حمص المحرقة.. دماء الثورة المنتصرة   
الجمعة 24/3/1433 هـ - الموافق 17/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:27 (مكة المكرمة)، 12:27 (غرينتش)
 
باتت فداحة البرنامج الإرهابي الوحشي الذي يقتحم كل مُدن القطر السوري مِفصلاً يكتب فيه الربيع العربي طوراً جديداً يتلخص في أنّ العالم العربي يستفيق على إعادة ذلك المشهد الذبيح لأهالي حماة عام 1982 لكنه الآن يجري للمدن السورية وفي حمص بالذات على الهواء مباشرة.

ولعل وقوف العرب والعالم على أن مذابح كتائب الأسد تُكرر ما نفذته الآلة الصهوينة في قانا لكن بصورة يومية، كما أن عدد شهداء محرقة غزة تتجاوزه أعداد شهداء الثورة السورية مع خصوصية للآلة الأمنية لقوات الأسد في التعذيب والأشلاء والاغتصاب, ومع كل ذلك لا تزال حركة التغير والتدحرج الإستراتيجي لسقوط النظام مستمرة .

مساران للجديد العربي
أول ما يلفت النظر في تطورات الموقف العربي مساران متباينان، الأول هو إعادة تحريك موقف أمين الجامعة العربية نبيل العربي في مصلحة النظام وإعلانه موقفا جديدا أمام مذبحة حمص وتَبَيُّن سقوط الجنرال محمد الدابي شخصية وتقريراً, لكن الأمين العام (في وقت سابق تجاوزته الأحداث) أعلن مجدداً وفي ظل هذه الترسانة من القتل عودة مراقبين نوعيين انتقوا من الأنظمة الحليفة للأسد, في ظل ترحيب من النظام وروسيا تحديداً، وهو ما يُعطي مؤشرا مهما لاستمرار موقف نبيل العربي المقرب من خصوم الثورة السورية وخاصة المشروع الروسي الإيراني .

أما المسار الثاني فهو إعلان دول مجلس التعاون الخليجي عن طرد سفراء النظام السوري واستعادة سفرائهم مع حركة انسحاب دبلوماسي، وخطوة تونس الثورة التي سبقت الجميع بطرد سفير النظام لديها, وهو ما يشير بمركزية أكبر إلى أنّ سقف التعامل مع النظام لدى هذه المنظومة الخليجية وبعض الدول العربية يرتفع وقد يأخذ أبعاداً أخرى.
 
المنطقة العازلة على الحدود التركية السورية تحقق هدفين رئيسيين الأول ضمان إجلاء أكبر عدد من المدنيين وتأمين حياتهم, والثاني تأمين هذه المنطقة للدعم اللوجستي للجيش السوري الحر
وهو أيضاً إشارة إلى أنّ دول الخليج العربي في ظل الشراكة النوعية الشرسة من الإيرانيين وحزب الله خاصة بعد الشهادات المصورة لهم والموثقة لدعم الأعمال القمعية للنظام, أدركت أنّ سحق النظام للثورة يعني خطراً مركزياً لهم.
 
ومع أهمية هذه الخطوة إلا أنها تُحيل البرنامج إلى تطلع مهم لخطوة مركزية حاسمة مطلوبة من دول الخليج العربي خاصة بعد تعطيل المسار الدولي, هذه الخطوة هي التوجه الثنائي للتعامل مع أنقرة مباشرة لتحقيق المنطقة العازلة من خلال تبني الخليج لتشجيع أنقرة وتحفيزها مع ضمان استدعاء التغطية الدولية للقرار التركي ودعمه مالياً.

وكما ذكرنا في مقالات سابقة فإن هذه المنطقة العازلة على الحدود التركية السورية تحقق هدفين رئيسيين، الأول ضمان إجلاء أكبر عدد من المدنيين وتأمين حياتهم كواجب إنساني مجرد. والثاني تأمين هذه المنطقة للدعم اللوجستي للجيش السوري الحر والتنقل منها وإليها خاصة مع الزيادة الكبيرة في أعداد المجندين المنضمين للجيش الحر وتطور عملياته النوعية.

وفي ذات السياق تستمر المنهجية الخليجية الدبلوماسية في الضغط على النظام لتحفيز أكبر وسائط ضغط عليه لتسريع سقوطه وليس ليرتدع عن قتل المدنيين، فهذه أضحت محرمة من المحرمات عنده مع تشجيع روسي مركزي شاركت فيه الصين عبر الفيتو الأخير.

ولا يبدو أن لموسكو مساحة للمراجعة في موقفها الذي بات ملتبساً بين مصالحها مع النظام والتسديد المادي الإيراني لصالحه وبين مخاوف الروس من فكرة التحرر الذاتية للشعوب وقلق الدب الروسي من بعدها المحلي, وهو ما جعله يرى في نماذج الاستبداد المتبقية حلقة وصل بالعهد القديم المتمسك به.

المسار الدولي البديل
لم يكشف الشيخ حمد بن جاسم عن كل تفاصيل مشروع الترويكا الجديد للحراك العربي الدولي الذي أعلن عنه, لكنه وخاصة مع تأكيد باريس وواشنطن المتجدد استبعاد الخيار العسكري يتمحور حول خطة إنشاء فريق دولي وعربي مع تركيا لتحقيق ضغط دبلوماسي يرتفع بالضغط على النظام وإن كانت تل أبيب على موقفها بل وتؤكده من رفضها لسقوط النظام, يعزز ذلك أنباء سحب قوات الأسد من الحدود الإسرائيلية بصورة كبيرة في ظل توسع مواجهاته للجيش الحر وقصف حمص وإدلب ودرعا والزبداني المستمر وتوسّعه لمدن أخرى.

لكن التقييم الدولي لسقوط الأسد الحتمي يجعل الغرب حريصاً على بقائه بقرب الصورة لمتابعة الوضع واستثمار أي مساحة, ما يعنينا هنا ارتباط هذا المسار بذات الفكرة في تحقيق المنطقة العازلة وهي القضية الأهم للثورة السورية.

الجيش الحر يستثمر ويزحف
أعطت الصورة الأخيرة للمشهد الثوري السوري وحديث كل الأطراف موقفاً موحدا من إقرار الجميع بأن الجيش السوري الحر يقود المشروع المركزي للتحرير, خاصة بعد اتحاد التنسيق بين هيئات الثورة وانسجامها الكلي مع الجيش الحر وإعلان المجلس الوطني السوري صراحة بأنه يدعم الجيش الحر بكامل توجهاته واحتياجاته، وهو ما يعني أن الثورة السورية توحدت واندمجت مع الطور الجديد لمشروع التحرير, فما هي الخريطة الإستراتيجية لبرنامج الجيش الحر؟
 
مع تربع حمص وعرسها الفدائي ونصبها الجنائزي الملهم في بعده النضالي وتمركزها كعاصمة للثورة يبدو أن المحفل الدموي من علامات التحول المركزي لخطة الجيش الحر
مع تربع حمص وعرسها الفدائي ونصبها الجنائزي الملهم في بعده النضالي وتمركزها كعاصمة للثورة يبدو هذا المحفل الدموي من علامات التحول المركزي لخطة الجيش الحر, فمع كل الاقتحامات التي تجري لأحياء الثورة إلا أن وضعية الجيش الحر لم تتأثر بل تزداد في هذه الأيام من اشتعال المذابح .
 
 
وخلال الأسابيع القليلة الماضية تزايد عدد المجندين بصورة كبيرة خاصة بعد أن اضطر النظام إلى إشراك فرق أخرى غير الفرقة الرابعة المبنية على الولاء الطائفي الأمني لأسرة الأسد, وتبين بأن ما يخشاه النظام كان أكبر مما كان يتوقعه وأن عدد المنشقين تزايد في مواقع عديدة جعلته يضطرإلى أن يُقسّم مهمة الفرقة الرابعة إلى قسمين: قسم لمباشرة العمليات العسكرية ضد المدنيين, والقسم الآخر جعله منوطاً بتنفيذ عمليات إعدام لأي رصد يعتقد أنه محاولة للانشقاق من الفرق الأخرى فتعزز الاضطراب في بنية النظام العسكرية .

وقدم أحد شهود العيان في حوران شهادة مهمة تؤكدها تواتر الأفلام المصورة لإعلان الانشقاقات حتى بات من الصعب حصرها فهي تنشر بأسماء ومواقع جديدة يوميا, أما شاهد حوران فيقول إن إحصاء عدد المنشقين في أحد أيام الأسبوع الماضي وهو الأسبوع الأول من فبراير/ شباط ليوم واحد فقط وفي حوران بلداتها وريفها بلغ ثمانين جنديا تم تأمينهم بالفعل وإلحاقهم بوحداتهم المناسبة في الجيش الحر, فماذا عن باقي المدن والأقاليم إذا كان ذلك في نطاق حوران فقط ؟

وتشديد وزير الخارجية الروسي على مخاوفه من الجيش الحر وطلبه الحد من نفوذه يشير إلى رصد الروس الذين لهم عدد كبير من الضباط في قاعدة طرطوس يؤكد حركة التزايد والانتشار لعدد وقوات الجيش الحر التي تقدر بعشرات الآلاف، مع ملاحظة مهمة جداً أن الجيش الحر يقوم بإعادة تدوير مجنديه ليلحقهم بمناطقهم التي ينتمون إليها, وهو تحفيز نوعي كبير في ظل مشروعية روحية ونضالية كبيرة يستشعرها مقاتلو الجيش الحر, يقابلهم نفسيات منهارة للمجندين الآخرين تنتظر لحظة الهروب, مع قلق وفزع للشريحة الخاصة بأمن النظام داخل الجيش وارتباطه بأسرة الأسد, وانفصاله العدائي للشعب السوري وثورته .

خطة الزحف
لأول مرة يتبلور تصور محدد بات بالإمكان مقاربته كخطة عسكرية للإنقاذ ينفذها الجيش السوري الحر, ولذا عمد النظام بحسب شهادة القرويين الأتراك لمراسل الجزيرة في تلغيم مناطق العبور إلى تركيا خشية تأمين المدنيين حيث إن تأمينهم يُعطي فرصة أكبر للجيش الحر, والثاني احتماليات توسع خطة الجيش الحر من حماية المدن بعد مواجهات صعبة ستعيشها سوريا حاليا, ثم التحول لتشكيل حزام يزحف إلى الحدود التركية فتكون المنطقة العازلة تحصيل حاصل، ومن هذه المنطقة تتحول حرب التحرير إستراتيجيا وصولاً إلى دمشق التي سجل ريفها عمليات مواجهة عنيفة بين قوات النظام والجيش السوري الحر .
 
مطلوب تكتل عربي يتحول إلى لوبي ضغط يركز على تركيا وعواصم الخليج والعواصم العربية الأخرى لحفزهم على تشجيع حكومة أردوغان على تأمين المنطقة العازلة
إن مجريات حراك الثورة مستمر في التطور والاضطرار النوعي، لكن الكارثة في إحجام العرب والمسلمين والعالم الحر عن القيام بخطوات إضافية لإغاثة الشعب وتسريع فرص النصر, ومن ذلك عدم وجود تكتل عربي من النخبة من علماء وسياسيين سابقين ومثقفين يتحوّلون إلى لوبي ضغط يركز على تركيا وعواصم الخليج والعواصم العربية الأخرى والبرلمان المصري الذي يغيب كليا عن دور الدبلوماسية المصرية الداعمة حالياً لتحركات نبيل العربي المناهضة للثورة, وليس المطلوب أن يتحول البرلمان عن همومه المصرية المعقدة لكن فقط يتحرك لمصلحة الثورة في هذه الدبلوماسية التي يتلاعب بها أصدقاء العربي وهم من ميراث النظام السابق ويدعمون من خلالها النظام في دمشق.

ومن أهم الأولويات لهذا اللوبي تركيزه على علماء ومشايخ الطرق ونواب البرلمان التركي والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني لحفزهم على تشجيع حكومة أردوغان على تأمين المنطقة العازلة, ولذلك ليس عليهم كنخب وحكومات أن يسألوا ماذا ستفعل الثورة, فالثورة خطت طريقها بين دماء الفداء، إنما السؤال ما هي الخطوة المطلوبة لمتابعة الدعم والتذكر بأن كل تأخر يعني حصد مزيد الآلاف من أرواح الشهداء حتى الرضّع الخُدّج صنفهم النظام مجموعات مسلحة فاستباح أرواحهم وقتلهم ..لكن غدا ستستحضر أرواحهم في عهدة الفجر الجديد ويقتص الشعب الجريح لهم.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة