الربيع يستدعي أسئلة المصير العربي   
الثلاثاء 30/11/1433 هـ - الموافق 16/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 1:03 (مكة المكرمة)، 22:03 (غرينتش)

شهدت القاهرة خلال الأيام القليلة الماضية اجتماعا غير مألوف لمجموعة من المثقفين العرب، لمناقشة سبل الخروج من أزمة الأمة العربية، وكيفية لملمة عقدها الذي انفرط.

 (1)

لولا الربيع العربي ما قدموا إلى مصر التي لم تكن ترحب بهم في عصر الانكفاء، وبعضهم ظل يُرَد على عقبيه ولا يسمح له بالخروج من مطار القاهرة.

ولولا "الربيع" لما مدوا أبصارهم إلى محيط الأمة متجاوزين حدود أقطارهم التي ظل خطاب تلك المرحلة يلح على أنها أولا وأخيرا، وما كان لهم أيضا أن يشدوا الرحال إلى القاهرة إلا بعدما تسلَّموا الرسالة التي دوت في الآفاق في العام الماضي، معلنة أن الشعوب العربية مهما كان وعيها قد غيّب وتشوه فإنها لم تمت، وأن حلمها المؤجل وإن كان لا يزال بعيدا حقا، لكنه ما عاد مستحيلا، خصوصا أن الذي وقع وقلب المعادلة رأسا على عقب كان يعد من المستحيلات عند كثيرين.

في فضاء قاعة اجتماعاتهم ظلت الأسئلة الموجعة تتردد طول الوقت: لماذا فشلت خطوات التكامل العربي، فمجلس الوحدة الاقتصادية تشكل عام 1957 (قبل نحو 65 عاما) وتزامن مع تأسيس السوق الأوروبية المشتركة، وما زلنا نقف عند نقطة الصفر، في حين أنهم وسعوا من نطاق السوق وأقاموا فوقه الاتحاد الأوروبي.

يستحي المرء أن يقول إن اتفاقية الدفاع العربي المشتركة وقعت عام 1950بعد حرب فلسطين مباشرة، ولم يتم تفعيلها إلا بعد مضي أربعين عاما حين غزا العراق الكويت عام 1990، وأسوأ من ذلك أن الاتفاقية لم تر النور إلا في ظل الضوء الأميركي الأخضر، ثم لم نر لها أثرا بعد ذلك

ويستحي المرء أن يقول إن اتفاقية الدفاع العربي المشتركة وقعت عام 1950 بعد حرب فلسطين مباشرة، ولم يتم تفعيلها إلا بعد مضي أربعين عاما، حين غزا العراق الكويت عام 1990.

أسوأ من ذلك، أن الاتفاقية لم تر النور إلا في ظل الضوء الأميركي الأخضر، إذ لم نر لها أثرا حين اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982، ولا حين احتلت الولايات المتحدة العراق عام 2003. والأنكى والأتعس أن الدول العربية التي وقعت فيما بينها الاتفاقية المذكورة، أصبحت تعيش تحت مظلة الحماية الأميركية، حتى ذكر تقرير عرض على مجموعة المثقفين العرب أن الولايات المتحدة أقامت قواعد عسكرية أميركية على أراضٍ أكثر من ثلث الأقطار العربية.

(2)

في اليوم الذي بدأت فيه مشاورات المثقفين العرب (الثلاثاء 2/10)، كانت جماعة الحراك الجنوبي في اليمن قد دعت إلى اجتماع في عدن للمطالبة بانفصال الجنوب وانسحابه من الوحدة التي تمت مع الشمال عام 1990، يومذاك أيضا كانت دول الاتحاد المغاربي الخمس (تونس والمغرب والجزائر وليبيا وموريتانيا) قد انتهت من ترتيب القمة الناجحة مع الدول الأوروبية الخمس المقابلة لها (إيطاليا وفرنسا وإسبانيا ومالطا والبرتغال)،ـ وهو ما يعرف بقمة "5+5".

وقد أصدر رؤساء الدول العشر في أعقاب مؤتمرهم الذي عقد في مالطا بيانا أكد على "التراث الهائل المشترك من الثقافة والحضارة والتاريخ، وتطلعات شعوب المنطقة لتحقيق الديمقراطية والاستقرار والأمن والازدهار".

أصابتني العبارة حين وقعت عليها بالغيظ والحسد، وكان تعليقي الوحيد عليها أن ما بيننا في العالم العربي (روابط الدين واللغة والتاريخ والجغرافيا) أوسع وأمتن مما بين الدول المغاربية الخمس وبين نظيراتها الأوروبيات التي تقابلها على الشاطئ الآخر من البحر المتوسط.

مشاهد الانفراط والانقراض التي يعاني منها العالم العربي كانت أيضا حاضرة في وعي الجميع. لم تكن بعيدة عن الأذهان، من فاجعة انفصال جنوب السودان عن شماله، إلى التشققات التي أصابت العراق حتى أصبح شماله مهيأ للانفصال لصالح الأكراد، إلى التداعيات المؤرقة التي يمكن أن تترتب على سقوط النظام السوري واحتمالات تقسيم البلد بين السنة والشيعة والأكراد، وهو ما ستكون له أصداء أخرى في لبنان والعراق والأردن على الأقل، ذلك إذا مرت التحرشات العسكرية بين سوريا وتركيا بسلام، وكذلك التهديدات الإسرائيلية الموجهة ضد إيران.

هل قدّر للعالم العربي أن يعيش مشتتا ومتنابذا؟ ولماذا نجحت محاولات التكامل في أوروبا وآسيا ولم تحدث في العالم العربي؟ العالم العربي له خصوصيات تميزه عن أي منطقة أخرى في العالم، وهذه الخصوصيات أسهمت في استهدافه والعمل على إبقائه ممزقا

ومعلوم أن اغتصاب إسرائيل لفلسطين من الإشارات المبكرة لضمور العالم العربي التي يعد احتلال الجولان من تجلياتها أيضا.

وكما كان مشهد انفراط العالم العربي وتشرذمه ماثلا أمام الجميع، فإن فصل الخيبات الوحدوية أو التكاملية العربية لم يكن بعيدا عن الأذهان (الوحدة السورية المصرية، والتكامل بين مصر والسودان)، بحيث لم يبق للعرب من التجارب الوحدوية سوى حالات ثلاث هي: دولة الإمارات العربية، ومجلس التعاون الخليجي، والاتحاد المغاربي، وهي لا  تمثل تكاملا حقيقيا، ولكنها تختلف في درجة هشاشتها.

(3)

هل قدّر للعالم العربي أن يعيش مشتتا ومتنابذا؟ ولماذا نجحت محاولات التكامل في أوروبا وآسيا ولم تحدث في العالم العربي؟ كان رأيي ولا يزال أن العالم العربي له خصوصيات تميزه عن أي منطقة أخرى في العالم، وهذه الخصوصيات أسهمت بشكل كبير في استهدافه والعمل على إبقائه ممزقا، لأن اجتماعه أو تكامله يهدد مصالح ويقلب إستراتيجيات أطراف أخرى ذات مصلحة، على الصعيدين الدولي والإقليمي. ذلك أن موقعه الإستراتيجي بين الشرق والغرب وكونه يمثل بوابة لأفريقيا، يجعله مطمعا للدول الكبرى المهيمنة.

وهي ذات الدول التي تطلعت لاختراقه واحتلاله منذ القرن الثامن عشر، ثم سعت إلى اقتسامه وإعادة رسم خرائطه عبر اتفاقية "سايكس بيكو" التي عقدت في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

وإذا كان الموقع الإستراتيجي يشكل مطمعا مبكرا، فإن ظهور النفط في العالم العربي شكل عنصر جذب آخر دفع الدول الغربية إلى محاولة تثبيت هيمنتها عليه واعتباره ضمن مصالحها الحيوية التي تتشبث بفكرة الحفاظ عليها والدفاع عنها.

وإذا كان النفط قد ظهر في العالم العربي في ثلاثينيات القرن الماضي، فإن تأسيس دولة إسرائيل واغتصابها لفلسطين في الأربعينيات بتوافق غربي بالدرجة الأولى، أضفى وضعا استثنائيا لخصوصية العالم العربي، لا مثيل له في أي مكان آخر بالعالم.

ذلك أنه لكي تبقى إسرائيل وتستمر كان لابد من إضعاف وتطويع العالم العربي الذي رفضت شعوبه جريمة الاغتصاب وحاربت لأجل صدها وايقافها منذ اللحظات الأولى.

إضعاف دول العالم العربي ومصر في المقدمة منها، يصب في المصلحة المباشرة لقوى الهيمنة الدولية وإسرائيل، فقد كان منطقيا ومفهوما أن تقف تلك الدول في صف معارضة أي تكامل عربي على أي مستوى سياسي واقتصادي أو ثقافي

ولأن إضعاف العالم العربي ومصر في المقدمة منها، يصب في المصلحة المباشرة لقوى الهيمنة الدولية وإسرائيل، فقد كان منطقيا ومفهوما أن تقف تلك الدول في صف معارضة أي تكامل عربي على مستوى، سياسي واقتصادي أو ثقافي، لهذا السبب أعربت الدول الغربية عن عدم رضاها عن الوحدة المصرية السورية، ولم يهدأ لها بال إلا حين تم الانفصال.

ولهذا السبب تواجد الخبراء الإسرائيليون إلى جانب الملكيين الذين حاربوا الجيش المصري الذي ذهب تأييدا للثورة في اليمن، كما تواجدوا مع الجنوبيين في السودان ووقفوا إلى جوارهم حتى انفصلوا عن حكومة الخرطوم. وهناك أكثر من دراسة إسرائيلية تحدثت عن جهود "الموساد" لتأليب الأقليات العرقية والدينية في العالم العربي (الأكراد مثلا) من أجل تفكيكه وإضعافه.

(4)

هذا التحليل يظل منقوصا إذا لم نتحدث عن أزمة الداخل في العالم العربي، ذلك أنه منذ تأسيس الجامعة العربية عام 1945 انعقد 35 مؤتمرا للقمة لبحث كافة هموم الأمة العربية وعلى رأسها قضية فلسطين، ثم يصبح حالنا على النحو الذي تعرفه، فمعنى ذلك أنه لا توجد إرادة عربية حقيقية للتغيير أو التقدم.

يعزز ذلك أن لدينا كمًّا من المجالس والاتفاقيات والمعاهدات يغطي كل صور التكامل العربي المنشود، في السياسة والأمن والثقافة والتجارة والعمالة والسياحة والإدارة والطاقة الذرية... إلخ، حين يحدث ذلك أيضا فهو يعني أن أزمة الأمة العربية هي أزمة إرادة أيضا.

بكلام آخر فإنه إذا كانت العوامل الخارجية تشكل عائقا ضد التكامل المنشود، فإن عجز سلطة القرار العربي يشكل عائقا آخر لا يقل خطورة.

عند هذه النقطة، لا مفر من التوقف عند دور الاستبداد في إعاقة النهوض بالأمة العربية، الأمر الذي أدى إلى إضعاف المجتمعات العربية وتشويهها، وإصابتها بلعنة "فساد العمران" التي تحدث عنها ابن خلدون في مقدمته، وهذا التشخيص دفع أحد الفلاسفة الذين اشتركوا في حوارات القاهرة الأخيرة إلى القول بأن التجربة أثبتت فشل جامعة الحكومات العربية، وأن رياح الربيع التي هبت على العالم العربي تهيئ فرصة مواتية لتأسيس ما أسماه جامعة الشعوب العربية.

ورغم أن الفكرة لم تطرح للمناقشة التفصيلية، فإنها كانت بمثابة دعوة لإحياء دور الشعوب في تقرير المصير العربي، بعدما ظل ذلك الدور حكرا على حكومات لم تمثلها يوما ما.

إذا وسعنا دائرة النظر في مشكلات الداخل فسنلاحظ أن غياب الديمقراطية يمثل سببا جوهريا لها، ولكننا سنجد أن الخلافات المحتدمة بين المثقفين تمثل عائقا آخر لا يهدد التقدم والاستقرار فحسب، ولكنه أيضا يصرف الانتباه عن قضايا المصير التي تشكل تهديدا وجوديا للطرفين

إذا وسعنا دائرة النظر في مشكلات الداخل فسنلاحظ أن غياب الديمقراطية يمثل سببا جوهريا لها، ولكننا سنجد أن الخلافات المحتدمة بين المثقفين، خصوصا الذين يمثلون التيارين العلماني والإسلامي، تمثل عائقا آخر لا يهدد التقدم والاستقرار فحسب، ولكنه أيضا يصرف الانتباه عن قضايا المصير التي تشكل تهديدا وجوديا للطرفين.

(5)

في تقديمه لمذكرات جمعية "أم القرى" التي ضمنها خلاصة حوارات مؤتمر نهضة الأمة الذي انعقد في مكة المكرمة عام 1316هـ/ 1898م، كتب عبد الرحمن الكواكبي يقول:

"لما كان عهدنا هذا عهدا عمّ فيه الخلل والضعف كافة المسلمين، وكان من سنن الله في خلقه أن جعل لكل شيء سببا، فلابد لهذا الخلل الطارئ والضعف النازل من أسباب ظاهرية غير سر القدر الخفي عن البحر. (لأجل ذلك) دعت الحمية بعض أفاضل العلماء والسراة والكتاب السياسيين للبحث عن أسباب ذلك، والتنقيب عن أفضل الوسائل للنهضة الإسلامية".

هذا الكلام ينطبق على حوارات لقاء المثقفين العرب الذي انعقد في القاهرة، والذي كان الدافع إليه هو ذاته ما دفع الكواكبي قبل 114 عاما إلى تحري أسباب الضعف والخلل الذي أصاب الأمة الإسلامية. وإذا تشابهت الحوارات السابقة مع الحالية في الدوافع وفي الكتمان الذي أحاط بها، وفي الحرص على تمثيل شعوب الأمة، فإنهما اختلفتا في كون حوارات الكواكبي تحدثت عن أحوال الأمة الإسلامية، أما ما شهدته القاهرة فكان موضوعه أزمة الأمة العربية.

وبينما دعا الكواكبي المجتمعين إلى إجراء حواراتهم "بصورة خفية في دار بأطراف مكة، استؤجرت باسم بواب داغستاني روسي، لتكون مصونة من التعرض"، عقدت اجتماعات القاهرة في قاعة بأحد الفنادق، بعيدا عن أعين وسائل الإعلام وآذانها.

وتمت العملية كلها بترتيب من اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لمغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (إسكوا) التي ترأسها الدكتورة ريما خلفا مساعدة الأمين العام، وتتخذ من بيروت مقرا لها.

ثمة فرق آخر بين ما عرضه الكواكبي وهذا الذي قدمته، يتمثل في أن شيخنا الكبير عرض خلاصة ما تحدث به ممثلو العالم الإسلامي، في حين أن ما كتبته هو من وحي المناقشات التي أجراها المثقفون الذين جاؤوا إلى القاهرة من أطراف العالم العربي. والذي تحدث به هؤلاء وهؤلاء، يظل من قبيل أجراس التنبيه التي تتردد في فضاء الأمة، وتنتظر من يستجيب إليها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة