فرنسا وحدها!؟   
الجمعة 1434/3/7 هـ - الموافق 18/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:57 (مكة المكرمة)، 11:57 (غرينتش)

في غضون أقل من عامين، نفذت فرنسا ثلاثة تدخلات عسكرية خارجية حاسمة. ففي مارس/آذار 2011 نجحت غاراتها الجوية في ليبيا -إلى جانب غارات بريطانيا العظمى- في إحباط محاولات قوات العقيد معمر القذافي لاستعادة السيطرة على مدينة بنغازي. وبعد شهر، اعتقلت القوات الفرنسية في ساحل العاج الرئيس لوران غباغبو الذي رفض الاعتراف بفوز خصمه في الانتخابات، وعَرَّض البلاد لخطر الحرب الأهلية. والآن تدخلت فرنسا في مالي.

تدخل فرنسا في مالي يهدف إلى عرقلة الإسلاميين وحماية رعاياها في المنطقة، والحفاظ على الاستقرار في منطقة الساحل، ومنع تحوّل مالي إلى قاعدة للإرهاب الإسلامي

كان التدخل الأخير مصمماً في البداية كجزء من بعثة أوروبية لدعم القوات الأفريقية، ولكن فرنسا قررت فجأة التحرك بشكل منفرد لعرقلة تقدم الإسلاميين الذين هددوا باجتياح مدينة موبتي، التي كانت الحاجز الأخير قبل الوصول إلى العاصمة باماكو. وإلى ما هو أبعد من هذا الهدف، تسعى فرنسا إلى حماية رعاياها المقيمين بكثرة في المنطقة، والحفاظ على الاستقرار في منطقة الساحل حيث الدول ضعيفة للغاية، ومنع تحوّل مالي إلى قاعدة للإرهاب الإسلامي الموجه إلى أوروبا.

الواقع أن المخاطر مرتفعة للغاية، خاصة أن التدخل الفرنسي من المرجح أن يكون واسع النطاق. ورغم الهزيمة المؤقتة التي مُني بها الإسلاميون، فإنهم مسلحون تسليحاً جيداً ويتلقون الإمدادات من ليبيا عبر الجزائر، التي قمعت الإسلاميين في الداخل ولكن يبدو أنها تغض الطرف عن مرورهم عبر أراضيها.

فضلاً عن ذلك فإن قدرات الجيش المالي وجيوش دول غرب أفريقيا الأخرى التي يفترض أن تنضم إلى العملية، أضعف من أن تتمكن من تحويل مسار الأمور. ولقد حاولت الولايات المتحدة تدريب الجيش المالي، ولكنها لاقت فشلاً ذريعا.

ولكن لماذا تكون فرنسا هي الدولة الوحيدة المعنية بالأمر، رغم أن أمن أوروبا بالكامل على المحك؟

وفقاً لأحد التفسيرات، نستطيع أن ننظر إلى التدخل الفرنسي باعتباره محاولة استعمارية جديدة لحماية محمية فرنسية، وهو خطأ خطير. ففرنسا لا مصلحة لها في حماية النظام المالي الذي تعرف عنه أنه فاسد وعاجز، بل إن فرنسا رفضت مؤخرا دعم طلب من نظام الرئيس فرانسوا بوزيزيه في جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة للمساعدة في التعامل مع متمردين.

الواقع أن دوافع فرنسا أوسع نطاقا. فبشكل خاص، كانت فرنسا تنظر دوماً إلى المنطقة الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا والعالم العربي باعتبارها مجالاً طبيعياً للنفوذ السياسي والإستراتيجي الذي يشكل ضرورة أساسية للحفاظ على مكانتها كقوة عالمية.

والتفسير الثاني أكثر مصداقية، ذلك أن فرنسا -علاوة على بريطانيا العظمى- تُعَد القوة العسكرية الحقيقية الوحيدة في أوروبا، وهي تعتقد بأن القدرة العسكرية العملياتية شرط من شروط القوة، وهو الرأي الذي لا تشاركها فيه الأغلبية الساحقة من الدول الأوروبية التي تستمر في إبداء نفور جماعي من الحرب.

لا شك أن أوروبا لديها الوسائل الكفيلة بتمكينها من العمل المشترك، ففي عام 2003 وفي أعقاب بداية حرب العراق، تبنت أوروبا الإستراتيجية التي أعدها خافيير سولانا الذي كان يشغل آنذاك منصب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة في الاتحاد الأوروبي. ولكن بينما صدَّق عدد كبير من الأوروبيين بسذاجة أن ذلك كان مقدمة لإستراتيجية أوروبية مشتركة، كانت صياغة الاقتراح في كلمات ومصطلحات غامضة بحيث تسمح بأي نتيجة أو لا نتيجة على الإطلاق.

وتتحدث معاهدة لشبونة للاتحاد الأوروبي عن "التعاون المنظم الدائم" في السياسة الأمنية والدفاعية، هذا فضلاً عن وجود جهاز مؤسسي كامل يتألف من لجان سياسية وعسكرية، وتتلخص مهمته في توقع العمليات العسكرية والإعداد لها وتنفيذها على المستوى الأوروبي. ولكن هذه الآلية تفتقر إلى الإرادة السياسية المشتركة اللازمة لتفعليها، وكلما قل استخدامها تضاءلت صلاحيتها للتطبيق.

الذين يريدون قدرة دفاعية أوروبية مشتركة يفتقرون إلى الوسيلة اللازمة لتحقيقها، في حين لا يريدها أولئك الذين يمتلكون الوسيلة لتحقيقها (ربما باستثناء فرنسا)

وأثناء الأزمة الليبية، سعت كاثرين آشتون خليفة سولانا عامدة إلى تقليص دور الاتحاد الأوروبي بحيث لا يتجاوز دور منظمة غير حكومية كبرى تركز على المساعدات الإنسانية والتنمية الاقتصادية. ومؤخرا أثناء التصويت على التمثيل الفلسطيني في الأمم المتحدة، دعا الاتحاد أعضاءه إلى الامتناع عن التصويت، وهي وسيلة غريبة لتأكيد التزام أوروبا بالزعامة العالمية.

وبالنسبة لبريطانيا العظمى، فإن الدفاع على نطاق أوروبا بالكامل ليس بالهدف الذي قد يكتب له النجاح. ولم تنحرف بريطانيا عن هذا المبدأ إلا مرة واحدة، عندما وافقت على المشاركة في عملية أتلانتا لمكافحة القرصنة قبالة القرن الأفريقي, ولعل موافقتها كانت راجعة إلى تكليفها بقيادة العملية.

ونتيجة لهذا فإن هؤلاء الذين يريدون قدرة دفاعية أوروبية مشتركة يفتقرون إلى الوسيلة اللازمة لتحقيقها، في حين لا يريدها أولئك الذين يمتلكون الوسيلة لتحقيقها (ربما باستثناء فرنسا).

والواقع أن التعاون الثنائي بين بريطانيا وفرنسا -الذي برز أثناء الأزمة الليبية- قد يكون في بعض الأحيان قوياً للغاية. ولكن رغم معاهدة 2010 للتعاون الدفاعي والأمني بين البلدين، قرر البريطانيون -لأسباب تتعلق بالميزانية- الحصول على طائرات غير متوافقة مع حاملات الطائرات الفرنسية.

وحتى إسبانيا وإيطاليا -رغم كونهما الدولتين الأكثر تضرراً بالتطورات في منطقة البحر الأبيض المتوسط والساحل- خفضا من إنفاقهما العسكري إلى حد كبير. وعلى النقيض من ألمانيا، فقد شاركت كلتا الدولتين في التدخل الليبي، ولكن في ظل قواعد بالغة التقييد لقواتهما في حالة الاشتباك. على سبيل المثال، صدرت الأوامر إلى القوات البحرية الإيطالية بتجنب المياه قبالة سواحل طرابلس، ومُنِعَت الطائرات الإسبانية للتزود بالوقود من إعادة تموين الطائرات النفاثة المقاتلة.

وفي الوقت الحالي، تخصص أوروبا ككل 1.6% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، مقارنة بنحو 4.8% في الولايات المتحدة. وأوروبا هي المنطقة الوحيدة من العالم التي يتقلص فيها الإنفاق العسكري. والقوات الأوروبية المنتشرة صغيرة للغاية، ولا تمثل سوى 4% من كل الأفراد العسكريين على مستوى العالم، في مقابل 14% بالنسبة للولايات المتحدة. وحتى التعاون الصناعي الذي قد يمثل أصلاً اقتصادياً وعسكريا، يعاني من الضعف أيضا، كما أظهرت معارضة ألمانيا الناجحة لاقتراح الاندماج بين شركة الفضاء والدفاع الجوي الأوروبية وأنظمة بي.أي.إي البريطانية، والذي ألغي رسمياً في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
 
ألمانيا الآن تحجم عن أي احتمال للتدخل العسكري، رغم أنها لا تزال ثالث أكبر دولة مصدرة للسلاح على مستوى العالم
ويبدو أن ألمانيا تبنت سياسة أكثر قوة منذ مشاركتها في العمليات العسكرية بأفغانستان. ولكنها الآن تحجم عن أي احتمال للتدخل العسكري، رغم أنها لا تزال ثالث أكبر دولة مصدرة للسلاح على مستوى العالم.

إن أوروبا غير راغبة في تطوير قوة عسكرية كبيرة لأن المشروع الأوروبي تأسس على معارضة فكرة القوة، غير أن الدفاع عن هذا الموقف بات متعذراً إلى حد كبير. ذلك أن أوروبا تواجه تهديدات حقيقية، ولا قِبَل لفرنسا وحدها باحتواء هذه التهديدات. وعلاوة على ذلك، فقد أصبح النظام الدولي متوحداً بشكل متزايد حول القوى الوطنية التي تعتبر القوة العسكرية شرطاً أساسياً للنفوذ. ولا تواجه أوروبا الآن الاختيار بين القوة الناعمة والقوة الصارمة، بل يتعين عليها أن تجمع بين القوتين إذا كان لها أن تظل باقية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة