مشاهد من وراء خطوط النار   
الثلاثاء 1430/1/10 هـ - الموافق 6/1/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:19 (مكة المكرمة)، 12:19 (غرينتش)

مشاهد من وراء خطوط النار

المشهد الأول
رجل ملقى على الأرض، دماء تسيل، عينان تحدقان بعيدا، سبابة تشير إلى السماء، شفتان تتحركان ببطء.. انخفض صوت التلفاز، توقفت الصورة ونزل ستار أسود على المكان، المشهد أصبح بدون ألوان، تهم ترفعها سبابة، نخال أننا نسمع حديثا يشتم منه رائحة الاتهام.. أين أنتم يا شعوب الأرض؟، أين أنتم يا حكام العرب؟، أين أنت يا حقوق الإنسان؟

"
تساؤلات تسترسل دون إعياء دون صخب.. نحن وحيدون في وطننا، نحن مظلومون في حيّنا وفي قريتنا، لن نتهم السماء وقد كانت لحافنا، ولن نتهم الأرض وقد كانت فراشنا، ولكن نرفع سبابتنا نحوكم أنتم
"
تساؤلات تسترسل دون إعياء دون صخب.. نحن وحيدون في وطننا، نحن مظلومون في حيّنا وفي قريتنا، لن نتهم السماء وقد كانت لحافنا، ولن نتهم الأرض وقد كانت فراشنا، ولكن نرفع سبابتنا نحوكم أنتم.. يا من تعيشون على ظهرها وقد نسيتم يوما أن لكم إخوة في الدين أو في العروبة أو في الوطن أو في الإنسانية، يعيشون حصارا مميتا قاتلا، حتى أكلنا علف الحيوان، إني أتهم إني أتهم.

عاد الصوت إلى التلفاز كانت السبابة لا تزال مرفوعة إلى السماء ولا تزال الشفتان ترتعشان.. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.. شهادة على العصر، شهادة لله.. كنت في واد وكان الرجل في واد، كان يعلن اقترابه من الملكوت الأعلى وكنت لا أزال أنظر إلى هذه الدنيا بصخبها وشططها، كان يعلن إفلاس مجتمع الأرض وفرحته بلقاء السماء، كان يعلن أن مهمته لعلها انتهت وبقيت مهمتنا معلقة بين الأرض والسماء.

المشهد الثاني
امرأة عجوز تصيح، تولول، بين عشرات من النساء.. يحملن لافتات ويتظاهرن من أجل غزة، في رقعة طيبة من هذا الوطن العربي العزيز.. رفعت عقيرتها ودفعت أيديها إلى الأرض وإلى السماء.. أين أنتم يا عرب؟ أين أنتم يا عرب؟ ولم تتوقف.. كان سؤال الزلزلة، سؤال المسؤولية، سؤال حكومة الضمير، سؤالا يترك الحليم حيران. كدت أجيب: أنا هنا، أنا.. الشعب العربي الأصيل، أنا التاريخ في حضارته، أنا الأجداد في "معتصمه".. لكني تراجعت!

أنا الفرد أنا الجماعة، أنا الجماهير المضروبة على يديها تعيش الكهوف والدهاليز، ولا يسمح لها برؤية الشمس، فكيف لها برؤية غزة وهي وراء السحب وتلفها العواصف والظلمات؟ أدركني حبل نجاة أو هكذا يخيّل إليّ، أين أنتم يا عرب، نداء موجه إلى النظام الرسمي العربي وهو يغط في نومه، في أحلامه، وإذا أفاق فعلى عجز ويأس وخوف، وعلى حسابات معقدة يغلب في الكثير منها مصالح الشخص والأسرة والحاشية على حساب مصلحة الأمة والأوطان.

المشهد الثالث
"
أهالي غزة يترقبون الموت ويقرؤون الشهادة عندما ينتصف الليل.. السماء تشتعل ليلا من قبل مغاوير على متن طائرات نفاثة يرتعون حيث لا رقيب.. رعب في الأرض وتوترات وخوف يجتمع عليه نساء وأطفال
"
أهالي غزة يترقبون الموت ويقرؤون الشهادة عندما ينتصف الليل.. السماء تشتعل ليلا من قبل مغاوير على متن طائرات نفاثة يرتعون حيث لا رقيب.. رعب في الأرض وتوترات وخوف يجتمع عليه نساء وأطفال، أمّ تقرأ الشهادة وتضم ابنها إلى صدرها، لعلها إن ماتت تكون مع رضيعها، وهي تلقنه الشهادة، حتى إذا مات كان مسلما حنيفا، ولعله يشفع في أمه وأبيه.. ولعله يشفع في أمة امتد كيانها من الخليج إلى المحيط!

طفل يجذب الغطاء نحو وجهه كلما اقترب أزيز الطائرات من حواليه، ينظر إلى أمه تارة وإلى صورة معلقة على الجدار تارة أخرى، كُتب عليها القدس لنا، فلسطين لنا بأرضها وسمائها.. وإن كانت السماء هذه الليلة ملكا لقوم غير قومه، ناصبوه العداء لأنهم أرادوا إقناع آبائه بأنهم شعب بدون أرض جاؤوا لأرض بدون شعب! فكان الصغير يتلمس أطرافه ليتبين أنه حي، يفترش هذه الأرض كما افترشها أجداده منذ آلاف السنين، غير أنه اختلف عنهم أن أرض الأجداد كانت صلبة وأرضه اليوم ترتجف!

المشهد الرابع
أسرة أمام النار، أمّ أحضرت ملابس أطفالها القديمة وأحرقتها حتى يتدفأ الصغار وتطبخ لهم ما تجد لسد الرمق.. تنفخ في الرماد وتبعد أبناءها قليلا حتى إذا تطاير الشرر لا يصيبهم، فهي بين بين، تدفعهم نحو النار في هذه الليلة القارسة حتى لا يموتوا بردًا، وتبعدهم حتى لا تصيبهم النار.. لحظة رحمة في عالم من الوحوش!

تذكرت عمر رضي الله عنه.. نفس المشهد، أم مع أولادها حول النار، أكل يُطبخ.. صغار يبكون خوفا وطمعا، أم تطمئن فلذات الأكباد ولا تجد من يطمئنها.. تأخر عمر هذه الليلة، لم يمرّ كعادته بخيمة أهل غزة، عوّدنا بالكيس الذي يحمله على ظهره استرضاء لأبناء شعبه.. عوّدنا بالأمن الذي لمس الصغار والكبار، والفقير والغني في عهده.. سلّم عمر مفاتيح الزيارة إلى أحفاده، لكن الأحفاد غابوا ولا أثر لهم، غاب الحكام عن الزيارة وبقي الإناء على النار والأطفال يرون ثيابهم تحترق بعدما احترقت قلوبهم انتظارا لحفيد لم يأت.

المشهد الخامس
أمّ تفارق الحياة.. تمسح على وجه صبيها القابع إلى جنبها.. الابن يمسك بيد أمه.. أيدي الجميع ملطخة بالدماء، كذلك وجهاهما، بعد أن قصفت الصواريخ الكبيرة بيتهم الصغير ومرت عقبان جهنم من هنا.. لحظة يجثو فيها التاريخ على ركبتيه، يبحث عن حرف، عن جملة تعبر عن الصورة.. عجزت الحروف، تمايلت وانسحبت، والعقل توقف عن التفكير، ولم يبق غير الوجدان ينبض، ودمعات حارة تواكب الحدث.. عن بعد!

أردت أن أعيش إحساس هذه الأم في هذه اللحظة وهي عاجزة، تفارق طفلها.. فعجزت وارتعش القلم! أردت أن أعيش إحساس هذا الصبي الصغير وهو يرى يد أمه تتنصل من قبضته وتسقط على صدرها جثة هامدة، بينما تبقى عيناها تحدقان في ابنها والروح تغادرها، وكأنها لا تريد رؤية غيره وتستجدي القدر وهي تفارق هذه الدنيا الفانية.

حضر الإنسان وغابت الإنسانية ودخل البعض من البشر الأدغال والغابات، وكشّر عن أنيابه يغالب الحيوان وحشيته، وهو يدّعي حمله لكتاب مقدس ومواثيق حقوق الإنسان، ويزعم العيش في واحة من الديمقراطية والإنسانية في وسط محيط من الظلام!

المشهد السادس
"
عجبا لأسرة طيبة قدمت 11 شهيدا لم يرد الله فصلها عن بعضها، أراد لهم الاجتماع عنده، كلهم الصغير والكبير، الشيخ والرضيع، يجب ألا يتخلف أحد فالكل مدعو إلى مائدة الرحمن والدعوة عامة لهذه الأسرة!
"
قالوا له لا تبق في بيتك وبين أسرتك، فالعدو لك بالمرصاد، لكنه رفض وعاد إلى منزله تحديا.. وسقط البيت عليه وعلى أهله.. كل أهله، النساء والأطفال، أكثر من 11 شهيدا ولم يبق أحد! صعد الجميع إلى السماء.. سألت نفسي عجبا لهذه الأسرة الطيبة، لم يرد الله فصلها عن بعضها، أراد لهم الاجتماع عنده، كلهم الصغير والكبير، الشيخ والرضيع، يجب ألا يتخلف أحد فالكل مدعو إلى مائدة الرحمن والدعوة عامة لهذه الأسرة!

تخيلت الجميع وهم يفتحون عيونهم حيث اللازمان واللامكان واللاكيف.. ولكن هناك.. حيث رضا الله وغفرانه ورحمته ومحبته.. لحظة فارقة سبقت وصول الصاروخ إلى المنزل، كان البيت وكانت الأسرة وكانت طائرات في السماء وكان ظلم العباد.. ثم لحظة بعدها، ومضة في حياة الكون أو لا شيء.. نفس الأسرة نفس الوجوه ولكن تغير البيت وتغيرت الوجوه وتغير المحيط.. عرش الرحمن، ورضا الرحمن وفردوس الرحمن! عجبا لهذه الدنيا كم هي تصغر عند الكبار وتكبر عند الصغار، لحظات تحدد مصير فرد وأسرة وجماعة وحضارات، تبني هنا وتبني هناك!

المشهد السابع
الثلاجات الموجودة داخل المستشفيات أصبحت لا تكفي هذا السيل الجارف من الشهداء.. ذهبت توا إلى ثلاجتي، فتحتها ونظرت وجدتها ملأى أكلا وشربا ونعيما! حتى ثلاجتهم تقاوم وثلاجتنا تكاد تنفجر تخمة وإسرافا.. بين الثلاجتين خندق وفي الثلاجتين تعبير عن حالة أمة ومآسيها! ليست دعوة إلى إغلاق الثلاجات أو إفراغها بل إلى ملئها وملء كل فراغ في حياتنا غضبا وهما ورفضا ووقوفا دائما، ولا تخافوا فلن تتعفن الحاجات.

يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم وجاره جائع.." وغزة ليست جارنا ولكن من أهلنا، غزة ملأت ثلاجاتها شهداء وتعيش الجوع والعزلة والوحدة والعراء.. وبقيت السماء! السماء الأولى اغتصبتها أيد جائرة ورتعت فيها كما تريد ولكن رب السماء الأولى والثانية حتى السابعة لم يغب "وما كان ربك نسيا" بقية من إيمان نحملها على أكتافنا بهذا العدل الإلهي القادم لا محالة وإن تعجلته فطرتنا.

ذلك العدل الذي يؤمن به أهلنا في غزة أكثر من إيمان القاصر في مثل هذه الأحوال، الملامس عند البعض للتواكل واليأس. ولولا هذا الإيمان بعدالة السماء، لحملوا الرايات البيض وزحفوا صغارا وكبارا نحو منازل الذل والهوان!

المشهد الثامن
"
ما زلنا نتعلق بتلابيب وعود كاذبة، ما زلنا نراهن على الغش والاحتيال وعلى الكيل بميزانين، ما زلنا نجمع زادنا وجعابنا ونستقبل قبلة غير قبلتنا، ونتوجه غاضبين مستسلمين حائرين نحو بيوت ما زلنا نعتبرها بِيضًا والبياض منها براء.. وهنا المفاجأة!

"
الإدارة الأميركية ترفض وقف إطلاق النار.. هذه ليست مفاجأة، ولكنها وصمة عار!

الإدارة الأميركية تطلب من الضحية رفع الراية البيضاء والكف عن العدوان.. ليست مفاجأة، ولكنها قلة حياء!

الإدارة الأميركية تطالب المجني عليه بطلب المغفرة من الجاني والاستغفار عن ذنبه والتوبة النصوح.. ليست مفاجأة ولكننا شعب كثير النسيان!

المفاجأة، أننا ما زلنا نؤمن بأن الذئاب أصبحت خرفانا، ما زلنا نتعلق بتلابيب وعود كاذبة، ما زلنا نراهن على الغش والاحتيال وعلى الكيل بميزانين، ما زلنا نجمع زادنا وجعابنا ونستقبل قبلة غير قبلتنا، ونتوجه غاضبين مستسلمين حائرين نحو بيوت ما زلنا نعتبرها بيضًا والبياض منها براء.. وهنا المفاجأة!

عجز ويأس وإحباط وتذلل، كأننا لقطاء، كأننا أمة استجداء بلا تاريخ ولا حضارة، أمة بلا حاضر وبلا ثروات، أمة بدون مستقبل سوى مستقبل الهوان والعدم! والحل ها هنا الحل ها هنا صبر وثبات ووحدة حاضر ووحدة مصير!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة