سوريا ومستقبل العلاقة بين تركيا وإيران   
الخميس 7/9/1433 هـ - الموافق 26/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:33 (مكة المكرمة)، 13:33 (غرينتش)

وضعت سوريا ومن قبلها العراق العلاقة بين تركيا وإيران على شفير حرب باردة، تزداد حرارتها يوما بعد آخر، في خضم التطورات الكبيرة والمتسارعة في الملف السوري، وظهور بوادر لتقهقر القيادة السورية بقيادة بشار الأسد أمام اتساع حجم ونوع المعارضة السورية على الأرض. 

ورغم اتفاق البلدين على عدم المواجهة، تؤكد الحقائق على الأرض غير ذلك، فاستمرار صراعهما الشديد على النفوذ في العراق جعل الأزمة السورية الحالية تشكل مجالا آخر من مجالات صراع البلدين للسيطرة على أطواق النفوذ الإقليمي لهما في المنطقة.

سوريا هي التي ستحدد مستقبل العلاقات الإيرانية التركية، لأنها الحجر الأكثر تأثيرا بين أحجار رقعة الشطرنج الإقليمية المؤثرة في مجريات الأمور

سوريا إذن ستحدد مستقبل العلاقات الإيرانية التركية، فهي الحجر الأكثر تأثيرا بين أحجار رقعة الشطرنج الإقليمية المؤثرة في مجريات الأمور، نتيجة عوامل عديدة لكل من البلدين، فإيران ترى أن "نظام الأسد لن يسقط، وأن إيران وحزب الله والعراق يدعمون النظام في سوريا بحزم، وإيران ستستمر بدعم الحكومة السورية وستعارض الذين يتحركون ضدها بكل الوسائل..!".

ودلالة هذا الدعم وجود قوات من النخبة الخاصة للحرس الثوري الإيراني على الأراضي السورية خاصة في دمشق، إضافة إلى دعم إيراني فني، خاصة فيما يتعلق بتقنيات الاتصال والتنصت والرصد، فيما تقدم تركيا دعما نفسيا وإعلاميا وسياسيا للجيش السوري الحر وبقية فصائل المعارضة العسكرية والسياسية، وكانت منذ بداية الثورة السورية تشكل عنصر ضغط نفسي على حكومة دمشق، وما زالت نتيجة تحركها الدولي المطالب بوضع حد للمجازر التي ترتكب بحق المدنيين في المدن السورية.

الجميع يعلم أنه ومنذ بداية الأحداث السورية اختلفت أنقرة وطهران في تعريف هذه الأحداث، فتركيا عدتها جزءا من حركة الربيع العربي، ورأت أن من العقل والحكمة أن تستجيب لها الحكومة السورية بحزمة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما عدته إيران مؤامرة أميركية تستهدف إسقاط الحكم في سوريا تمهيدا للإجهاز على إيران، وخنقا لحزب الله في لبنان، وعلى هذا الأساس تجد إيران أن من واجبها ومصلحتها وأمنها القومي أن تدافع عن نفسها من خلال الدفاع عن النظام السوري.

حقيقة الأمر أنه ومنذ سقوط نظام الحكم في العراق نتيجة الاحتلال الأميركي لهذا البلد عام 2003، وتركيا تراقب عن كثب وبجميع الوسائل الممكنة بسط النفوذ الإيراني في المدن العراقية، وكيف تحول هذا البلد إلى ساحة أمامية لإيران تتحكم فيه مخابراتيا واقتصاديا وأمنيا وحتى اجتماعيا وثقافيا.

ومع زيادة وضوح الصورة المؤكدة لهذه الحقائق وانحياز الحكومة العراقية الضعيفة بالكامل للقرار الإيراني، بدأت تركيا بالتحرك السياسي من أجل إيقاف تقدم الإيرانيين في موضوع احتواء العراق بالكامل، فصدرت تصريحات من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته في مناسبات عدة تؤكد أن تركيا لن تظل صامتة تجاه ما يحصل في العراق، وأنها ستتحرك إذا اقتضت الضرورة لإيقاف عمليات التجاوز على المكونات العراقية التي يناصبها الإيرانيون العداء.

وبالطبع يأتي القلق التركي بالإضافة إلى الصورة المعتمة في العراق، والعراق جزء من المحيط الحيوي لتركيا، نتيجة لرؤية تركية واضحة للتغلغل الإيراني في لبنان وسوريا، وهما بلدان مؤثران جدا على الأمن القومي التركي. 

تركيا، الدولة الناجحة ذات العلاقات الدولية الجيدة مع الجميع، أرادت أن تستثمر ذلك كله في تأجيج الموقف الدولي وجلب انتباهه نحو ما يحدث في سوريا منذ بداية الأزمة

تركيا، الدولة الناجحة ذات العلاقات الدولية الجيدة مع الجميع صاحبة أنجح الديمقراطيات في المنطقة حتى مع إيران التي تقوقعت دوليا لولا الجهود التي بذلتها الخارجية التركية لتجسير علاقات إيران مع المجتمع الدولي، أرادت أن تستثمر ذلك كله في تأجيج الموقف الدولي وجلب انتباهه نحو ما يحدث في سوريا منذ بداية الأزمة من جهة، وفي الضغط على حكومة الأسد من جهة أخرى.

في حين أن إيران، ذات المواقف الضعيفة والسمعة الرديئة دوليا، قررت الوقوف بقوة مع النظام السوري مع مراعاتها بدقة لموضوع المحافظة على التوازن في كل حركاتها مع تركيا، وربما اللجوء إلى الحوار مع أنقرة للبحث عن خيارات مشتركة لموضوع الأسد أو حتى ما بعد الأسد، كسبا للوقت والمماطلة من جهة، وتشكيكا بأدوار الدول الكبرى التي ترى في نظام الأسد أنه أصبح فاقدا للشرعية من جهة أخرى.

كما أن إيران التي ترى في تركيا "أكبر تهديد للمصالح الإيرانية، وأن لدى رئيس وزرائها أردوغان أطماعا عثمانية، وأنها المنافس الأول لإيران في العالم الاسلامي خصوصا في سوريا والعراق وأفغانستان" لن تسمح بأن يفرط عقد الولاء والعقيدة الذي نظمته إيران بعناية فائقة وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود في جنوب لبنان وسوريا والعراق لاحقا.

الحالة القائمة حاليا بين إيران وتركيا كدولتين جارتين لا يبدو عليهما أي ظواهر للقتال أو الاشتباك، امتثالا لمعاهدة قصر شيرين (زهاب بالتركية) عام 1639 التي وقعت بين الدولة العثمانية والصفوية بعد عشرات السنين من الحروب، لكن هناك وطيلة هذه الفترة نوعا آخر من الصراع على النفوذ تمثل في الصراع العقائدي، وغالبا عن طريق طرف ثالث، ومع أن تركيا حافظت باستمرار على علاقاتها الاقتصادية مع إيران ودعمت برنامجها النووي إذا ثبت أنه للأغراض السلمية، لم تقبل المشروع المذهبي الإيراني وتصدير الثورة الإيرانية لدول المشرق العربي خاصة العراق وسوريا ولبنان.

إيران من جهتها ترى في تركيا أنها مركز متقدم للولايات المتحدة وحلف الأطلسي في المنطقة، وقد غاظها كثيرا موافقة أنقرة على استضافة رادارات الدرع الصاروخية الأطلسية، أما الدور التركي في سوريا فقد عبر عنه المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي بقوله "لن نسمح للمؤامرات التي تحاك ضد سوريا أن تنجح، ومن يتخذ من سوريا هدفا له إنما يستهدف بمخططاته تلك الثورة الإسلامية في إيران"، وعندما وجه كلامه تحديدا لتركيا قال محذرا "وعلى تركيا أن تعي جيدا أن الجمهورية الإسلامية ستبذل ما بوسعها، مستخدمة كل إمكانياتها لإحباط كل المؤامرات التي تحاك ضد الحكومة السورية".

يجمع معظم المراقبين والمحللين على أن المشكلة الكبرى في العلاقات بين أنقرة وطهران ستكون في سوريا، ولأن عوامل الصدام بين البلدين (وكما ذكرنا) لا تترجم على المستوى الثنائي المباشر بين البلدين، فإنهما يترجمان خلافاتهما في ساحة أخرى، وتجارب التاريخ دليل على ذلك، أما حاليا فيبدو وبوضوح شديد أن أبرز ساحات الصراع بين الدولتين في هلال واحد محيط بجنوب الدولة التركية، كالعراق وسوريا ولبنان، حيث يوجد نفوذ إيراني قوي يقابله حراك تركي قابل لأن يؤسس لنفوذ مع غياب شبه كامل للدور العربي.

إيران خسرت خلال ما يقرب من عام نفوذها المطلق في سوريا، وفشلت محاولاتها في البحرين، وتشهد توترا قلقا في لبنان، وقد تشهد في قادم الأيام ما لا يسرها في العراق

تركيا ترى أنه في حال الإطاحة بالحكومة السورية الحالية فإن أي حكومة سورية جديدة ستكون من دون الطائفة النصيرية (العلوية) أو بتمثيل أقل نفوذا، وهذا يعني أن النفوذ الإيراني في سوريا سيتعرض لضرر كبير، وبدوره سيؤدي ذلك إلى قطع الذراع أو جسر التواصل بين إيران وحزب الله، ولأن هذا النفوذ يعني الكثير لطهران هي مستعدة إذا استدعت الضرورة للتضحية بعلاقاتها الجيدة مع تركيا والدخول بكل قوتها من أجل إنقاذ حليفها الإستراتيجي سوريا، ولا أستبعد أن يكون جزء من أوراق الضغط السورية الإيرانية ستكون عمليات دعم لمقاتلي حزب العمال الكردستاني المحظور وبدعم العمليات التي تهدد أمن تركيا الحدودي وغيرها من الأساليب التكتيكية التي ستمارس من الحدود العراقية والتركية في آن واحد.
 
إيران تشعر حقيقة بصعوبة الموقف الذي وضعها فيه نظام الأسد، فقد خسرت وخلال ما يقارب العام نفوذها المطلق في سوريا، وفشلت محاولاتها في البحرين، وتشهد توترا قلقا في لبنان، وقد تشهد في قادم الأيام ما لا يسرها في العراق الذي يرفض أغلبية شعبه وبشكل مطلق تدخلها بشؤون بلدهم وينبذون حكومتهم الموالية لطهران.

كما أن تركيا أجادت في محاولاتها  لكسر الاصطفاف المذهبي الإيراني، وهذا ما يفسر جزءا من التشدد الإيراني حيالها، ولكن ورغم صعوبة الموقف في سوريا وتأثيرات تداعياته على عموم المنطقة قد تكون الساحة الثالثة للمعركة الفاصلة بين أنقرة وطهران في العراق، حيث تشير الحقائق على الأرض إلى بلوغ الاصطفاف العقائدي بين البلدين ذروته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة