أية تحديات تواجه الثورات؟   
الاثنين 17/2/1434 هـ - الموافق 31/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:44 (مكة المكرمة)، 11:44 (غرينتش)

لا تكتفي الدولة القومية الحديثة بطبعتها التي عرفها العالم في القرن الثامن عشر باحتكار أدوات العنف، بل تضيف إليها سيطرة شبه مطلقة على سائر مناحي حياة الإنسان من صحة وتعليم وسوى ذلك، وهو ما أفرز في الغرب خلال العقود الأخيرة ما عرف بمنظمات المجتمع المدني التي جاءت كرد على تغوّل الدولة على المجتمع.

في العالم العربي لم تكتف الأنظمة باستعارة نموذج الدولة الحديثة المحتكرة، بل أضافت إليه قدرا كبيرا من الدكتاتورية أفضى بمرور الوقت إلى سيطرة نخب محدودة على السلطة والثروة

وتختلف هذه الدولة عن تلك التي نشأت في العالم الإسلامي خلال قرون طويلة، وكانت تستند إلى قوة المجتمع بعلمائه وأوقافه وتجمعاته المهنية أكثر من استنادها إلى قوة الدولة التي كانت تكتفي بحماية الثغور وجباية الضرائب؛ كل ذلك قبل حركة التحديث العثماني التي استعارت النموذج الأوروبي في بناء الدولة.

في العالم العربي لم تكتف الأنظمة باستعارة نموذج الدولة الحديثة إياه، مضيفة إليه السيطرة على الأوقاف والمساجد (حركة الدين في المجتمع)، بل أضافت إليه قدرا كبيرا من الدكتاتورية أفضى بمرور الوقت إلى سيطرة نخب محدودة على السلطة والثروة.

ولكي تؤكد تلك النخب سيطرتها تلك، كان عليها أن تُخضع سائر المؤسسات لهيمنتها من خلال الفساد والإفساد، فجرى تدجين مؤسسة الأمن وإفساد رموزها، ثم تمت السيطرة على حركة الثروة أيضا من خلال تحالف النخب الحاكمة مع رجال الأعمال الذين سيطروا بدورهم بالتحالف مع تحالف السلطة لاحقا على مؤسسات التوجيه والإعلام.

ولأن هذا التحالف كان في حاجة إلى دعم الخارج المؤثر في ظل خلل ميزان القوى الدولي لصالح الغرب، فقد كان عليه أن يُرهن قراره السياسي، وربما الاقتصادي أيضا للخارج، من أجل الحصول على دعمه، أو تجنب غضبه في أقل تقدير.

في ظل هذه المعادلة الشيطانية (أسماها البعض الدولة العميقة)، جاءت الثورات العربية في محاولة لتصحيح مسار تاريخي خاطئ أفضى إلى تبعية للخارج وتضييع لقضايا الأمة والوحدة والاستقلال الحقيقي من جهة، فيما أفضى من جهة أخرى -وهذا هو الأهم- إلى سيطرة نخب معينة على السلطة والثروة، مع تصاعد لوتيرة القمع لأية معارضة ذات قيمة في المجتمع، مما أنتج وضعا اجتماعيا مشوها بإفرازه لطبقة من فاحشي الثراء مقابل إفقار الغالبية وتراجع الطبقة الوسطى تدريجيا في المجتمع.

انتصرت الثورات في عدد من الدول العربية، وكان أن أطاحت بالقيادة الحاكمة في أعلى مؤسسات الدولة، لكن ذلك لم يؤد إلى تفكك عناصر الدولة العميقة التي ظلت حاضرة تدافع عن مكتسباتها من جهة، فيما تجاهد لإثبات فشل الثورة في تلبية طموحات الناس من جهة أخرى، وبالطبع على أمل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

تغير الهرم الأعلى في مؤسسات الدولة، لكن المؤسسة الأمنية (وجزءا من العسكرية أيضا) ظلت حاضرة ولها سطوتها، وهي مؤسسة كان جزء مهم منها قد أفسد بتوالي العقود الطويلة. أما طبقة رجال الأعمال التي راكمت ثرواتها من خلال التحالف مع سلطة فاسدة، فظلت تدافع هي الأخرى عن مكاسبها لكي لا تطالها يد الثورة، وأخذت تسعى من خلال ما تملكه من حضور وتأثير في مؤسسة الإعلام إلى إجهاض الثورة وإثبات عبثيتها، وكل ذلك مدعوم من دول عربية أخرى تخشى أن تمتد يد الربيع العربي إليها، وتدفع لأجل الحيلولة دون ذلك الكثير من المال مع الضخ الإعلامي.

موقف الغرب غير الواضح في تصديه للثورات العربية لا يعود إلى إيمانه برسالتها، ومن ضمنها التعددية، بل يعود أصلا لما أبدته الشعوب العربية من تصميم على التغيير

يضاف إلى ذلك تواطؤ من قبل الخارج الغربي الذي يبدو معنيا هو الآخر بإفشال الثورات كنموذج، وإن ادعى أنه معني بالتحولات الديمقراطية، لا سيما أن مصلحة الكيان الصهيوني تحضر بقوة (لديه عداء مستحكم مع التيار الإسلامي بسبب العداء الأيديولوجي)، ومعها مصالح اقتصادية تتعلق بسوق استهلاك كبير ومصدر للمواد الخام أيضا.

والحال أن موقف الغرب غير الواضح في تصديه للثورات العربية، لا يعود إلى إيمانه برسالتها، ومن ضمنها التعددية، بل يعود أصلا لما أبدته الشعوب العربية من تصميم على التغيير، والأهم بسبب حجم التناقضات بين القوى الدولية وعدم وجود انسجام بينها فيما يتصل بالتعاطي مع الثورات.

ولا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إنه لولا تراخي القبضة الأميركية على العالم بسبب هزائمها في العراق وأفغانستان والأزمة المالية، لولا ذلك لما كان لها أن تسكت على تساقط حلفائها في المنطقة، لا سيما الكبار على شاكلة مبارك وبن علي، فضلا عن تهديد البقية.

أميركا لم تتغير، بل الظروف الدولية هي التي تغيرت، فأميركا التي انقلبت على حكومة مصدق في إيران (1953)، وسعت إلى الانقلاب على شافيز في فنزويلا (2002) لأنهما هددا مصالحها، لا تزال هي ذاتها، أميركا الإمبريالية، ولو أتاحت لها الظروف الدولية التدخل من جديد لفعلت. وبالمناسبة فما استخدمته أميركا من أدوات المال والإعلام والبلطجة والضغط الاقتصادي في السياقين المشار إليهما هو ذاته الذي يُستخدم الآن ضد الثورات العربية، بخاصة في مصر وتونس، وإن بأدوات عربية لا يمكنها التحرك دون ضوء أخضر من واشنطن.

ما نتابعه في دول الثورات، وفي مقدمتها مصر وتونس وحتى اليمن وليبيا (قد يحضر المغرب أيضا) نموذج لهذا الصراع الرهيب بين مؤسسات الدولة العميقة، والبنية التي أفرزتها، بدعم من الخارج (العربي والغربي) وبين الثورة الجديدة.

ومما زاد الوضع سوءا أننا إزاء حرب إفشال تتورط فيها قوًى حزبية وأيديولوجية عالية الصوت تحاول الرد على خروجها من كعكة التحول الجديد بحصة باهتة. وتتعامل مع الثورة بوصفها غزوا لا بد من توزيع غنائمه على المشاركين فيه، وليست ثورة تنتهي بتعددية سياسية عمادها الاختيار الحر للناس.

من الصعب مقارنة هذا الذي يجري حتى بتجربة أردوغان في تفكيك مؤسسات الدولة العميقة، رغم أوجه التشابه الكثيرة، والسبب أن تركيا كانت تعيش تجربة ديمقراطية طويلة أنتجت ممارسة ديمقراطية معقولة (وفق قانون انتخابي جيد) ساهمت في حراك جيد بين قوى المجتمع رغم الانقلابات وسيطرة العسكر، كما أن التحول فيها لم يأت نتاج ثورة بالمعنى الذي يتوفر في حالة الربيع العربي.

الأمة تسير في الاتجاه الصحيح؛ وهي تعيش صراعات لا بد أن تفضي في نهاية المطاف إلى نموذج للحكم وبناء الدولة ينسجم مع تطلعات الناس في الحد المقبول

ليست هذه نبرة تيئيس بحال، بل هي محاولة لوضع الأمور في نصابها حتى يدرك الجميع أن معركة التحول لن تكون سهلة ولا ميسورة، بل ستشهد الكثير من الصراعات الصعبة حتى تستقر الممارسة الديمقراطية ويتوفر قدر من الإجماع على هذه الممارسة، تماما كما حصل في أوروبا التي مرت بتحولات أكثر صعوبة بكثير من حيث الحروب الأهلية والمساومات حتى استقرت على ما هي عليه، مع العلم أن قدرات الدولة الاقتصادية في الغرب هي التي تساعد عمليا في لملمة الوضع الداخلي وتسكينه، ولو تراجع الوضع الاقتصادي وغابت دولة الرفاه لاختلف المشهد في كثير منها.

القضية هنا لا تتعلق بالإسلاميين، بل بنموذج الحكم برمته، أولا من حيث عقيدة مؤسسة الأمن والجيش، وثانيا من حيث طبيعة نظام الحكم، وفي مقدمته النظام الاقتصادي الذي ينبغي أن يتخلص من نموذج الرأسمالية بطبعتها المتوحشة، وثالثا من حيث الممارسة الديمقراطية للقوى والأحزاب وعموم المجتمع، والأهم من حيث توفر قدر من الإجماع على هوية الدولة والمجتمع التي تعرضت لكثير من التشويه خلال أكثر من قرنين من الزمان. ولا بأس أن تجري بعد ذلك محاولات حقيقية لاستعادة نموذج الدولة الإسلامية الذي يعزز قوة المجتمع (المدني) على حساب قوة الدولة.

ما يعنينا هنا هو أن الأمة تسير في الاتجاه الصحيح؛ وهي تعيش صراعات لا بد أن تفضي في نهاية المطاف إلى نموذج للحكم وبناء الدولة ينسجم مع تطلعات الناس في الحد المقبول، لا سيما أن المدافعة الإنسانية للوصول إلى أفضل النماذج في الحكم ما زالت قائمة في كل مكان، بما في ذلك الغرب الذي تتعرض تجربته في التعددية لكثير من النقد أيضا؛ كل دولة بحسب تجربتها الخاصة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة