة السعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، أو بسبب رعايتها للإرهاب (لا تفرق أميركا بين الإرهاب والدولة التي ترعاه).

وقد أوضح مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي ستيفن هادلي، الذي حل مكان كوندوليزا رايس في هذا الموقع، أن بلاده تتمسك بعقيدة الضربة الاستباقية "حتى ولو لم يبد الخطر داهما أو وشيكا" مستندا إلى طبيعة التهديدات الإرهابية المدعومة من دول ترعاه، إذ هي ليست تهديدات تقليدية يمكن احتواؤها بعد تنفيذها على غرار تحريك الجيوش والطائرات الحربية التي يمكن صدها. وقد أكد أن الإستراتيجية التي تعتمد مبدأ الضربة الاستباقية لم تتغير منذ إعلانها في سبتمبر/أيلول 2002. فمن أهدافها أن يفهم الحكام المستبدون أنهم يخاطرون بأنفسهم عندما يسعون للحصول على أسلحة دمار شامل.

بيد أن استعادة كل هذا الحديث حول مبدأ الضربات الوقائية واستمرارها في الإستراتيجية الأميركية سواء أكان ما جاء في الوثيقة المذكورة أم على لسان ستيفن هادلي، يجب أن يوضع في سياق ما أكد عليه تقرير "إستراتيجية الأمن القومي الأميركي" مارس/آذار 2006، بأن التهديد النووي الإيراني يشكل اليوم "التحدي الأكبر" أمام الولايات المتحدة الأميركية. بل وصل إلى القول "ليس هناك تحد أكبر من إيران".

ومن أجل أن توضع إيران في قفص الاتهام، وتكون هي المقصودة الآن بالحديث عن الضربات الوقائية، اتهمها التقرير بدعم منظمات إرهابية وتهديد إسرائيل وتخريب العملية الديمقراطية في العراق. الأمر الذي يعني أن هذا التقرير جاء ليقوم بالدور نفسه الذي قام به تقرير سبتمبر/أيلول 2002 تحضيرا للحرب على العراق، ليهيئ بدوره لحرب واسعة عسكرية على إيران هذه المرة.

لعل من الرسائل التي حملها التقرير المذكور القول ما معناه: لا تظنوا أن أميركا الغارقة في العراق لم تعد مستعدة لشن حرب أخرى في الوقت نفسه إذا لزم الأمر.

وفي اليوم نفسه الذي قدم فيه بوش وثيقة الاتهام المذكورة إلى إيران صرح مندوب الولايات المتحدة في هيئة الأمم المتحدة جون بولتون (من الليكوديين المحافظين الجدد) أن برامج إيران النووية لا تختلف عن الاعتداءات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001، معتبرا "أن ذلك هو التهديد".

وقد أضاف قائلا: "أعتقد أنه يتعين مواجهة الواقع، صحيح أنه ليس بواقع سعيد لكنه الواقع الذي إذا لم يتعامل المرء معه فإنه سيصبح غير سار بشكل أكبر".

وكانت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قد وصفت إيران، في اليوم نفسه، بأنها "من دون شك نوع من بنك مركزي للإرهاب".

يجب أن يضاف هنا، دخول رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ووزير خارجيته جاك سترو على الخط وبالمروحية نفسها، مؤكدين أن عدم نجاح المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني وانتقال الملف إلى مجلس الأمن، سوف يؤديان إلى ضرورة "اتخاذ قرارات صعبة جدا في الأسابيع المقبلة".

الأمر الذي يعني بالنسبة إلى البريطانيين أن قرار الحرب أصبح على أجندة البحث. وهذه بطبيعة الحال إشارة أخرى إلى أن قرار الحرب أصبح متخذا على مستوى الإدارة الأميركية.

هذا ولا ينقض ما تقدم تلك التأكيدات أن الأولوية ما زالت للدبلوماسية وأن آخر الدواء الكي، لأن التمهيد للحرب يقتضي التأكيد على استنفاذ الطريق الدبلوماسي، أي عكس ما يظن البعض أن الموضوع ما زال في إطار التفاوض. فالتحضير للحرب سياسيا وعسكريا لا يبدأ بعد فشل المفاوضات وإنما في أثنائها إن لم يكن قبلها.

"
الدخول في مفاوضات أميركية إيرانية حول العراق، كما أعلن وإذا تحقق فعلا، يجب ألا يلغي ما تعتبره أميركا أن إيران في هذه المرحلة هي التهديد، ومن ثم لا بد من ردعها بالضربات الوقائية
"
صحيح أن ما أعلن من فتح مفاوضات مباشرة، لأول مرة منذ أكثر من ربع قرن، بين أميركا وإيران حول العراق، أحيا لدى الكثيرين تلك المقولة القائمة على قناعات لا على الوقائع بأن العلاقات الأميركية-الإيرانية هي في مستوى التحالف والتعاون، وأن كل ما نشهده ونسمعه من وقائع معاكسة تشير إلى التناقض الشديد حتى مستوى الحرب ما هو إلا خيالات و"تمثيل". حقا إن هذا المثال يشكل نموذجا لما يمكن أن يصله تغليب الأيديولوجية والحكم المسبق على الوقائع.

إن الدخول في مفاوضات أميركية-إيرانية حول العراق، كما أعلن وإذا تحقق فعلا، وبالرغم من كل ما يمكن أن يثار من تحفظات مبدئية وسياسية حوله، يجب ألا يلغى ما تقدم من تحليل حول اعتبار أميركا لإيران في هذه المرحلة "هي التهديد" ، ومن ثم لا بد من ردعها بالضربات الوقائية.

فإعادة النظر في هذا الاستنتاج لا تكون إلا في حالة نجاح تلك المفاوضات. وهو بعيد المنال، لأن ما تريد أميركا أن تقايض به هو العراق، أو بعضه، مقابل البرنامج النووي الإيراني، أي تقايض ما هو ليس بيدها أو خارجا على سيطرتها، بأهم قضية إستراتيجية إيرانية في هذه المرحلة، وهو امتلاك القدرة النووية للأغراض السلمية. وذلك لأنه يرفعها إلى مصاف الدول النووية حتى لو لم تمتلك القنبلة، فضلا عن تعزيز مكانتها الإقليمية وحماية مستقبل نظامها الإسلامي المستهدف أميركيا. وهذا ما يجعل نجاح المفاوضات مرهونا بتخلي إيران تماما عن البرنامج النووي، وهو ما لا دلائل عليه بعد.

فالمنطقة -منطقتنا- العربية والإسلامية، ولا نسميها "الشرق الأوسط الواسع"، مهددة بالحرب بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فهذا ما تؤكده طبيعة التناقض القائم بين البرنامج النووي الإيراني وإسرائيل، ومن ورائها أميركا وإلى حد أقل نسبيا الاتحاد الأوروبي.

وقد جاءت "وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأميركي" لتحسم موضوع شن الحرب في حالة عدم استطاعة الجهود الدبلوماسية نزع البرنامج النووي الإيراني نزعا تاما وبالكامل من إيران.

ومن ثم فكل السياسات الدائرة من جانب الولايات المتحدة سواء أكانت تلك التي تشير إلى التحضير للحرب ضد إيران أم تعمل على عزلها حتى الاختناق أم تلك التي تظهر شقوقا توحي بنجاح الدبلوماسية مثل فتح باب المفاوضات حول العراق، أو تأييد الاقتراح الروسي، أو التصريحات التي تقول إن طريق الدبلوماسية لم يصل إلى حد السد والإغلاق بعد.. يجب أن توضع جميعها في هذه اللحظة ضمن إطار قرار الحرب المتخذ إسرائيليا وأميركيا ضد إيران حتى يثبت بالملموس العكس، أي تخرج وقائع تثبت اتجاه استبعاد الحرب.

والآن، ثمة نقاط أخرى ذات أهمية في تقرير بوش حول إستراتيجية الأمن القومي بعد كل هذا التركيز على موضوع إيران التي اعتبرها صراحة "التهديد الأكبر" أمام الولايات المتحدة، وقال "هي التهديد". فأول تلك النقاط يتعلق بالتشديد على التعاون الدولي "لتبديد الأزمات" بأنه أولوية "خصوصا مع أقدم وأقرب أصدقائنا وحلفائنا" وهو يقصد بالطبع وبالدرجة الأولى أوروبا.

الأمر الذي يمكن اعتباره التراجع الأساسي الأهم عن مبدأ "تحالف الراغبين" الذي تبنته إستراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2002 بديلا لحلف الناتو ومن أسماهم اليوم "أقدم وأقرب أصدقائنا وحلفائنا"، فإستراتيجية التفرد الأميركي بالقرار والتقليل من أهمية "أوروبا القديمة" أثبت فشلها، وهذا أهم ما يمكن أن يلاحظ في التقرير المذكور بعد إعطائه الأولوية للتهديد الإيراني لكن المشكلة هل سيرتبط قرار الحرب بموافقة أوروبا أم سيبقى باب الانفراد بقرار الحرب قائما؟ الجواب الذي قدمه التقرير هو إعطاء أهمية كبرى للتحالف المذكور لكن مع الاحتفاظ بحق أميركا بالتحرك نحو الحرب(الضربة الاستباقية) منفردة إذا لزم الأمر.

"
كل السياسات الدائرة من جانب الولايات المتحدة سواء تلك التي تشير إلى التحضير للحرب ضد إيران أو تعمل على عزلها أو تلك التي توحي بنجاح الدبلوماسية، يجب أن توضع جميعها ضمن إطار قرار الحرب حتى يثبت بالملموس العكس
"
النقطة الثالثة التي تستحق وقفة مع التقرير المذكور فتتعلق بالعلاقة الأميركية بكل من روسيا والصين. فبالنسبة إلى روسيا التي "تراجعت عن الديمقراطية" فإن العلاقات بها متوقفة على سياستها في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى على ضرورة عودة المحادثات السداسية حول النووي الكوري، وذلك بالقول بأنها ما زالت تفكر على الطريقة "القديمة"، كيف؟ فهي ما زالت تعزز جيشها وتوسع تجارتها، بل أشار إلى أنها تحاول "إغلاق طرق إمداد النفط"!

حقا إنها لوقاحة أن تتهم الصين بتعزيز جيشها لأنها زادت الميزانية العسكرية بنسبة 16.8% لتصل إلى 38 بليون دولار فيما ميزانية الدفاع الأميركية آخذة بالاقتراب من 500 بليون دولار أي أكثر من كل الدول الكبرى الأخرى مجتمعة.

ثم كيف يصبح "توسيع التجارة" تهمة في "عصر العولمة"؟ أين فتح الأسواق والمنافسة الحرة وترك السوق يصحح نفسه بنفسه. أما موضوع تهمة إغلاق طرق النفط فغريبة إلا إذا كان المقصود تسلل الصين إلى كل النقاط النفطية ذات الأهمية الثانوية، أو مساعيها لعدم إغلاق طرق النفط في وجهها (من قبل أميركا طبعا).

على أن المهم ملاحظته، وهو نقطة جدالية، إنما يتمثل في وضع كل من روسيا والصين (وحتى الهند) في المرتبة الثانية أو الثالثة في أولويات الإستراتيجية الأميركية (الأمن القومي الأميركي) مقابل وضع الأولوية قبل ثلاث سنوات للعراق ومن بعده لسوريا ولبنان، والآن وبصورة حادة لإيران.

الأمر الذي يترتب عليه الغرق في حروب خطرة في منطقتنا وترك كل ما تحتاجه روسيا والصين والهند، وحتى أوروبا، من وقت لتعزز إمكاناتها وقدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية. علما بأن الساذج يستطيع أن يميز من الذي يشكل منافسا (خطرا) للولايات المتحدة اقتصاديا أو عسكريا أو تكنولوجيا. وهنا لا مقارنة من هذه الزاوية مع أي دولة في منطقتنا حتى في المدى البعيد.

لا يحل هذا الإشكال إلا من خلال الموضوعة التي تعتبر اللوبي الإسرائيلي ولوبي "المسيحيين" الصهيونيين هما من يقرر أولويات الإستراتيجية الأميركية، بما يخضعها أو يسخرها لأولويات المشروع الإسرائيلي في منطقتنا.

الأمر الذي يقتضي عندئذ وضع العراق ثم إيران وما بينهما في مرتبة الأولوية ودحر القوى الكبرى المنافسة حقا أو التي قد تصبح في وقت قريب منافسة حقا إلى المراتب الثانية والثالثة.

ولهذا فإن إدارة بوش تتعرض بسبب ما تقدم لضغوط داخلية وعلى أعلى المستويات لتصحيح هذا الوضع المختل. ومن ثم لا عجب بعد الانتهاء من موضوع إيران أن يعاد النظر في وضع سلم الأولويات لتحتل الصين المرتبة الأولى ومن بعدها أو معها روسيا (إن لم تقلب للعين ظهر المحبة).

طبعا المهم الآن هو قراءة الإستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأميركي (مارس/آذار 2006) كما هي، وترك النقطة الجدالية المشار إليها للأمد المتوسط القادم للحكم عليها أو لها. لأن الحرب بسبب نزع البرنامج النووي الإيراني أصبحت على الباب، أو تكاد تكون شبه مؤكدة ما لم ينتزع ذلك البرنامج بالطرق الدبلوماسية (التهديد والضغوط والترغيب).
ـــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة