إسرائيل في الطريق المسدود   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: د.برهان غليون*

من الواضح لكل من يتابع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون أنه لم يتعلم شيئا مما حصل في السنتين الماضيتين في فلسطين ولم ينس شيئا أيضا من سلوك المستعمرين التقليدي، إنه مستمر في التفكير في تلقين الشعب الفلسطيني دروسا في العنصرية والغطرسة والاستهزاء.


إن إسرائيل لم تكن ضعيفة إستراتيجيا في أي حقبة ماضية كما هي ضعيفة الآن ولم تبد صغيرة وضيئلة وعاجزة كما بدت بعد خروجها من المواجهة مع شباب الضفة الغربية
ورغم كل التفاهمات العربية الأميركية والأميركية الإسرائيلية التي تفترض توقف عمليات التوغل العسكرية في المدن والقرى الفلسطينية والسعي لخلق مناخ يسمح باستعادة المفاوضات السياسية التي تهدف كما عبر عن ذلك الأميركيون والأوربيون والروس والأمم المتحدة معا إلى إقامة دولة فلسطينية، لا تزال قوات الاحتلال تتصرف بمطلق الحرية في جميع أراضي الضفة الغربية وغزة ولا يزال رئيس الوزراء الاسرائيلي يطلق التصريحات كما لو كان المقرر الأول لمصير الشعب الفلسطيني. هذا إذا اعترف بوجود هذا الشعب أصلا أو فكر ولو لدقيقة بمصيره.

وما إن نجح الوسطاء بايجاد حل للحصار الذي كان الجيش الإسرائيلي قد فرضه على كنيسة المهد وعلى الرئيس عرفات والذي كان يؤجج مشاعر الرأي العام الدولي ويدفع الدبلوماسية المتعددة الأطراف للحركة والنشاط حتى غير شارون من شروطه للدخول في مفاوضات سياسية مع الفلسطينيين. وبعد أن كان يطالب في سبيل البدء بهذه المفاوضات بوقف إطلاق النار والإدانة العلنية العربية والفلسطينية للعنف -وهو ما قدمه له العرب على سبيل الخروج من المأزق- حتى بدأ يفرض مطالب جديدة، فهو لا يقبل اليوم بالبدء بمثل هذه المفاوضات قبل أن تقوم السلطة الفلسطينية بإصلاحات جذرية بل بتنحية رئيسها ياسر عرفات.

والواقع أن الفلسطينيين والعرب قد تعودوا منذ فترة طويلة على العقلية التي تحكم قيادات إسرائيل من أي فريق كانوا ولأي عقيدة سياسية انتموا. فما إن يقبل العرب بالقيام بالتنازلات التي تفرضها عليهم الدبلوماسية العالمية الوسيطة لتشجيع إسرائيل على التقدم خطوة إلى الأمام في اتجاه التسوية حتى ترفع القيادة الإسرائيلية من مستوى طلباتها وطموحاتها، أي حتى ترد على التنازلات العربية بتصعيد سريع عسكري أو سياسي، وفي الأشهر القليلة الماضية وحدها من الأمثلة ما يعكس تماما هذه العقلية، فقد ردت الحكومة الإسرائيلية على مبادرة قمة بيروت العربية للسلام باجتياح مدن وقرى الضفة الغربية عسكريا وارتكاب مجازر أكد وجودها رفض تل أبيب القاطع مشروع الأمين العام للأمم المتحدة بإرسال لجنة تقصي حقائق إلى منطقة المذابح في جنين.


إسرائيل ترد الآن على قبول الفلسطينيين بوقف العمليات الفدائية وإعلان العرب إدانتهم الكلية للعنف بفرض إرادتها على الفلسطينيين وإملاء نموذج الإصلاحات السياسية التي ينبغي عليهم القيام بها بدل أن تسحب جيوشها من الأراضي الفلسطينية
وإسرائيل ترد الآن على قبول الفلسطينيين بوقف العمليات الفدائية وإعلان العرب إدانتهم الكلية للعنف بفرض إرادتها على الفلسطينيين وإملاء نموذج الإصلاحات السياسية التي ينبغي عليهم القيام بها بدل أن تسحب جيوشها من الأراضي الفلسطينية. وحسنا فعل الزعيم الفلسطيني عندما رفض تنظيم انتخابات تشريعية أو رئاسية تحت تهديد السلاح وبوجود القوات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

ومن الواضح أن ما يريده شارون من سياسة الإملاء الفجة والبليدة هذه هو تغذية الوهم لدى الرأي العام الإسرائيلي بالانتصار على الفلسطينيين وبالتالي الإيحاء للرأي العام العربي والفلسطيني بتكبد هزيمة عسكرية وسياسية في المقابل. وينسجم هذا مع مخططات رئيس الوزراء الإسرائيلي التي ترمي إلى كسب الوقت للتمكن من ابتلاع الأرض الفلسطينية وتوسيع رقعة المستوطنات وليس التوصل إلى تسوية سياسية أو تحقيق الأمن والسلام لإسرائيل نفسها ومن باب أولى للشعب الفلسطيني.

لكن الحكومة الإسرائيلية ليست وحدها التي تبدي مثل هذا التحول عن الاتجاه الأصلي وإنما الولايات المتحدة وبعض الدول العربية أيضا. وهكذا فإن الفلسطينيين، الذين قبلوا على مضض إلقاء السلاح مؤقتا في سبيل المساهمة في الخروج من الأزمة الأخيرة التي أثارها الهجوم العسكري الإسرائيلي بناء على التأكيد على أن إقامة الدولة الفلسطينية التي أقرت بها الإدارة الأميركية نفسها وصوتت على قرار مجلس الأمن المتعلق بها قد أصبح البند الأول في جدول الأعمال الإقليمي، يكتشفون اليوم من التصريحات الإسرائيلية والأميركية ترتيبا جديدا لجدول الأعمال يتصدره بند إصلاح الوضع الفلسطيني الداخلي، مما يعني إعطاء إسرائيل فرصة جديدة للمماطلة وذريعة استثنائية لتأجيل الدخول في مفاوضات سياسية جدية تقود إلى قيام الدولة الفلسطينية بأسرع وقت. ومما يعزز هذا الخوف تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي حول حل تدريجي وجزئي يعود بذاكرتنا إلى المفاوضات المأساوية التي عرفناها في إطار مؤتمر مدريد.

يخلف هذا السلوك الإسرائيلي شعورا عميقا بالمرارة وخيبة الأمل لدى العرب جميعا والفلسطينيين بشكل خاص. فهو يوحي بأن الجهود والتضحيات الهائلة التي يقدمها العرب وبصرف النظر عن الوسائل التي يستخدمونها والأساليب السلمية أو العسكرية التي يلجؤون إليها تظل غير قادرة على إحداث تغيير ذي معنى في الواقع الجيوسياسي والإستراتيجي الفظ، وأنه كلما اعتقدنا أننا قد اقتربنا من الهدف الرئيسي وهو التخلص من الاحتلال ونيل الاستقلال والحرية نجد أنفسنا في الواقع أكثر بعدا عنه من أي فترة أخرى. ويكاد يخامر الرأي العام العربي الشك في أن هناك جدوى لأي عمل سياسي أو دبلوماسي وأنه ليس من الممكن التوصل إلى أي تفاهم مع إسرائيل، وأن الحل الوحيد الذي ينفع معها هو توفير ما ينبغي من القوة وروح التضحية والاستشهاد حتى يتم القضاء عليها تماما.


يكاد يخامر الرأي العام العربي الشك في أن هناك جدوى لأي عمل سياسي أو دبلوماسي وأنه ليس من الممكن التوصل إلى أي تفاهم مع إسرائيل، وأن الحل الوحيد الذي ينفع معها هو توفير ما ينبغي من القوة وروح التضحية والاستشهاد حتى يتم القضاء عليها تماما
فإذا أخفقت المجموعة الدولية هذه المرة أيضا في استثمار الأزمة الراهنة من أجل بناء دولة فلسطينية حرة ومستقلة والاستجابة للحد الأدنى من المطالب العربية، فلا ينبغي أن يخامرنا أي شك في أن نمط العمليات الاستشهادية الذي طورته انتفاضة الأقصى في السنة الماضية والذي زعزع إرادة البقاء، رغم كل المظاهر الإسرائيلية الخادعة الأخرى، عند المجتمع الإسرائيلي وأرعب المجتمعات الصناعية سوف يعود من جديد أقوى وأكثر شدة مما عرفناه هذه المرة. ولن تقتصر ممارسته على الفلسطينيين ولكنه سيدفع قسما كبيرا من الشباب العربي اليائس إلى الانخراط الطوعي فيه ليجعل من الكفاح لإزالة إسرائيل القضية الأساسية الجامعة والمثيرة للحماسة، بل المشروع التاريخي لجيل ساهم باستمرار النزاع العربي الإسرائيلي خلال نصف القرن الماضي بقسط كبير في إذلاله وتهميشه السياسي ودماره النفسي وإفقاره المادي.

ليس هناك أي داع للشعور باليأس ولا للتشكيك بالانتصار المعنوي والسياسي الذي حققته الانتفاضة في الأشهر الماضية. فرغم كل الانتكاسات اكتشف العرب خلال الانتفاضة الأخيرة -والفلسطينيون في مقدمهم- الوسيلة التي يستطيعون بها إرعاب إسرائيل في المستقبل والقيمة التكتيكية الاستثنائية للعمليات الاستشهادية، ولن يكون بإمكان أحد أن ينسيهم تلك التجربة الحماسية حتى لو اضطرتهم الضغوط السياسية الدولية الراهنة ومتطلبات المناورة السياسية الفلسطينية إلى إدانة العنف أو التجميد المؤقت لهذه العلميات، فلا تمحو القرارات -مهما كانت الجهة التي أصدرتها- عمق التجربة الإنسانية.

ورغم كل التصريحات العنجهية واستعراضات القوة وسياسة الإملاء اللئيمة التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية اليمينية لم تحقق إسرائيل أي انتصار عسكري ومن باب أولى سياسي. لقد قضت بالفعل على البنية التحيتة وأهدرت أرواح مئات بل آلاف الأشخاص واعتقلت آلاف الشباب لكنها لم تحل بذلك مشكلتها الأساسية التي أرادت أن تكون أمنية ولا غيرت من نظرة الشعوب العربية إليها وإلى مغزى وجودها ولكنها بالعكس أساءت إساءة عميقة لسمعتها الدولية وضحت بقسط كبير من رصيدها الاستثنائي الذي لا تزال تستخدمه للتغطية على انتهاكاتها الصارخة لحقوق الإنسان وتجنيبها الخضوع للقانون والأخلاق الدولية، أعني كونها الممثل التاريخي للشعب المضهد والمنكوب، فصارت اليوم دولة مثلها مثل الدول الأخرى قادرة في ذهن الرأي العام الدولي على ارتكاب جرائم وممارسة أعمال عنف وإرهاب وقتل ربما تفوق في وحشيتها ممارسة الدول الأخرى.

وبالرغم من استمرار إسرائيل في التوغل في الأراضي الفلسطينية واعتداءاتها المتكررة على المواطنين الفلسطينيين فإنها لم تفرض ولن تستطيع أن تفرض هيبتها كما تعتقد ولا أن تديم أثر إرهابها. بل يمكن القول إن الحرب التي دارت في الأشهر القليلة الماضية بين المناضلين الفلسطينيين المفتقرين للسلاح ولكل وسائل القوة العسكرية والمادية قد كسرت وهم القوة العسكرية الإسرائيلية وأعطت للعرب ولأول مرة الشعور بأن التفوق العسكري الإسرائيلي لا يشكل بأي شكل حائلا أمام مواجهة إسرائيل وتكبيدها خسائر كبيرة بل الانتصار عليها سواء امتلكت القنبلة النووية أم لم تمتلكها.

إن إسرائيل لم تكن ضعيفة إستراتيجيا في أي حقبة ماضية كما هي ضعيفة الآن، ولم تبد صغيرة وضيئلة وعاجزة كما بدت بعد خروجها من المواجهة مع شباب الضفة الغربية. وهذا هو الذي يفسر التعبئة الشاملة التي تقوم بها المنظمات الصهيونية في العالم والتي تبنيها على شعار تصاعد العداء للسامية والتهديد المصيري لدولة إسرائيل. إن سياسات شارون العدوانية تقود لا محالة إلى عكس ما تهدف إليه أو تدعي خدمته من أهداف.

بالتأكيد لا يعني هذا أن المقاومة الفلسطينية كانت في أحسن حالة ولا أن جميع اختياراتها كانت صائبة ولا ينبغي ان يمنعنا إدراك ما حققناه من مكاسب من وجهة نظر الحرب الطويلة التي هي مصيرنا مع هذا النوع من الدول الاستثنائية والمدعومة بهالة من القداسة في أوروبا وعند أكبر قوة عالمية اليوم -أعني الولايات المتحدة الاميركية- أن نشير إلى الأخطاء ونصحح مسيرة النضال التاريخي الفلسطيني والعربي. ولكن المقصود هو أن هذه الأخطاء والمثالب الموجودة بالفعل والتي ينبغي مناقشتها بصراحة وحرية وتغييرها لا ينبغي أيضا أن تنسينا النتائج المهمة التي حققها الكفاح البطولي والباسل للشباب الفلسطيني في جنين وغيرها من المدن الفلسطينية ولا أن يمنعنا من أن نتمثل الدروس الإيجابية والمهمة التي هي ثروتنا الحقيقية أو يجب أن تكون ثروتنا الحقيقية في هذه المواجهة الطويلة مع قوة العدوان الإسرائيلية الأميركية.


إن الحرب التي دارت في الأشهر القليلة الماضية بين المناضلين الفلسطينيين المفتقرين للسلاح قد كسرت وهم القوة العسكرية الإسرائيلية وأعطت للعرب ولأول مرة الشعور بأن التفوق العسكري الإسرائيلي لا يشكل بأي شكل حائلا أمام مواجهة إسرائيل وتكبيدها خسائر كبيرة بل الانتصار عليها
ينبغي أن نعمل على دفع عجلة الإصلاح وأن نحقق البرنامج الإصلاحي الذي تقود إلى بلورته النقاشات الفلسطينية الفلسطينية والعربية الحرة والموضوعية برمته، لكن يبنغي أن نقوم بذلك من منطلق وتحت تأثير روح الشعور بالإنجاز إن لم يكن بالانتصار

  • الإنجاز أولا لأننا تجرأنا على مواجهة العدو الغاشم وقبلنا بالتضحيات الأكثر قدسية لدفعه عن مواقعه وإكراهه على أن يكشف عن حقيقته.
  • والإنجاز ثانيا بسبب ما حققناه من الانتصار على النفس والتغلب على الخوف والشك أي بسبب استعادة الثقة التي تفسر وحدها وتبرر قيامنا من دون خوف بنقدنا الذاتي واستعدادنا للاعتراف بأخطائنا وإصلاح أسلوب عملنا. ولا يتجرأ على ذلك إلا المجتمع الذي يشعر أن لديه من القوة السياسية والمعنوية ما يمكنه من أن يعيد النظر في سلوكه من دون أن يتعرض لخطر اليأس أو النزاع الداخلي أو الانقسام.
  • والإنجاز ثالثا بإعادة أمل الأجيال الفلسطينية والعربية بالمستقبل, حتى لو كان هذا الأمل لا يلغي الاعتقاد الصحيح بأن بناء هذا المستقبل لا يزال يحتاج إلى جهود طويلة ومتواصلة.

إسرائيل هي التي توجد اليوم في الطريق المسدود وتدرك في الوقت نفسه محدودية خياراتها بالمقابل تتقدم المسيرة الفلسطينية خطوات، ولو كانت خطوات صغيرة لكنها مهمة على طريق فرض عدالة قضيتها على العالم، بما في ذلك على العالم اليهودي نفسه في إسرائيل وخارجها. ولا يغير في هذه الحقيقة التصريحات الطنانة والغطرسة الجوفاء لقيادة إسرائيلية امتهنت الكذب والغش والخديعة منذ قيامها لا تعرف سوى إنكار الآخر ولا تستمر إلا من خلال الكذب على شعبه وغباء قياداتها مصرة على إنكار ذلك وعلى عقلية الإملاء والرفض والتشفي من القتلى والشهداء. بل هي منهزمة لهذا السبب بالذات.

_______________
*أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة