فزاعتا الإرهاب والغرب في مواجهة الثورة الليبية   
الاثنين 30/5/1432 هـ - الموافق 2/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:31 (مكة المكرمة)، 13:31 (غرينتش)


 

هناك فزاعتان يحاصران الثورة الليبية، هما الإرهاب والغرب، وهناك ثلاثة أطراف في ساحة الفعل، هي الثوار والقذافي والمجتمع الدولي.

هناك طرف واحد، وهو الثوار الليبيون، الذي يعاني من هاتين الفزاعتين اللتين أخذتا شكل تهم موجهة إليه وبالتالي فقد وجد نفسه في موضع المتهم الذي يدافع وينفي هاتين التهمتين في مواجهة طرف عدو وهو القذافي وطرف آخر من المفترض أن ليس بينه وبين الثوار عداوة وهو المجتمع الدولي.

أول هذين الطرفين هو القذافي الذي يستخدم الفزاعتين معا، فالقذافي في حربه الإعلامية والسياسية ضد الثوار ليست لديه من الحجج المقنعة على صعيد سياساته الداخلية والتي يمكن أن يستخدمها في مواجهة دوافع الثورة.

"
القذافي هو الطرف الوحيد الذي يحاول الاستفادة من توظيف فزاعتي الإرهاب والغرب رغم ما قد يبدو من تناقض ظاهري بينهما
"
فخلال حكمه الذي قارب حتى الآن اثنين وأربعين عاما لم يقدم فيها لليبيين على الصعيد السياسي سوى المشانق في الميادين العامة والاغتيالات والقمع والسجن والتعذيب والمجازر الجماعية، ولم يتميز هذا الحكم على صعيد الشفافية سوى بالفساد المالي والإداري، مما جعل ليبيا تأتي في آخر قائمة الدول في تقرير منظمة الشفافية العالمية وعلى رأس الدول التي تنتهك فيها حقوق الإنسان والحريات العامة، ولهذا فإنه يتخذ من هاتين الفزاعتين- الغرب والإرهاب- ركيزتين أساسيتين لخطابه السياسي والإعلامي المضاد للثورة.

فالقذافي هو الطرف الوحيد الذي يحاول الاستفادة من توظيف هاتين الفزاعتين رغم ما قد يبدو من تناقض ظاهري بينهما.

يستخدم القذافي فزاعة الغرب في حربه السياسية والإعلامية ضد الثوار على الجبهتين الداخلية والخارجية، فعلى الصعيد الداخلي يدرك القذافي أن الشعب الليبي بما في ذلك الذين لا يتجرؤون على الجهر بأصواتهم، قد ملوا الأطروحات السياسية والاقتصادية التي أُخضعوا لها لأكثر من ثلاثين عاما دون أن ينتج عنها سوى الفساد المالي والإداري والعطل السياسي، ولذا فهو لا يواجه الأطروحات التي ترفعها الثورة كبديل عن نظامه والمتمثلة في الدولة المدنية والحرية السياسية بأطروحاته الفاقدة لكل مبررات استمراريتها في نظر الليبيين ولكنه وجد في فزاعة الغرب ما يمكن أن يستخدمه كسلاح سياسي وإعلامي في مواجهة الثورة داخليا.

فالقرار الأممي المتعلق بحماية المدنيين يجري تنفيذه عمليا من قبل القوى الغربية باستثناء دولتين عربيتين ودولة إسلامية واحدة، الأمر الذي أضفى على هذه الفزاعة ظلالا من الحقيقة تجعل القذافي ينعته بأنه تدخل غربي مستعينا بترسانة من المصطلحات والمفاهيم الوطنية والقومية التي أنتجتها مرحلة الصراع الوطني والقومي مع الاستعمار الغربي وهي لا تنطبق على حالة الشعب الليبي الثائر ضد استعمار القذافي وليس الغرب.

كما حاول أن يقيم مقارنات بين حالات قام فيها الغرب بغزو بلدان عربية وخلف دباباته معارضة جاهزة تم الاتفاق معها مسبقا لاستلام السلطة، وبين الحالة الثورية الليبية التي قامت معتمدة على نفسها وفرضت واقعا حاول الغرب أن يلتحق به وليس العكس، ولكن القذافي المفلس على صعيد الإنجازات المادية والسياسية داخليا وجد في هذه الالتباسات والمقارنات المغلوطة ركيزة لخطابه السياسي والإعلامي الموجه إلى الداخل محاولا تصوير نفسه على أنه زعيم وطني يتصدى لحملة غربية "صليبية" تستهدف الوطن وأن من يقاتلونه من الثائرين عليه ليس لهم من هدف سوى تنفيذ أجندة الغرب.

"
يستخدم القذافي فزاعة الغرب في خطابه السياسي والإعلامي ليقدم ما يجري في ليبيا على أنه غزو غربي تحت مظلة الأمم المتحدة غرضه الإطاحة بالقذافي من أجل احتلال ليبيا
"
على الصعيد الخارجي أيضا يستخدم القذافي فزاعة الغرب في خطابه السياسي والإعلامي الموجه إلى العالم العربي والإسلامي والدولي ليقدم ما يجري في ليبيا على أنه غزو غربي تحت مظلة الأمم المتحدة غرضه الإطاحة بالقذافي من أجل احتلال ليبيا وأنه ليست هناك ثورة شعب ضد نظام بل مؤامرة غربية يشارك فيها من الداخل بعض المغرر بهم.

لا شك أن هذا الخطاب المتكئ على فزاعة الغرب يجد إنصاتا من قبل بعض القوى الدولية التي ترتبط مصالحها ببقاء العقيد القذافي في السلطة وبالتالي فهي تحاول أن تتبنى بعض مفردات هذا الخطاب في المحافل الدولية لخلق مزاج وجدل دولي ينصب على نوايا الغرب وأفعاله بينما تبقى ثورة الشعب الليبي ضد القذافي حدثا هامشيا، وهذا ما يريده القذافي الذي يعلم أن مشكلته الحقيقية هي مع الثوار وليس مع الغرب الذي كان زعماؤه يتقاطرون قبل شهور قليلة على طرابلس.

أما فزاعة الإرهاب فهي حتى الآن أهم أسلحة القذافي في مواجهة الثوار لأن هذا الخطاب يجد آذانا صاغية من قبل دول العالم وخصوصا الدول الغربية المشاركة في تطبيق قرار مجلس الأمن المتعلق بحماية المدنيين، وهذا ما سعى القذافي إلى تحقيقه كنتيجة من خلال توظيفه لهذه الفزاعة في خطابه الموجه إلى الخارج، وقد ساعد القذافي في البداية ضعف الخطاب الإعلامي للثورة وعدم وجود علاقة بين الثوار والعالم الخارجي فاستفرد هو بهذه الساحة ليقدم ما يجري في ليبيا على أنه صراع بين الدولة ومجموعات إرهابية يقودها تنظيم القاعدة.

بل ذهب سيف الإسلام في مؤتمراته إلى التوجه بالنداء إلى الغرب لمساعدته هو ووالده في حربهما على هذا التنظيم الذي أصبح يهدد مصالح الغرب في شمال أفريقيا قبل النظام الليبي، وقد استعان القذافي بالملفات والأسماء والصور التي تحتفظ بها أجهزته الأمنية لأعداد من الجماعة المقاتلة الليبية الذين كانوا في السجون ليقدمها إلى الاستخبارات الغربية كأدلة على صدق ادعاءاته بأن تشكيلات القاعدة هي التي تقود ما يعتبره تمردا مسلحا ضد نظامه الذي يمثل صمام الأمن والاستقرار في الجزء الجنوبي من حوض البحر الأبيض المتوسط بما في ذلك أمن إسرائيل.

لعل فزاعة الإرهاب كانت هي السلاح الأكثر تأثيرا في حرب القذافي الإعلامية ضد الثوار لأنه وجد ذهنية غربية تعاني من فوبيا القاعدة ومهيأة لتصديق تهمة الإرهاب ضد أي طرف إلى أن تثبت براءته وذلك من باب الحيطة والحذر المبالغ فيه من قبل غرب شكاك تسيطر عليه الهواجس والمخاوف تجاه الآخرين.

لقد نجح القذافي حتى الآن من خلال استخدامه لهذه الفزاعة في زرع الشكوك والتردد لدى دوائر صنع القرار في الغرب خصوصا وفي العالم بوجه عام فأدى ذلك إلى نتيجتين سلبيتين لا تزال تعاني منهما الثورة وهما:

1- الاعتراف بالمجلس الانتقالي: فرغم مرور أكثر من شهرين على قيام ثورة السابع عشر من فبراير وتشكيل المجلس الانتقالي، فإن عدد الدول التي اعترفت به حتى الآن لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من بينها دولة عربية واحدة فقط رغم أن معظم دول العالم ومن بينها دول الغرب أعلنت أن القذافي فقد شرعيته، ويبدو أن فزاعة الإرهاب والقاعدة هي من بين الأسباب التي تقف خلف هذا التردد.

والمشكلة في نظري ليست بسبب عدم معرفة هوية أعضاء المجلس بل بسبب الشكوك التي زرعها الخطاب السياسي والإعلامي للقذافي حول هوية قوى الثورة التي تحمل السلاح وتقاتل كتائب القذافي على الأرض، فهؤلاء هم الذين سيكونون المفاوضين الفعليين بعد نجاح الثورة وسيؤثرون في رسم الملامح السياسية لدولة ما بعد الثورة، ولهذا فقد ركزت دعاية القذافي على هؤلاء لزرع بذور الشك وعدم الثقة لدى القوى المتعاطفة مع ثورة الشعب الليبي ضد طغيانه.

لقد تساءل القذافي في لهجة احتقار للثوار قائلا: من أنتم؟ ولم يؤثر هذا السؤال في عزيمة هؤلاء وتصميمهم على إسقاطه عن عرش ألوهيته الموهومة، ولكنه نجح ولو إلى حين في جعل الكثير من القوى الدولية تكرر طرح السؤال نفسه على الثوار بحيث اضطر هؤلاء إلى تكرار الإجابة عنه على مدار أيام الأسبوع إلى الحد الذي جعلهم يملون هذا السؤال الذي بدت إجابته تريد أن تشغلهم عن قضايا أخرى في صراعهم مع القذافي.

"
لعل فزاعة الإرهاب كانت هي السلاح الأكثر تأثيرا في حرب القذافي الإعلامية ضد الثوار لأنه وجد ذهنية غربية تعاني من فوبيا القاعدة
"
2- تسليح الثوار: اضطر القذافي الثوارَ إلى الدفاع عن أنفسهم في مواجهة كتائبه المسلحة التي بلغت ممارساتها الوحشية حدا جعل المجتمع الدولي يتدخل لحماية المدنيين من جرائم إبادة كانت ستتعرض لها المدن المحاصرة من قبل هذه الكتائب، غير أن دفع كتائب القذافي بعيدا عن هذه المدن لا يؤدي إلى إسقاط القذافي، وهو هدف الثورة منذ بدايتها.

كما أن الثوار لا يرضون أن تقوم أية قوة أخرى بهذا العمل نيابة عنهم، ولأنهم لا يمتلكون سلاحا يضاهي ما في ترسانة القذافي من عتاد، فإن ذلك يقتضي ضرورة حصولهم على سلاح لا يقل جودة عن أسلحة كتائب القذافي، ولكنهم وجدوا أنفسهم مرة أخرى أمام إحدى النتائج السلبية لفزاعة الإرهاب التي أطلقها القذافي حيث واجههم السؤال نفسه أينما توجهوا لطلب السلاح، فالكل يتردد ويعرب عن مخاوفه في أن لا تكون ادعاءات القذافي كلها عارية من الصحة.

قد تجد كل من عقدة الاعتراف وعقدة التسليح حلهما قريبا مع الاختفاء التدريجي لفزاعة الإرهاب من الخطاب السياسي الغربي حول الثورة الليبية، بينما ستظل فزاعة الغرب السلاح الذي يشهره القذافي في وجه الثوار طوال ما تبقي من حربه ضد الشعب الليبي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة