المصالحة ومأزق حماس والسلطة والقضية   
الاثنين 12/6/1429 هـ - الموافق 16/6/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:39 (مكة المكرمة)، 11:39 (غرينتش)

كثيرة هي الأسباب التي تدفعنا إلى عدم التفاؤل بمشروع الحوار والمصالحة الذي أطلقه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، من بينها أسباب شكلية وأخرى جوهرية تتعلق بالقواعد التي ستتم على أساسها المصالحة بين قطبي المشروع الوطني في الساحة الفلسطينية (فتح وحماس).

من بين الأسباب الشكلية ما يتعلق بإصرار الرئيس على أن منظمة التحرير هي مظلة للحوار، هو الذي تجاهل مشروع إعادة تشكيلها على أسس جديدة، مع العلم أن حماس ما زالت تصرّ على أن الحوار هو مع فتح وليس مع المنظمة، فضلاً عن وجود اتفاق مسبق بين جميع الفصائل على إعادة تشكيلها (أعني المنظمة)، الأمر الذي لا يبدو أنه سيحدث في المدى القريب.

"
ليس في وارد مصر التسامح مع أية صيغة تبقي المشروع الوطني الفلسطيني رهين فوز حماس "المفاجئ" في الانتخابات، وهي مصممة على إعادة الوضع إلى نصابه القديم، فضلاً عن إصرارها على التخلص من الوضع "الشاذ" في قطاع غزة
"
هناك في الجانب الشكلي أيضاً ما يتعلق براعية الحوار، أعني مصر، وهذه الأخيرة ليست في وارد التسامح مع أية صيغة تبقي المشروع الوطني الفلسطيني رهين فوز حماس "المفاجئ" في الانتخابات، وهي مصممة على إعادة الوضع إلى نصابه القديم، فضلاً عن إصرارها على التخلص من الوضع "الشاذ" في قطاع غزة.

والخلاصة أن ثمة إصرارا مصريا فلسطينيا (فتحاوي تدعمه فصائل منظمة التحرير) أميركيا إسرائيليا على إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل انتخابات مطلع عام 2006.

نأتي إلى سؤال السبب الكامن خلف الدعوة إلى الحوار في هذا التوقيت بالذات، وهنا لن نجد أنفسنا سوى أمام جملة من الاحتمالات ليس أهمها ما يتعلق بالحرص على الوحدة الوطنية لمواجهة العدو، وإن تكن القيادة الفلسطينية معنية بأي شيء يدعم موقفها التفاوضي.

الاحتمال الأول هو أن تكون لدى الرئيس الفلسطيني معلومات حول اجتياح قريب لقطاع غزة، الأمر الذي سيشكل له إحراجاً كبيراً أمام الجماهير الفلسطينية، وكذلك للحركة التي ينتمي إليها، لاسيما إذا انطوى الاجتياح على الكثير من الضحايا والكثير من الصمود والبطولة في آن، وبصرف النظر عن ما اذا انتهى الاجتياح إلى الفشل، أم إلى السيطرة على القطاع وإعادته إلى "حضن الشرعية".

الاحتمال الثاني أن تكون الدعوة لوناً من ألوان الحرد السياسي الذي مارسه مراراً عبر تسريبات تتحدث عن نيته الاستقالة، وذلك على أمل الضغط على الأميركان والإسرائيليين ليعطوه عرضاً معقولاً يعود به إلى الفلسطينيين الذين وعدهم بحل معضلتهم عبر التفاوض، وليس عبر "عبث" السلاح، فضلاً عن عبث "المفرقعات" التي يسمونها صواريخ كما يردد دائماً هو ورموز الفريق المحيط به.

لا يستبعد بالطبع أن يكون ذلك صحيحاً، لاسيما أن الرجل لا يطلب الكثير، فقد تنازل واقعياً عن حق العودة، كما وافق على مبدأ تبادل الأراضي، إي إبقاء الكتل الاستيطانية الكبيرة في مكانها، ولم يبق له غير المطالبة بحصة في القدس الشرقية (الحقيقية) وليس تلك التي ضمت إلى المدينة بعد عام 67، إضافة إلى شكل معقول من أشكال الحضور والسيادة على ما يعرف بمنطقة الحوض المقدس، حيث المسجد الأقصى.

هناك الاحتمال الثالث المتعلق بتوصله لاتفاق فعلي مع الإسرائيليين، بصرف النظر عن مضمونه، الأمر الذي لا يمكن الإعلان عنه في ظل الانقسام بين الضفة وغزة، ولا في ظل منظومة تشريعية تتصدرها حماس، حتى لو كان نوابها في السجن، ما يحتم استدراج حماس أو التفاهم معها على انتخابات مبكرة في ظل قانون القائمة النسبية الذي لم يمنحها في السابق، وفي ظل نزاهة مشهودة سوى 44% من الأصوات، ما يعني أن أية انتخابات أخرى ستعني بالضرورة عودة الأمور إلى "نصابها الصحيح"، مع العلم أن عاقلاً لن يصدق أن الانتخابات ستكون بذات الشفافية والنزاهة القديمة.

"
من بين الأسباب التي تكمن خلف دعوة الرئيس عباس للحوار أن تكون لديه معلومات حول اجتياح قريب لقطاع غزة، أو أن تكون الدعوة لوناً من ألوان الحرد السياسي, أما الاحتمال الثالث يتعلق بتوصله لاتفاق فعلي مع الإسرائيليين، بصرف النظر عن مضمونه
"
تلك هي كلمة السر في مسار الحوار والمصالحة، أعني الانتخابات المبكرة، حتى لو انطوى على إدراك للحاجة الفلسطينية إليه. صحيح أن بوسع حماس المطالبة بإبقاء القانون القديم، لكن ذلك سيكون صعباً في ظل إجماع الفصائل على نظام القائمة النسبية.

ويبقى أن بوسع الحركة الموافقة على القانون الجديد ولكن بشرط إقرار نسبة حسم معقولة لا تقل عن 5% لا بد أن يتجاوزها الفصيل حتى يدخل المجلس (في تركيا نسبة الحسم 10%)، بينما توزع أصوات الخاسرين على الفائزين، الأمر الذي لن توافق عليه الفصائل الأخرى التي تعلم أنها لن تحصل سوى على نسب مجهرية تراوح دون 3%.

ما يعني أنها لن تقبل بوجود أية نسبة حسم مهما كانت ضئيلة، والنتيجة الطبيعية في هذه الحال هي فوز فتح وحلفائها في ظل وضع صعب لحركة حماس في الضفة الغربية، إلى جانب طموح الناس في القطاع للتخلص من الحصار.

ثمة جانب ذو صلة بتوقيت الحوار يتعلق باقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية، حيث تنتهي ولاية الرئيس عباس مطلع العام 2009، ما يعني أن عليه الدعوة لانتخابات قبل ذلك بثلاثة شهور، ولذلك سيكون من الأفضل بالنسبة له ولحركة فتح التوافق على انتخابات رئاسية وتشريعية في ذات الوقت للتخلص من الوضع القائم.

وإذا كانت تلك هي نوايا حركة فتح، أو لنقل قيادة السلطة بتعبير أدق، فكيف يمكن لحركة حماس التعامل معها؟

هنا تنهض جملة من الأسئلة التي لا ندري كيف ستجيب عليها الحركة خلال المرحلة المقبلة، وهي ورطة ذات علاقة بالخطأ المتمثل في خوض الانتخابات وتصديق نظرية تحويل سلطة صممت من أجل خدمة الاحتلال، وما زالت تقع تحت وصايته، لاسيما في شقها الأهم (الضفة الغربية)؛ نظرية تحويلها إلى سلطة تسند المقاومة أو تخدم برنامج التحرير، فضلاً عن تصديق كذبة الديمقراطية في ظل الاحتلال.

ولا تسأل بعد ذلك عن مشكلة الحسم العسكري في القطاع وإن انطوى الرد بقصة دايتون على بعض الوجاهة.

إنها سلطة لا يمكن تغيير بنيتها، وقد حاول ياسر عرفات ذلك فانتهى مقتولاً بينما يقبع قادة حماس ونوابها ووزراؤها وأعضاء المجالس البلدية في الضفة الغربية في السجون الصهيونية، ولن يخرجوا إلا في حال أيقن الاحتلال أن خروجهم يخدم برنامجه في تكريس سلطة الأمر الواقع التي ستتحول إلى دولة ذات نزاع حدودي مع جارتها.

إنها سلطة صممت من أجل تغيير صورة الاحتلال وتخليصه من الأعباء السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية التي كانت تترتب على الصيغة القديمة، ولا ندري كيف صدق البعض إمكانية إنتاج ديمقراطية في ظل هذا الوضع، اللهم إلا أن تكون ديمقراطية تؤبد النزاع وتلغي مسار المقاومة (أليس دعم الاحتلال لها ولمشاركة حماس فيها دليل على ذلك؟).

"
السلطة الفلسطينية صممت من أجل تغيير صورة الاحتلال وتخليصه من الأعباء السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية التي كانت تترتب على الصيغة القديمة، ولا ندري كيف صدق البعض إمكانية إنتاج ديمقراطية في ظل هذا الوضع
"

إن أي توجه نحو المشاركة في انتخابات جديدة مهما كانت لا بد أن يأخذ في الاعتبار حقيقة أن المسار القادم هو السلطة (الدولة) بصرف النظر عن مساحتها وسيادتها وشكل ارتباطها بالاحتلال، وربما بالأردن بحسب الطموح الإسرائيلي.

وهي سلطة لا مكان فيها للمقاومة، فهل تقبل حماس بذلك، أم ترفضه وتطالب بحل السلطة وإعادة الصراع إلى وضعه الطبيعي كصراع بين محتلين وشعب واقع تحت الاحتلال، وأقله رفض إملاءات السلطة القائمة والإصرار على المقاومة ودفع الثمن مرتين، مرة من الاحتلال ومرة مع الأشقاء المصرّين على تنفيذ برنامجهم؟

ما يجري في الضفة الغربية على الصعيد الاقتصادي الاستثماري وكذلك على الصعيد الأمني برعاية الجنرال الأميركي دايتون (تسليم الأمن في المدن للشرطة الفلسطيية) يؤكد ذلك، فهنا ثمة لعبة ليس فيها مقاومة ولا من يقاومون، بل هدوء وأمن واستثمارات، بصرف النظر عن مسار التسوية، وما إذا كان سيصل إلى صيغة نهائية أم مجرد دولة قائمة، أو مؤقتة بحسب خريطة الطريق، أو حتى العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل 28/9/2000، تاريخ اندلاع انتفاضة الأقصى.

فيما يتعلق بقطاع غزة سيكون على حماس الإجابة على سؤال ما إذا كانت تريد فصله عن الضفة أم ستحتكم في نهاية المطاف للانتخابات (المبكرة أم غير المبكرة) ما يعني إمكانية عودة السلطة لحركة فتح وحلفائها، أم ستبقى أسيرة الوضع القائم إلى أمد غير معلوم متحملة بعض أوزار الفصل، مع استمرار معاناة الحصار وإشكالاته، فضلاً عن معاناة فرعها الآخر في الضفة من عسف الأشقاء والأعداء في آن.

ثم دعونا نعتبر أن الانتخابات الجديدة ستفضي إلى فوز حماس. ما الذي سيترتب على ذلك، هل هي حكومة جديدة يقاطعها الأميركان والغرب ويحاصرها الإسرائيليون، وهل ستقبل فتح ومصر وتل أبيب بذلك؟ ثم ماذا ستفعل الحكومة العتيدة بينما يمكن للإسرائيليين اعتقال نوابها ووزرائها في أية لحظة؟

أسئلة كثيرة تصعب الإجابة عليها، ووحده مسار التنازلات والقبول بالفتات المعروض، أو القبول بمسار محمود عباس التفاوضي بصرف النظر عن مآله، وحده المسار الذي ينسجم مع الحالة الراهنة، مع أنه لن يضمن الخلاص في ظل الإصرار على "استعادة الشرعية" بأية وسيلة وبؤس العروض الإسرائيلية. فهل يمكن لحماس القبول بذلك، أم سترفض الانتخابات برمتها مكتفية بالجولة الماضية كدليل على شرعية المقاومة؟

إنها ورطة القضية برمتها، والحل المتاح إنما يتمثل في حلّ السلطة في الضفة مع توافق وطني على إدارة القطاع في ظل تأكيد على وجوده تحت الاحتلال، بالطبع لكي يتحمل المسؤولية عن حاجات أهله الإنسانية، بحسب القوانين الدولية.

لكن مساراً كهذا لن يكون مقبولاً من طرف قيادة السلطة وحركة فتح، وهنا لا أقل من التوافق على اعتبار السلطة برمتها سلطة مقاومة تدار بالتوافق الوطني في الضفة والقطاع، من دون انتخابات ولا ديمقراطية في ظروف لا تسمح بها.

"
مرحلة شائكة، والفائز فيها من يصر على المسار الصحيح، مسار المقاومة الذي ثبت أنه وحده القادر على الانتصار وإعادة الحقوق والكرامة ولو بعد حين، وهو ما تتمسك به حماس وتدفع مقابله الدم والتضحيات
"
إنها ليست أزمة حماس وحدها، بل أزمة القضية، كما أن لكل طرف أزمته أيضاً، وهذا بالتحديد ما يخفف ورطة الحركة. نعم الجميع في أزمة: السلطة ومسارها المفاوض الذي لا يفضي إلى شيء مقنع بينما يتخذ غطاءً لتصعيد الاستيطان، وفتح واختطافها من قبل فريق بعينه، مع عجزها عن تجديد نفسها وبرنامجها.

ولا تسأل عن ورطة الإسرائيليين العاجزين عن تركيع الشعب الفلسطيني، وأضف إلى ذلك ورطة الأميركان والمخاض الدولي واحتمالات الحرب على إيران وما يمكن أن يترتب عليها.

هي إذن مرحلة شائكة، والفائز فيها من يصر على المسار الصحيح، مسار المقاومة الذي ثبت أنه وحده القادر على الانتصار وإعادة الحقوق والكرامة ولو بعد حين، وهو ما تتمسك به حماس وتدفع مقابله الدم والتضحيات، ما يجعلنا متفائلين بخروجها من المأزق الحالي، ومعها القضية برمتها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة